طلال حسن : الزنبقة (رواية للفتيان)

talal hasanشخصيات الرواية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ الأم
2 ـ كوروسوك
3 ـكيمي ـ فتاة
4 ـ كوراهاشي ـ والد كيمي
5 ـ الأمير
6 ـ يينوكي ـ الكاهن
7 ـ تامي ـ فتاة
8 ـ سونوبي ـ السياف

“1 “
ــــــــــــــــــــ
على عادتها ، استيقظت أم كوروسوك ، مع استيقاظ الشمس ، وأعدت الفطور على مهل ، ثم ذهبت إلى ابنها كوروسوك ، وكان مايزال في فراشه ، وهزت رأسها مبتسمة ، لعله كالعادة يتظاهر بالنوم .
وجلست الأم على طرف السرير ، وقالت : كوروسوك ، أفق ، يابنيّ ، الشمس سبقتك اليوم .
وفتح كوروسوك عينيه اللامعتين ، وقال : كلّ عام وأنتِ بخير ، يا أمي .
ونهضت الأم ، وقد توارت ابتسامتها ، وقالت : انهض الآن ، هذا عيدكم أنتم الشباب .
واعتدل كوروسوك ، وقال : إنه عيد الحب ، يا أمي .
وأبعدت الأم عينيها الحزينتين عنه ، وقالت : لم أعد شابة ، يا بنيّ .
وصمتت لحظة ، ثم قالت بصوت حزين : لم أشارك في مهرجان هذا العيد ، منذ أن رحل أبوك .
ونهض كوروسوك ، وقال : أبي لم يرحل ..
وأطرقت الأم لحظة ، ثم اتجهت إلى الخارج ، وهي تقول : تعال نفطر ، قبل أن يبرد الطعام .
وجلسا يفطران ، دون أن تنبس الأم بكلمة ، بل إنها لم تنظر إلى كوروسوك نظرة واحدة ، وأوى كوروسوك إلى فراشه ، حالما انتهى من الفطور .
وتشاغلت الأم ، طوال ساعات الصباح بإعداد طعام الغداء ، لكن ذهنها كان مشغولاً بابنها كوروسوك ، وشعرت بالحزن من أجله ، لقد تسبب الأمير بموت زوجها الساموراي ، منذ حوالي عشر سنوات ، فما ذنبه ليعاني من أحزانها الدائمة ؟
وتناولا الغداء صامتين ، وحاولت الأم جهدها أن تتحدث إليه ، وتخفف عنه ، دون جدوى ، وبدل أن يخرج من البيت بعد الغداء ، كعادته كلّ يوم ، عاد إلى غرفته ، واستلقى في الفراش .
وأقبل الليل ، وحلّ الظلام ، وتناهىت من الخارج ، أصوات الشباب والشابات ، يتحدثون ويتضاحكون متجهين للاحتفال في مهرجان ” بون ” ، والانشغال طول الليل برقص ” بون اودوري ” .
وأشعلت الأم القنديل ، ودخلت غرفة ابنها كوروسوك ، وعلى ضوء القنديل الشاحب ، رأت كوروسوك متمدداً في فراشه ، وقد أولى وجهه للجدار .
واقتربت الأم من سريره ، وقالت : كوروسوك ..
وتململ كوروسوك ، دون أن يردّ ، فتابعت الأم قائلة : أعرف إنكَ لستَ نائماً ، انهض ، يا بنيّ .
وبدل أن ينهض كوروسوك ، اعتدل في فراشه ، وقال : لا داعي للنهوض ، يا أمي ، فعيد الحب والفرح ليس لنا ، في هذا البيت .
وحاولت الأم أن تبتسم ، رغم ملامحها الحزينة ، وقالت : لا يا كوروسوك ، إنه العيد لكَ بالذات ، أنت شاب ، والحياة أمامكَ ، انهض ، واذهب إلى الغابة ، وشارك الفتيان والفتيات الرقص في مهرجان بون .
” 2 “
ـــــــــــــــــــ
في طريقه إلى الغابة ، التي يُقام فيها مهرجان ” بون ” ، لم يرَ كوروسوك ،على ضوء القمر ،المعلق كالقندل في أعالي السماء ، إلا عدداً قليلاً من شباب وشابات القرية .
وهذا أمر طبيعي ، كما يرى ، فقد أسرع الجميع ، بعد غروب الشمس إلى الغابة ، إنه اليوم الأول من عيد الحب ، الذي كانوا ينتظرونه بفارغ الصبر ، ليلتقوا في الغابة تحت ضوء القمر ، ويغنوا ويرقصوا بعيداً عن أعين الحراس من الأهل والأقارب .
وتراءت له كيمي ، بأعومها الستة عشر ، وشعرها البنيّ ، وعينيها السوداوين اللامعتين ، و .. ترى هل هي بينهم الآن ؟
وحتى لو كانت كيمي بينهم ، فما الفائدة ؟
إنها زنبقة ، له أن يراها من بعيد ، ولا يقترب منها ، خاصة بعد أن التقى بأبيها ، وطلبها منه ، وسمع منه رده القاطع : لا .
جاءوا إلى القرية الصغيرة ، القريبة من الغابة ، التي يعيش فيها كوروسوك وأمه ، منذ أشهر قليلة ، ربما كان أبوها في الأصل من القرية نفسها ، لكنه عمل في المدينة سنين طويلة ، في خدمة الأمير .
وحين مرض الأب ، وعجز عن العمل عند الأمير ، ترك المدينة ، وبنى له في طرف القرية الصغيرة ، بيتاً جميلاً ، تحيط به حديقة واسعة غناء ، سكنه هو وزوجته وابنته الشابة كيمي .
وتوقف كوروسوك عند مشارف الغابة ، وقد تناهت إليه صيحات الشباب والشابات ، وأصوات ضحكهم ورقصاتهم ، وضجيجهم المرح .
ومرة أخرى تراءت له كيمي ، وتنهد متحسراً ، لعله استعجل ، وهذه ليست عادته ، ربما كان عليه أن يتعرف عليها أولاً ، ويعرف إذا كانت تميل إليه أم لا ، أراد أن يملكها ، قبل أن يسبقه إليها شاب من شباب القرية ، آه لا فائدة ، لقد فات الأوان .
