ناظم السعود: عيسى حسن الياسري (يهبط) في بغداد!

في أواخر العام الماضي ( تشرين الثاني 2009 تحديدا ) عرفت ان شاعرنا الكبير عيسى حسن الياسري قد ( هبط ) على ارض بغداد مجددا ، وأقول ( هبط ) وانا اعني المفردة حروفا وقصدا ذلك ان الياسري يظل في غربته الكندية اكثر عشقا وانشدادا وماهية بكل ما هو عراقي حتى لو جاء على شكل سيول وانهمارا وتبدلات عاصفة تطول الأرض التي أحب وتتجاسر على الإنسان الذي يتماهى معه ، والياسري أتخيله هناك  ( بوحّي من كلماته ورسائله التي يوصلها باشكال شتى )مثل مقرور ينتظر الدفء من شمس بغداد ولا يكاد يمسك خلجاته او آهاته حين يرى عبر محطات التلفزة وشاشات النت ان عصفا جديدا قد اخترق بغداده حينها يجمع أمره ويخرج نقوده الشحيحة ليأخذ أول طائر  ينطلق به  وبسرعة المحبة من مونتريال ل( يهبط ) في بغداد.
وقد أسرعت إليه يومها وبرفقتي الأديبين حسن حافظ ورياض الفهد لنزوره في محرابه ( اعني بيته في الطالبية ببغداد الذي أصبح  محّجا للأدباء والشعراء ) وقد فوجئت بروحه المعنوية العالية وهو يغرق في فيض المحبة العراقية التي تنهال عليه من فقراء  ومريدين وعشاق النزاهة،   ولم انس ( وانا استنشق منه بهجة الفرح الجنوبي المعتق )  وقائع  سنوات الشجن التي عشتها شخصيا مع الياسري الذي تربطني به مستندات زمنية وثقافية وروحية وثيقة…فخلال الأعوام الخلّب الماضية وصلتني منه رسائل وتشوّقات عدة تشي بحجم الفجيعة و المحنة النفسية والجغرافية في مغتربة الكندي حيث يقيم هذا الجنوبي مجبرا منذ سنوات ، واعي تماما ان ملامحه السمحة تخفي جبالا من الضيم والصرخات المكبوتة وتنهدات لا حد لها ، وان الياسري لم يستوحش الخيبات ولا انكسارات الوطن ولم يتعالم على جراحه ولكنه يتأسى كثيرا من فعل الإنسان وترادف الطعنات من أيد موشومة بالنفاق المزدوج ، ان صدماته التي تلقاها من (( محبين )) كانت أكثر نفاذا على قلبه الطيب من غزوات المحن والعلل ولو اجتمعت .
حدثّنا الياسري يومها مثل كاهن يمهر بوصاياه قلوب محبيه الوجلة ، عن مجموعته الشعرية الأخيرة التي عنونها (أناديكِ من مكانٍ بعيد ) والتي انتبه إليها صاحب دار نشر ( سنابل ) في العاصمة المصرية وبادر الى طباعتها على نفقته الخاصة ومن دون أي مقابل الا لرقيها الشعري والإبداعي إضافة الى سمعة شاعرها التي تخطت المنطقة العربية الى الأفق العالمي وأصبح معروفا على نطاق واسع منذ ان ترجمت دواوينه وقصائده الى عدة لغات عالمية مما دفع  مهرجان الشعر العالمي الذي أقيم في مدينة (روتردام) عاصمة الثقافة الهولندية عام  2002
الى منحه جائزة (الكلمة الحرة العالمية) ومن أبرز الشعراء الذين فازوا بهذه الجائزة شاعر إسبانيا الخالد (رافائيل البيرتي) والشاعر الجنوب أفريقي (برايتن باخ) والشاعر العربي (الطاهر بن جلون) وغيرهم من شعراء العالم البارزين ، لكن المؤلم ( وفي قول آخر المخزي ) في واقعة صدور ديوانه الأخير ( السابع ) من القاهرة وليس من بغداد هو انه (أي الديوان ) ظل منسيا في دار الشؤون الثقافية ببغداد لأكثر من أربع سنوات من دون ظهور أي بارقة لنفض غبار الإهمال عنه ونشره بشكل ينسجم ومكانة ونضال وسمعة شاعره العالمية ، ولئن سمع مدير دار النشر المصرية وقام بإصدار الديوان خلال وقت قياسي فإننا بتنا واقعا ورمزا أمام جنحة إبداعية كاملة الأركان ولا تنتظر الا القصاص .
ان ما ذكرته آنفا يضيف أوجاعا جديدة الى الياسري ( فوق ما يكتمه أصلا ) لأنه حدثني مرارا في رسائله ولقاءاته عن هواجسه ( في ظل براهين ) من ان الذاكرة الثقافية (والشعرية منها بوجه اخص) توشك على نسيانه والصمت المريب تجاه منجزه الذي يفترش أربعين عاما وعشرات المحن الشخصية والوطنية.. وربما احتاج في تفصيل ذلك الى وقفة أخرى قريبة .
* nadhums@yahoo.com

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *