عصام القدسي : صحيح .. ولكن !

osam alkodsi 2“إنها المصادفة التي تجعلك حشرة قبيحة أو إنسانا شجاعا”
فأية مصادفة هذه التي ألقتني في طريق تلك المرأة اللجوج ولماذا أنا. وهل سأجرؤ يوما على إعادة الروح إلى هاتفي مهما كانت حاجتي إليه بعدما أخرسته تماما ..
بعد الجري في طلب الزبائن طوال النهار، جلسنا نراجع المبالغ التي استحصلناها من الدفعات الأولى لبوليصات التأمين الجديدة والإقساط المستحقة لزبائن قدامى فوجدنا نقصا بسيطا وإذا كان هذا قد أثار هلع زميلي سالم فلحداثة عهده بهذا النوع من العمل ولكنني طمأنته وأنا ابتسم بأن الإشكال سيحل بقليل من الصبر . وهرعت إلى المطبخ فأعددت سندويجات الجبن وقدحين من الشاي وجلسنا نأكل ونراجع المبالغ والمبلغ الكلي والأوراق ، مرة واثنتين وثلاث حتى اكتشفنا الخطأ مما أبهج زميلي فرحنا نتحدث بسرور. كان يحدثني عن حلمه بالسفر وحيرته أمام حبه لقريبته التي تلح عليه بالزواج كنت أصغي وأنا أكبر فيه روح الشباب ، بعدها ودعني وانصرف ليلحق بالباص كانت الساعة تدور الثامنة مساء . جلست بعد مغادرته وعكفت ثانية على مراجعة سريعة لكل ما تقدم فأمعن النظر بالأوراق ثم أخذت أوحد المبالغ وأجعلها رزما وأثبتها في السجل وارتب الأوراق حسب التسلسل واضعها في حقيبتي.. هذا الأمر استغرق مني ساعة ونصف الساعة أو أكثر ..حينها كانت الساعة تسعى الى العاشرة وكانت حقيبتي جاهزة تماما لعمل الغد . عندها فقط .لجأت إلى سريري وألقيت بجسدي المتعب عليه بقوة وسحبت الغطاء إلى صدري وأنا أمني نفسي بنوم هانئ .. لم تمض دقائق ، وإذا بجرس الهاتف يرن في الصالة . تجاهلته لبرهة ولكنه ظل يرن بإصرار. فتصورت أن زميلي سالم ربما اتصل ليذكرني بشئ ما نسيته . قمت متثاقلا ووقفت إلى جانب الهاتف .رفعت السماعة فسمعت صوت امرأة خمنت إنها في الخمسين من العمر. قالت باسترخاء :
ـ ألو..!!.
ـ ألو . نعم ..؟
قالت بلا مقدمات :
ـ سليم معك .؟
ـ من المتكلم ..؟
ـ أنا أمه .
ـ أهلا وسهلا .. تقصدين سالم .؟
قالت بأريحية : ـ سالم .. سليم .. لا فرق .
ـ كان عندي وغادر ..
ـ متى كان ذلك .؟
ـ منذ ساعتين تقريبا ..
أعادت سؤالها : متى بالضبط .؟
ـ بحدود الثامنة .
قالت بامتعاض : غادر إلى أين .؟
ـ أكيد إلى البيت.
قالت بقلق : ـ أجل . ولكنه لم يعد حتى الآن ..
صمتت لحظة وعادت تسأل : ـ لعله ذهب إلى مكان آخر.؟
ـ لا أظن ..
ـ الم تسأله ..؟
ـ ليس هذا من طبعي.
قالت بحسرة :
ـ هذا الصباح تشاجر مع زوجته ،وغادر البيت ولم يعد حتى هذه الساعة .
ـ ولكن سالم غير متزوج .
قالت :
ـ ألم يعلمك.؟ .. انه كتوم ولا يحب أن يتحدث بأموره الخاصة .
ـ ولكنني متأكد مما أقوله..
لم تعرني انتباها وعادت تقول:
ـ لقد هدد زوجته المسكينة ببيع “التاكسي ” .. السيارة التي هي مصدر معيشتنا .
كنت مرتابا منذ البداية في أن هناك خللا ما في الأمر وحين نطقت جملتها الأخيرة ، تأكد ما كنت أفكر فيه ..
فقلت معترضا :
ـ لحظة من فضلك .. أظن إنك طلبت الشخص الخطأ.. فسالم هذا غير الذي تقصدينه .
ترددت برهة ثم عادت تسأل :
ـ ألست أحمد.؟
ـ بل منصور ..
قالت مخذولة :
ـ إذن .. أنا آسفة ..