وتقدم ببطء بين أشجار الغابة ، ولاح الشباب والشابات على ضوء القمر ، منغمسين في أفراحهم ، لا يلتفتون إلى شيء ، وراحت عيناه الملهوفتان ، تركضان دون ارادته بين الشابات المتراقصات ، بحثاً عن زنبقته ، بحثاً عن .. كيمي .
ورآها تتألق شباباً وفرحاً ، مثل قنديل وسط الظلام ، وتوقف متردداً ، وعيناه لا تفارقان زنبقته القنديل ، وهمّ أن يستدير ، ويعود إلى البيت .
واستدار فعلاً ، لكن قبل أن يسير مبتعداً كالهارب ، أقبلت عليه فتاة شابة ، وهتفت به بصوت فتيّ فرح : كوروسوك .
وتوقف كوروسوك ، فأدركته الفتاة الشابة ، آه هذه تامي ، ابنة جارهم البستاني ، فقال : أهلاً تامي .
ومدت تامي يديها الملهوفتين ، وأطبقت على يده ، وقالت : الليل في أوله ، تعال نرقص .
وسحب كوروسوك يده برفق ، من بين يديها ، وقال : عفواً يا تامي ، إنني متعب .
فقالت تامي : لكنك لم ترقص بعد ، يا كوروسوك .
وتراجع كوروسوك مبتعداً عن تامي ، وهو يقول : غداً ، ربما نرقص غداً ، العيد مازال في أوله .
” 3 “
ـــــــــــــــــــــ
عند حوالي الفجر ، في اليوم التالي ، عاد شباب القرية وشاباتها ، إلى بيوتهم ، بعد أن قضوا ساعات الليل في اللهو والرقص والغناء .
وهدأ الآباء والأمهات وكبار السن ، وتنفسوا الصعداء ، حين رأوا أبناءهم وبناتهم ، يعودون سالمين مع الفجر من الغابة ، فهم أنفسهم كانوا شباباً ، في يوم ما ، وعاشوا فعاليات مهرجان يوم الحب .
وأغلقت أبواب جميع البيوت في القرية ، قبل شروق الشمس ، عدا باب بيت عائلة كيمي ، وكيف يُغلق الباب ، وكيمي لم تعد بعد ؟
وظل أبوا كيمي ، ينتظرا عودة كيمي من الغابة ، على أحرّ من الجمر ، دون جدوى ، لقد عاد جميع الشباب والشابات إلى بيوتهم ، فأين كيمي ؟
وأشرقت الشمس ، وراحت تتسلق شيئاً فشيئاً مدارج السماء ، لكن كيمي لم تشرق ، وظلت وراء أفقها المظلم الغامض ، وعند الضحى ، خرج الأبوان يسألان عنها الشباب والشابات ، الذين كانوا معها ، لعل أحدهم يدلهما على أثر لها .
قالت فتاة شابة ، ممن يرافقن كيمي دائماً : ذهبنا إلى الغابة ، نحن بضعة فتيات ، وكانت كيمي معنا .
وقال شاب : كنت في ساحة الرقص ، مع عدد من الشباب والشابات ، ورأيتها تقبل على الساحة ، مع مجموعة من صديقاتها .
وقالت فتاة : رأيتها في ذروة الاحتفال ، وكانت مرحة ، سعيدة ، لا تكف عن الغناء والضحك .
وقال شاب : رأيتها ، وراقصتها ، وقد رقصت مع الجميع ، حتى النهاية .
وأكد شاب : عند عودتي ، قبيل الفجر ، عرضت عليها أن أرافقها ، في طريق العودة ، فاعتذرت قائلة ، إنها لم تشبع من الرقص بعد ، وأنها قد تتأخر قليلاً .
وقالت فتاة : رأيتها ، قبيل الفجر ، تمشي وحيدة بين أشجار الغابة ، متجهة إلى القرية .
وذكرت فتاة بكلمات مترددة : لقد لمحتها ، ربما تقف في أول الغابة ، مع شاب ، لم أره من قبل .
أما ايمي فقد قالت : عند منتصف الليل ، وقفت أتحدث مع كوروسوك ، ولمحته يسترق النظر ، بين فترة وأخرى ، إلى كيمي .
وعلى الفور ، خرج أبو كيمي مسرعاً ، من بيت ايمي ، وهو يقول لزوجته : اتبعيني .
وتبعته زوجته ، وسألته في الخارج : ما الأمر ؟
وردّ أبو كيمي ، دون أن يتوقف : لا أحد يعرف أين كيمي غير كوروسوك .
وما إن وصلا بيت كوروسوك ، حتى طرق أبو كيمي الباب ، وزوجته تقف حائرة إلى جانبه ، وفتحت الأم الباب ، ونظرت مذهولة إلى أبوي كيمي ، لكنها تمالكت نفسها ، وقالت : أهلاً ومرحباً ، تفضلا .
وخاطبها أبو كيمي متسائلاً : أين كوروسوك ؟
فردت الأم قائلة : إنه في الداخل ، تفضلا ، ما الأمر ؟
وأقبل كوروسوك مندهشاً ، وكان لم يعرف بعد بما جرى لكيمي ، وقبل أن يتفوه بكلمة واحدة ، انقض عليه أبو كيمي ، وأطبق بكفيه على عنقه ، وصاح : اريد ابنتي منكَ ، اريد كيمي .
وبرفق وسهولة ، أبعد كوروسوك كفي أبي كيمي عن عنقه ، وقال : كيمي لم تكن معي ليلة البارحة ، بل كانت مع شباب القرية وشاباتها .
فقالت أم كيمي بصوت تخنقه الدموع : عادوا جميعاً ، قبيل الفجر ، عدا ابنتي كيمي .
ونظر كوروسوك إليها ، وقال : لقد عدت عند منتصف الليل ، وكانت كيمي تلهو وترقص مع صديقاتها وأصدقائها في الغابة .
وتداعى أبو كيمي ، وكاد يتهاوى على الأرض ، وهو يقول : ابنتي .. كيمي .
ومدت أم كيمي يديها ، وأسندت زوجها ، وقالت : لنعد إلى البيت ، أنت متعب .
وسار أبو كيمي متوجعاً ، وهو يستند إلى زوجته ، وقال بصوت حائر : أين بنتي كيمي ؟ أين هي ؟

” 4 “
ـــــــــــــــــــ
انتهت أيام عيد الحب الثلاثة ، ولم تعد كيمي إلى البيت ، وطوال هذه الأيام ، قام والديها ومجموعة من الشباب والشابات بالبحث عنها ، في جميع أرجاء الغابة ، دون أن يعثر أحد منهم لها على أثر .
وذات ليلة ، رقد الوالدان في فراشهما، دون أن يغمض لهما جفن ، وتململ الوالد ، وتنهد مقهوراً حائراً ، ثم قال : والآن ما العمل ؟
ولاذت الوالدة بالصمت لحظة ، ثم التفتت إليه في الظلام ، وقالت : اذهب إلى الامير .
واعتدل الوالد في فراشه متمتماً : الأمير !
فقالت الوالدة : لقد خدمته فترة طويلة ، اذهب إليه ، لعله يمدّ لنا يد المساعدة .
وقال الوالد ، كأنما يحدث نفسه : لكن ماذا يستطيع الأمير أن يفعل ؟
وقالت الوالدة : يستطيع ، إنه أمير .
وذهب أبو كيمي ، في اليوم التالي ، إلى الأمير ، وطوال الطريق ، كان متردداً حائراً ، يقدم خطوة ويؤخر أخرى ، ماذا سيقول للأمير ؟ وكاد أكثر من مرة أن يتوقف ، ويقفل عائداً ، وإذا هو أمام بوابة قصر الأمير ، فاستوقفه الحارس ، وقال : ماذا تريد ؟
وأجابه متلعثماً : أريد أن أرى الأمير .
وحدق الحارس فيه ملياً ، ثم قال : آه أنت والد كيمي ، لقد تغيرت كثيراً ، تفضل .
واستقبل الأمير أبا كيمي مبتسماً ، وقال : كدتُ لا أعرفك ، لقد ذبلت .
وردّ أبو كيمي قائلاً : لقد أذبلتني ابنتي كيمي ، يا سيدي ، إنها وحيدتي .
وهزّ الأمير رأسه ، وقال : علمت بالأمر منذ البداية ، فاستدعيت السياف سونوبي .
ونظر أبو كيمي إليه متسائلاً ، فقال الأمير : إنه رجل قوي وشجاع ، وهو أيضاً أفضل قصاص أثر في الامارة كلها .
وصمت لحظة ، ثم قال : تذكر ، ربما قبل حوالي عشر سنوات ، وفي عيد الحب ، اختفت ثلاث فتيات من قريتكم .
فقال أبو كيمي : نعم ، يا سيدي ، أذكر ذلك ، لكن ابنتي كيمي تختلف ..
وقاطعه الأمير قائلاً : عادت الفتيات بعد ثلاثة أيام ، وقد تغيرن تماماً ، وقلن أن كاهن جبل اوكي ـ ياما ، هو الذي اختطفهن .
ونظر أبو كيمي إلى الأمير متوسلاً ، وقال : لكن ابنتي لم تعد ، يا سيدي .
فقال الأمير : سيذهب سونوبي غداً إلى جبل فوجي ، لعله يرى كيمي هناك ، ويعيدها لكَ .
وعاد أبو كامي إلى بيته في القرية ، وانتظر هو وزوجته ، وكذلك جميع أهل القرية ، أن يعود السيّاف سونوبي من جبل اوكي ـ ياما ، لعله يعثر على كيمي ، ويعود بها سالمة إلى البيت .
وانتظر كوروسوك ، على أحرّ من الجمر ، أن يعود سونوبي ، وتمنى أن ينجح في مهمته ، ويعود بكيمي سالمة إلى والديها ، صحيح أنها لن تكون له ، لكن مهما كان الأمر ، فهي .. الزنبقة كيمي .
وأخيراً علم الجميع ، بعد حوالي عشرة أيام طويلة ، أن السياف سونوبي قد عاد إلى الأمير ، لكن هذه المرة دون أن يحقق أي شيء ، وعلموا أنه رغم قوته وشجاعته وخبرته الطويلة ، لم يستطع ـ ويا للعجب ـ أن يصعد إلى قمة جبل اوكي ـ ياما ، ويصل إلى معبد فودو ، الذي يضم رفاة الكاهن المقدس يينوكي ، والذي نمت إلى جانبه شجرة صنوبر معمرة ، حلت فيها روح الكاهن .. يينوكي .