ـ خطأ غير مقصود ..لا داعي للاعتذار ..
قالت بإصرار:
ـ بل أنا شديدة الأسف ..
ـ أبدا .. لا تهتمي ، فكثيرا ما يحدث مثل هذا كل يوم وفي كل مكان .
ـ كم أنت رائع يا ولدي ..غيرك ما كان ليهتم .
قلت وأنا مطبق الأجفان :
ـ صحيح .. ولكن .
وهممت باعادة السماعة إلى مكانها والرجوع إلى السرير إلا أن ( لكن )هذه شجعتها على الاستمرار، إذ استدركت قائلة :
ـ ولكن .!! في تصورك .. أين يكون قد ذهب .؟
وكدت أصرخ بها وأنا أغالب النعاس “وما شأني أنا ” . ولكنني في هذه اللحظة جلست إلى جانب الهاتف وقلت :
ـ ليس لدي أي تصور.
قالت مستغربة :
ـ كيف.. ألست شابا مثله .!!
تثاءبت وكدت أقول لها :” كنت سأذهب إلى الفراش ” ولكنني قدرت معاناتها ، وحاجتها إلى المواساة قلت لها :
ـ اطمئني يا أمي سيعود .. ربما هو في الطريق إليكم .
قالت بحنق :
ـ أخشى أن يبيع السيارة ويبدد ثمنها هنا وهناك.
ـ لا أظن ، وإلا سيكون الخاسر الأول ..
ـ يفعلها ولم لا .. إنه مجنون .
أغمضت عيني وأنا أحلم بالنوم وسمعتها تصرخ :
ـ ألو .. ألو .
أجفلت وفتحت عيني قلت:
ـ نعم ..نعم .. أنا معك ..
ـ ظننتك أغلقت .
قلت أداري شعوري بالضيق :
ـ لا.. أسمعك .. تكلمي .
ـ أيكون قد سافر إلى بيت عمه في السماوة .؟
قلت دون انتباه :
ـ ربما ..
ـ أو انه مازال في بغداد .؟
ـ وهذا جائز أيضا ..
قالت بنبرة أسى :
ـ زوجته المسكينة تتوجع من اجله ..
ـ شيء طبيعي ..
فأضافت قائلة :
ـ وأنا قلقة .. أخشى أن يكون قد حدث له مكروه .
ـ سيعود بإذن الله .. تأكدي انه سيعود .
قالت بلهجة مهذبة :
ـ أشكرك يا ولدي ، لأنك تحملتني كل هذا الوقت ..
ـ وأنا أقول لك ،لا داعي للشكر ..
ـ تصبح على خير..
ـ تصبحين على خير..
بعد أيام ، وكدت أنسى صوت المرأة وحكايتها مع ولدها ، رن جرس الهاتف رفعت السماعة :
ـ ألو .. من .
قالت بمرح :
ـ أنا أم سليم ..
فعرفت صوتها حالا ، بادرتني قائلة :
ـ أولا، أنا أعتذر لإزعاجك مرة أخرى.
ـ أبدا .. بكل سرور..
ـ وثانيا وددت أن أخبرك ..
قلت برحابة صدر:
ـ قولي ما لديك ..كلي آذان مصغية.
ـ لقد عاد ولدي..
ـ مبروك .. الم أقل لك ..
قالت بتردد :
ـ وان كان لي عليك شئ من العتاب..
ـ ولم .. لا سامح الله ..
قالت :
ـ حين ذكرت لولدي ما دار بيني وبينك من كلام ، أكد لي أنه قضى اليومين التي غابها معك .وإنك لم تذكر الحقيقة خوفا من تعقيد الأمور.
كنت أصغي إليها وأنا في غاية الدهشة وأردت أن أبين لها أن ما يقوله ابنها كذبا وخداعا يدعيه لغاية في نفسه إلا إنها لم تمهلني إذ راحت مواصلة :
ـ كما أخبرني أنه باع السيارة بمساعدتك ..وان ثمنها أودعه لديك .. وحسن فعل . امتدت يدي وقطعت سلك الهاتف بعنف وصرخت بكل ما أوتيت من قوة ، وجلست منهارا أسترجع ما قالته كلمة كلمة ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : كرة .

ضرب أحدهم كرة، تدحرجت بعيدا، حاول الكثيرون الإمساك بها دون جدوى، اختفت عن الأنظار وتوغلت …

| محمد الدرقاوي : وجوه .

لم يرغب خلدون يوما ان يصير معلما ،فشهادته العلمية وزاده المعرفي كان أكبر من أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.