” 5 “
ــــــــــــــــــــ
تمددت الأم في فراشها ، ذات ليلة ، متهيئة للنوم ، حين سمعت ابنها كوروسوك ، يهتف بها من وراء الباب : أمي .
واعتدلت الأم في فراشها مندهشة ، وقالت : تعال يا كوروسوك ، إنني مستيقظة .
ودفع كوروسوك الباب بهدوء ، ودخل الغرفة ، ونظر إلى أمه بعينين لامعتين ، وقال بصوت كأنه آتٍ من بعيد : أعرف مكان كيمي .
وتطلعت أمه إليه مستغربة ، وقالت : عجباً ، يا كوروسوك ، حتى من كان معها ، من الشباب والشابات ، لم يقل أحد منهم أنه يعرف ذلك .
ولاذ كوروسوك بالصمت لحظة ، ثم قال : جاءتني في المنام قبل قليل .
ونظر عبر النافذة إلى البعيد ، وقال : إنها فوق جبل فوكي ـ ياما .
وتطلعت الأم إليه ، وقالت : ما أدراك ، يا بنيّ ، ما رأيته حلم لا أكثر .
واستدار كوروسوك ببطء ، وقبل أن يخرج من الغرفة ، ويترك أمه للذهول ، قال : لابد أن أذهب إلى جبل فوكي ـ ياما ، وأعود بكيمي .
لم يغمض للأم جفن ، طوال تلك الليلة ، إلا قبيل الفجر بقليل ، إنها تعرف ابنها كوروسوك ، فهو رغم هدوئه الظاهر ، عنيد مثل أبيه الساموراي الراحل ، الذي رفض أن يستخدم سيفه بغير الحق ، مما أغضب الأمير ، وأبعده عن خدمته .
وعلى غير عادتها ، استيقظت الأم متأخرة ، صباح اليوم التالي ، وقد أطلت الشمس من نافذة غرفتها ، فهبت من الفراش ، وأسرعت باعداد طعام الفطور ، ثم نادت كوروسوك : بنيّ ، الفطور جاهز .
وأقبل كوروسوك من غرفته ، وجلس بهدوء إلى المائدة ، وراحا يتناولان الطعام صامتين ، واختلست الأم نظرة من كوروسوك ، وتمنت بينها وبين نفسها ، أن يكون ما قاله ليلة البارحة ، كلام أحلام عابر ، ثم نظرت إليه ، وقالت : أرجو أن يكون الطعام قد أعجبكَ .
وردّ كوروسوك ، دون أن يرفع عينيه إليها : إنه لذيذ ، أشكرك .
وتشجعت الأم ، فتساءلت : ماذا تريد أن أعدّ لك من طعام على الغداء ؟
فردّ كوروسوك باقتضاب : ما تشائين .
ولاذت الأم بالصمت ، ثم نظرت إلى الحديقة عبر النافذة ، وقالت : السماء صاحية اليوم ، وسيكون القمر بدراً الليلة .
ونهض كوروسوك عن المائدة ، وقال : إنه وقت مناسب للسفر ، إلى جبل فوكي ـ ياما .
ونهضت الأم مترددة ، وقالت بصوت خائف : بنيّ كوروسوك ..
وقاطعها كوروسوك قائلاً : امي ، أرجوكِ ، لم أعد صغيراً .
ولاذت الأم بالصمت ، وكأن من يتكلم ليس ابنها كوروسوك ، وإنما أبوه الساموراي ، ونظر كوروسوك إليها ، وقال : أبي كان ساموراي ، وقد علمني كما تعرفين ، ركوب الخيل ، وفنون القتال ، أعدي لي سيفه ، وملابسه ، سأبدأ الرحلة بعد المساء .
ورغم أنها أحضرت ملابس الساموراي ، ونظفت السيف ، بل وساعدت ابنها كوروسوك على ارتداء تلك الملابس ، إلا أنها لم تفقد الأمل ، في ثنيه عن الذهاب إلى جبل فوكي ـ ياما ، فتشبثت به ، وقالت مغالبة بكاءها : بني ، لا تذهب ، هذا طريق خطر .
ووقف كوروسوك مشدود القامة ، كأي مقاتل شاب من مقاتلي الساموراي ، بملابسه الخاصة ، وسيفه المعلق إلى وسطه ، وارادته التي لا تنثني ، وقال : أمي ، إنني الآن ساموراي .
وتقاطرت الدموع من عيني الأم ، وقالت : فقدتُ أباك ، لا أريد أن أفقدك .
ونظر كوروسوك إلى البعيد ، وقال : أمي ، إنني ذاهب إلى جبل فوكي ـ ياما ، لأعود بكيمي .
وقالت الأم من بين دموعها : لا شأن لك بكيمي .
فتملص كوروسوك من بين يدي أمه ، واتجه إلى الخارج ، حيث ينتظره حصانه ، وهو يقول : كيمي لي ، وسأعيدها ، مهما كان الثمن .
” 6 “
ــــــــــــــــــــ
مع حلول الليل ، امتطى كوروسوك حصانه ، وقبل أن يمضي به ، ويذوب في الظلام ، قال لأمه : كيمي حلمي ، ولن أدع حلمي يضيع مني .
واجتاز دروب القرية على حصانه ، دون أن يراه أحد ، فقد كان الجميع في بيوتهم ، المغلقة الأبواب ، فبعد اختفاء كيمي ، صار الجميع يقبعون في بيوتهم ، مع حلول الليل ، ولا يغادرونها حتى الصباح .
وسار الحصان بخطوات واثقة نشيطة ، رغم العتمة ، كأنما استمد ثقته ونشاطه من فارسه الساموري الشاب ، ولعل كوروسوك نفسه ، استمد شعوره بالقوة والشجاعة ، من والده الساموراي الراحل ، الذي رفض أن يكون سيفه مع الباطل .
وحين دخل الغابة على حصانه ، طلع القمر بدراً ، وأطل وجهه الشحب المنير من فوق الأشجر العالية ، وهنا تراءت له كيمي ، وفجأة ضجت الغابة ، رغم الليل والسكون ، بأصوات ضحكاتها الطفولية ، وصيحاتها الفرحة ، وحثّ حصانه قائلاً : كيمي ،انتظريني ، إنني قادم .
وقبيل الفجر ، وصل كوروسوك جبل اوكي ـ ياما ، الذي يكلل الضباب قمته العصية ، فترجل متعباً عن حصانه ، وأطلقه قائلاً : أنت متعب مثلي ، وربما أكثر ، الطعام هنا وفير ، وكذلك الماء ، فكل واشرب وارتح ، فسأغفو قليلاً ، لعلي ارتاح .
وأوى كوروسوك إلى ظل صخرة ضخمة ، وأغمض عينيه ، وسرعان ما أغفا ، وإذا كيمي تطل من الضباب ، وتشير له أن تعال .
وفزّ على حصانه يحمحم ، كأنه يريد أن يوقظه ، وفوجىء بالفجر يطل من جبل اوكي ـ ياما ، بل إن الشمس نفسها ، كانت توشك على الشروق .
ونهض كوروسوك ، وتطلع إلى الجبل الشامخ ، الذي تغرق قمته في الضباب ، وبدا له أنه فعلاً عصيّ على الصعود ، ولم يلم السيّاف سونوبي ، لأنه تراجع أمامه ، وعاد مقهوراً إلى الأمير .
وهنا شعر باهاب أبيه الساموراي ، يحتدم في داخله ، فقال في نفسه : إذا كان هذا الجبل ، قد قهر السيّاف سونوبي ، فإنه لن يقهرني ، فأنا لي هدفي ، الذي لن أتراجع عنه ، أنا لي كيمي .
وشدّ كوروسوك يده على سيفه بقوة ، واندفع يصعد الجبل ، وفوجىء بالطرق ، التي بدت له في البداية مستحيلة ، تنفتح أمامه ، وتسير عليها قدماه الشابتان ، وكأنه طريق معبد بالريش .
وكلما تقدم في طريق صعوده ، تبدد الضباب أمامه ، حتى بدت له القمة دانية ، قاب قوسين أو أدنى ، لا يرده عنها عائق ما .
وقبيل منتصف النهار ، اقترب من القمة ، وحثّ خطاه ، ها هو يقترب من حلمه ، ها هو يقترب من كيمي ، هذا إذا صدق حلمه .
وأخيراً وطأت قدماه القمة ، وتطلع حوله ، وهو يعبّ الهواء ملْ صدره الشاب ، وتلفت حوله ، ها هي شجرة الصنوبر المعمرة ، التي قيل له ، إن روح الكاهن العجوز يينوكي ، قد حلت بها ، حين فارق الحياة ، فأين الكاهن العجوز يينوكي ؟
وأين كيمي ؟
آه لعل حلمه ، كمعظم الأحلام ، لم يكن إلا حلماً ، جسدته في أعماق النفس ، الوساوس ، أو الأماني ، التي يصعب تحقيقها في الواقع .

” 7 “
ــــــــــــــــــــ
نهض الراهب العجوز ، من تحت إحدى أشجار الصنوبر ، التي نمت متشامخة على منحدر جبل اوكي ـ ياما حتى السفح ، ووقف فوق صخرة مرتفعة ، وهتف : كيمي .
وعلى الفور ، أقبلت كيمي من بين شجيرات كثيفة نمت بين أشجار الصنوبر والكافور ، والعصا في يدها ، وهي تقول : ستشرد العنزات .
فقال الكاهن العجوز : لا عليكِ ، لن تبتعد ، وستعود بنفسها عند المساء .
وتوقفت كيمي أمامه ، وقالت : نعم يا سيدي ، لقد ناديتني .
ونزل الكاهن عن الصخرة ، وحدق في كيمي ، وقال : يبدو أنكِ متعبة ، يا بنيتي .
فردت كيمي قائلة : ليس كثيراً .
ونظر الراهب العجوز إلى شجرة الصنوبر العتيقة ، التي تشمخ في أعلى الجبل ، وقال : ربما ستتخلصين قريباً من عنزاتي .
ولاذت كيمي بالصمت ، وهي تنظر إليه ، فأضاف قائلاً : وكذلك مني .
فقالت كيمي : عفواً ، أنتَ لم تؤذني .
وردّ الراهب العجوز قائلاً : لكني أخذتك فجأة من بين والديك .
وأطرقت كيمي رأسها ، وقالت : لابد أنهما قلقان عليّ جداً الآن .
ولاذ الراهب العجوز بالصمت لحظة ، ثم أشار إلى شجرة الصنوبر العتيقة ، وقال : انظري هناك ، تحت شجرة الصنوبر العتيقة .
ورفعت كيمي رأسها ، وتطلعت إلى شجرة الصنوبر العتيقة ، دون أن تتفوه بكلمة ، فتساءل الراهب العجوز : ماذا ترين ؟
وحدقت كيمي ملياً ، ثم التفتت إلى الراهب العجوز ، وقالت : لو لم تكن إلى جانبي ، لقلت إنني أراك ، تجلس تحت شجرة الصنوبر .
ونظر الراهب العجوز إلى كوروسوك ، الذي كان يجلس تحت شجرة الصنوبر ، وقال : أنت محقة ، ذلك ليس أنا .
وببطء سار يتسلق المنحدر ، باتجاه شجرة الصنوبر ، وقال : تعالي ، سأتحدث إليه .
وسارت كيمي في أثره ، فقال دون أن يلتفت إليها : سأذهب وحدي أول الأمر ..
وأشار إلى شجرة صنوبر قريبة ، وقال : ابقي أنتِ وراء هذه الشجرة ، حتى أناديكِ .
وتوقف الراهب العجوز ، وقال : أريد أن أفاجئه ، ولهذا سأختفي .
واختفى الراهب العجوز فجأة ، لم تفاجأ كيمي باختفائه ، فقد تعودت على ظهوره واختفائه ، ظهوره على هيئة شاب مرة ، ومرة على هيئة راهب عجوز ، وأسرعت هي الأخرى ، وتوارت وراء شجرة الصنوبر .
واتكأت كيمي بجذع الشجرة ، وتراءت لها مرة أخرى ، تلك الليلة ، في اليوم الأول من العيد ، فبعد أن لهوا طول الليل ، مشت وحدها بين أشجار الغابة ، وقد غاب القمر ، عائدة إلى القرية .
وعند مشارف الغابة ، رأت شاباً وسيماً ، يتكىء إلى إحدى الأشجار ، وهي لا تذكر أنها رأته مرة ، لا في القرية ، ولا في المهرجان ، وأرادت أن تحيد عنه ، لكنه تقدم منها ببطء ، وقال : مرحباً كيمي .
وتوقفت كيمي مندهشة ، وحدقت فيه ملياً ، ثم ردت قائلة : مرحباً .
وابتسم الشاب لها ، فقالت كيمي : عفواً ، لا أظن أنني أعرفك ، يا سيدي .
فمد الشاب يده ، وأطبق بها على يدها ، وقال : أنا أعرفكِ ، يا كيمي ، تعالي معي .
وسكتت كيمي ، لا تعرف لماذا ، فسحبها الشاب من يدها ، وسار بها بين أشجار الغابة ، والغريب أنهما سارا بين الشباب والشابات ، العائدين إلى بيوتهم ، لكن بدا أن أحداً منهم لم يراهما .
وجاء بها الشاب إلى هذا المكان ، لماذا ؟
هذا ما لم تعرفه كيمي ، والأغرب أنه تحول فجأة إلى راهب عجوز ، وبقيت معه هذه المدة ، تنام في المعبد وحدها ، وينام هو بباب المعبد .

” 8 “
ـــــــــــــــ
فوجىء كوروسوك ، وهو جالس تحت شجرة الصنوب العتيقة ، بضباب كثيف يتشكل فوق الشجرة ، ثم يتغلغل شيئاً فشيئاً في أغصانها الكثيفة .
فهبّ من مكانه خائفاً ، وقد نسي للحظة أنه ساموراي ، وتوقف على مسافة آمنة ، ويده فوق مقبض سيفه ، وإذا جذع شجرة الصنوبر ينشق ، ويخرج بدل الضباب الكثيف ، راهب عجوز .
وحدق الراهب العجوز في كوروسوك ، ثم قال بصوت هادىء : أهلاً كوروسوك .
واتسعت عينا كوروسوك دهشة ، وقال : أنت تعرفني ، يا سيدي .
فقال الراهب العجوز بصوته الهادىء : وأعرف لماذا أتيت إلى هنا ، يا كوروسوك ، رغم الصعاب والمخاطر الشديدة .

وصمت الراهب العجوز لحظة ، ثم قال : إن كيمي تستحق ، أن يعاني المرء من أجلها مثل هذه الصعاب والمخاطر .
وتمتم كوروسوك مندهشاً : كيمي !
ثم حدق في الراهب العجوز ، وقال : أنت الراهب العجوز .. يينوكي .
فهزّ الراهب العجوز رأسه أن نعم ، فقال كوروسوك : يُشاع في القرية ، أنكَ من اختطف كيمي .
فردّ الراهب العجوز قائلاً : أنا وراء هذه الاشاعة ، وقد أردتُ أن تأتي إلى هنا ، وها أنت قد أتيت .
ومشى الراهب العجوز ببطء ، مبتعداً عن شجرة الصنوبر العتيقة ، وبدأ ينحدر بخطوات حذرة ، على الطريق الضيق ، وهو يقول : تعال معي .
ولبث كوروسوك في مكانه لحظة ، ثم مشى في أثره ، فقال الراهب العجوز : إنني أعرف أباك ، كان ساموراي قوياً وشجاعاً ، ويكفيه أنه لم يستخدم سيفه مرة ، بغير العدل .
وخطا كوروسوك بحذر على الطريق الضيق المنحدر ، وقال : لكن هذا لم يرق للأمير ، فأبعده عن العمل كساموراي .
وتابع الراهب العجوز سيره البطيء ، وهو يقول : وأعرف أيضاً أبا كيمي كوراهاشي ، وهو رغم كلّ شيء ، رجل خدوم ، طيب القلب .
فقال كوروسوك : ومع ذلك اختطفت ابنته كيمي .
وتوقف الراهب العجوز ، والتفت إلى كوروسوك ، وقال : اختطفتها من أجلكَ .
وتوقف كوروسوك هو الآخر ، وقد فغر فاه دهشة ، فتابع الراهب العجوز قائلاً : لقد تقدمتَ طالباً يد ابنته كيمي ، فقال لك .. لا .
ورغم دهشته ، قال كوروسوك : لعل هذا بسبب أبي ، وموقف الأمير منه .
واستأنف الراهب العجوز سيره البطيء ، وهو يقول : أما الآن ، وقد أنقذت كيمي ، التي أختطفت إلى جبل اوكي ـ ياما ، وستعيدها سالمة ..
وتوقف الراهب العجوز ، على مقربة من الشجرة الضخمة ، التي اختبأت كيمي وراءها ، وهتف بصوت هادىء : كيمي .
وتوقف كوروسوك مذهولاً ، وهو يرى كيمي تبرز من وراء الشجرة ، فتمتم : كيمي !
ونظرت كيمي إلى كوروسوك مندهشة ، دون أن تتفوه بكلمة ، فقال الراهب العجوز : أظنك لا تعرفينه جيداً ، يا كيمي .
وحدقت كيمي فيه صامتة ، فتابع الراهب العجوز قائلاً : إنه ابن قريتك .. كوروسوك .
ونظرت كيمي إلى كوروسوك ثانية ، ثم قالت : أظن أنني لمحته غير مرة ، ينظر إليّ من بعيد .
وابتسم الراهب العجوز ، وقال : جاء لينقذكِ ، ويعيدكِ سالمة إلى أبويكِ .
واستدار ببطء ، ومشى صاعداً الطريق إلى القمة ، وهو يقول : تعالي ، يجب أن نعد بعض الطعام لضيفنا ، فلابد أنه جائع الآن .
ومشت كيمي صامتة إلى جانبه ، فقال الراهب العجوز : تعال ، يا كوروسوك .
” 9 “
ـــــــــــــــــــ
مع اطلالة الشمس ، في اليوم التالي ، وقف الراهب العجوز ، يودع كوروسوك وكيمي ، بعد أن تناولوا طعام الافطار ، وشدّ الراهب العجوز على يد كيمي ، وقال بلهجة ذات معنى : كيمي ..
وابتسمت كيمي وقد ادركت ما يعنيه ، وقالت : أشكرك أيها الراهب الطيب .
وتابع الراهب العجوز قائلاً : لا أريد أن اختطفكِ ثانية ، يا كيمي .
واتسعت ابتسامة كيمي ، وهي ترمق كوروسوك بنظرة خاطفة ، وقالت : لقد تحدثنا ليلة البارحة ، وسنتحدث طول الطريق إلى القرية .
وابتسم الراهب العجوز ، وقال : هذا حسن .
ثم شدّ على يد كوروسوك ، وقال : أتمنى لكما التوفيق والسعادة ، رافقتكما السلامة .
وانحدرا الواحد بعد الآخر ، كيمي في المقدمة ، وفي أثرها ، يسير عن قرب كوروسوك ، بسيفه ، وثيابه ، ثياب الساموراي .
وقبل أن يبتعدا كثيراً ، التفتا ليلوحا للراهب العجوز مودعين ، لكنهما فوجئا باختفائه ، وشاهدا ضباباً كثيفاً ، يصعد من المكان ، الذي كان يقف فيه ، وينعقد شيئاً فشيئاً فوق شجرة الصنوبر العتيقة .
وقال كوروسوك : لقد اختفى ، ربما عاد إلى شجرة الصنوبر العتيقة .
وتطلعت كيمي إليه ، وقالت : من يدري .
بخطوات نشطة ، فتبعها كوروسوك ، وهو يقول : لقد اختطفك إلى جبل اوكي ـ ياما ، يا كيمي .
وقالت كيمي ، دون أن تتوقف : عندما رأيته في الغابة ، واختطفني ، كانت له نفس ملامحك .
وسار كوروسوك في أثرها ، وقال : أرجو أن لا تكوني قد كرهته ، يا كيمي .
فردت كيمي قائلة : لن أكرهه ، فقد قدمكَ لي .
وعند منتصف النهار ، وصلا سفح الجبل ، وإذا الحصان يقف متطلعاً إليهما ، كأنه كان ينتظرهما ، تقدم كوروسوك منه ، وربت بحنان على رأسه ، وقال : لقد انتهت المهمة ، سنعود الآن .
وحمحم الحصان ، وكأنه أدرك ما قاله كوروسوك ، فقالت كيمي معجبة : لكَ أن تعتز بهذا الحصان ، يا كوروسوك .
فقال كوروسوك : كيف لا ، يا كيمي ، وهو سيحملك عائداً بكِ إلى والديكِ .
وبدت كيمي محرجة ، فنظرت إلى كوروسوك ، وقالت : أنت فارسه ، أنت الساموراي ، ولن يعتليه غيرك ، في طريق العودة إلى القرية .
وأمسك كوروسوك بزمام الحصان ، ونظر إلى كيمي ، وقال : لأني ساموراي ، لن أدعكِ تمشين ، وأركب أنا الحصان .
ولاذت كيمي بالصمت ، فقال كوروسوك : حصاني فتيّ ، وقوي ، لدي حل .
ويبدو أن الحصان نفسه ، كان سعيداً بالحل ، فقد سار فرحاً ، نشطاً ، وهو يحمل الساموراي كوروسوك ، ومعه يحمل كيمي .
وعند مشارف القرية ، ربتت كيمي على كتف كوروسوك ، وقالت : توقف ، يا كوروسوك ، من الأفضل أن أترجل هنا .
وقال كوروسوك ، وهو يشدّ زمام الحصان : هذا ما أراه أنا أيضاً .
وتوقف كوروسوك بالحصان ، فترجلت كيمي ، وقالت : أشكركَ ، يا كوروسوك .
وقال كوروسوك : أرجو أن يثمر ما قلناه .
فقالت كيمي : سيثمر .
ومضت كيمي متواثبة ، وهي تسير نحو القرية ، فهتف كوروسوك : كيمي ..
وردت كيمي بصوت مرح ، دون أن تتوقف : لن تفلت مني ، سأختطفك أنا هذه المرة .
” 10 “
ـــــــــــــــــــــــ
فتحت الأم الباب ، دون أن تسمعه يُطرق ، كأن قلبها أعلمها بقدوم ابنها كوروسوك ، وما إن رأته يترجل عن الحصان ، في ثياب أبيه الساموراي ، حتى شهقت : كوروسوك !
وحين ترجل عن الحصان ، ووقف أمامها ، لم تره وحده ، بل رأت معه زوجها الراحل ، الساموراي ، وأسرعت إليه ، وارتمت فوق صدره الشاب ، وهي تقول : بنيّ ، لم أصدق أنك ستعود .
وطوق كوروسوك أمه بذراعيه ، وقال : صدقي ، فها أنا قد عدتُ ، يا أمي .
وأمسكت الأم يده ، وسحبته بحنان الأم ، وهي تقول : تعال ، يا كوروسوك ، تعال إلى الداخل .
وتضاحك كوروسوك ، وقال : مهلاً ، يا أمي ، سأذهب بالحصان إلى الاسطبل .
فسحبته أمه إلى الداخل ، وقالت : دعه هنا الآن ، أريد أن أتأكد أنكَ عدت ، يا بنيّ .
واستجاب كوروسوك لأمه ، ودخل إلى فناء البيت ، فأغلقت أمه الباب ، وكأنها تخشى أن يفلت من بين يديها ، ويختطفه شخص ما .
وأخذت الأم وجهه المتورد بين كفيها ، وراحت تتأمله بعينين دامعتين ، وقالت : لقد هزلت قليلاً ، يا بنيّ كوروسوك .
وضحك كوروسوك ، وقال : أمي ، إنني لم أغب إلا يوماً وبعض يوم .
وسالت دمعتان فوق وجنتيها ، وقالت : كنت سأجن ، لو غبت مدة طويلة ، يا كوروسوك .
وأمسك كوروسوك يديها بين يديه ، وحدق في عينيها الغارقتين بالدموع ملياً ، ثم قال : أمي ..
وخمنت الأم ما سيقوله كوروسوك ، وهذا ما أرادته أيضاً ، فتابع قائلاً : لم تسأليني عن كيمي .
وتعلقت عيناها الدامعتان به ، وقالت : حدثني عنها ، حدثني عن كيمي .
فقال كوروسوك : عدتُ بها من جبل اوكي ـ ياما ، يا أمي .
وشهقت الأم ثانية ، وقالت : تعال إلى غرفتك ، تعال وحدثني عن كلّ ما جرى .
وقبيل الغروب ، طرق الباب ، فهبّ كوروسوك ليفتحه ، فسبقته أمه إلى الفناء ، وهي تقول : ابقَ أنت ، أنا سأفتح الباب .
وفتح الأم الباب ، وإذا كيمي تقف في مواجهتها ، وحدقت الأم فيها ملياً ، ثم قالت : كيمي !
فردت كيمي قائلة : نعم ، كيمي .
ولمحت كيمي كوروسوك ، يُقبل باسماً من غرفته ، فقالت : جئتُ لأمر هام ، يا خالتي .
وحدقت الأم فيها متسائلة ، وقالت : أهلاً وسهلاً ، تفضلي ، يا بنيتي .
وقالت كيمي : جئتُ أطلبُ يد كوروسوك .
وشعرت الأم بكوروسوك يتوقف خلفها ، فقالت دون أن تلتفت إليه : إذا كنتِ تطلبين يد كوروسوك لكيمي ، فإنني أوافق .
ونظرت كيمي إلى كوروسوك ، وقالت : لكن يجب أن تسأليه أولاً ، يا خالتي ، فقد لا يوافق .
وهنا مدّ كوروسوك يده إلى كيمي ، وقال : إنني أوافق ، يا كيمي .
وضمت يده بين يديها ، وقالت : أبي وأمي هما اللذان أرسلاني إليك .
ومدت الأم يديها ، واحتضنت كيمي ، وقالت : أهلاً بكِ في بيتكِ ، يا عزيزتي .
فمال كوروسوك على أمه ، وكيمي كانت ماتزال بين ذراعيها ، وقال مازحاً : رفقاً بها ، يا أمي ، إن كيمي .. زنبقة .. زنبقة بيضاء .

 

شاهد أيضاً

ابتسام ابراهيم الاسدي: هل ستأتي …. 

يخال اليَّ أنك هنا خلف مقبض بابي يدك وعينـُك ترتقبُ وصولي من اول الطريق لآخره …

عصمت شاهين دوسكي: معذب أنا

معذب أنا سحر بين اغترابي ولوعتي حتى الصبر لم يلق الشفاء على مأساتي بعد الحنين …

سعد جاسم: في مديح الانوثة

كلُّ نهدٍ نهرٌ من حليبٍ وعسل وكلُّ نهدٍ إلهٌ هَيْمانٌ حينَ تجنُّ الرغبةُ فيهِ ويتعالى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *