الرئيسية » مقالات » قراءة اولـى في طريدون

قراءة اولـى في طريدون

تاليف :  جابر خليفة جابر
مراجعة : باسم عبدالحميد حمودي

يروي الحكيم (باك) حكاية (طريدون) على شكل كتاب قصصي لم يؤشر تجنيسه مباشرة، اذ هو كتاب في القصة وعنها وخلالها متسلسل بصياغة روائية والكاتب الاساس او الراوي الاول – المؤلف الذي هو جابر خليفة جابر – يتدخل حينا ويدع (باك) الراوية الثاني، العليم الثاني يتكلم وهو يؤدي دوره داخل الكتاب القصصي لــ (يدخلا) سوية (مع اخرين من البحارة) ارض سفينة قديمة فيها منظار مقرب اسطواني وكتب دلالة عتاق (يسمونها رحمانيات) يتأملون ربابنة قدامى بالوان واشكال وتصرفات شتى وخرائط متعددة منها خرائط الاحلام وخارطة للحروف واخرى للكلمات ورابعة للاسماء في (مانشيت الخرائط).
قبل (مانشيت الخرائط) يبدأ فصل (المسلة والمنظار) بلغة السواد والاحتمالات وتقديم (باك) الحكيم الربان الذي يروي جزءا من حكاية الكتاب حيث (القصة لا تصف حقائق محددة بل تخلق صورا لها شريطا من الصور الخيالية) حيث يرويها بعدة طرق – هذا مايتمناه – مثل حكواتي غير مرئي يدور مع سامعيه في ظلام الحكاية التي تتقاطر خطوطها وتتقلص حتى تغدو حبة لقاح تضم اسرار الحياة كلها وتمر باسواق وسفن وابراج ساعات واحياء بشر وغيرها لتقف عند ارض (طريدون) الخضراء .

وفي (المانشيت الاول) الذي سماه (الغوص) لا تقف عند حدود واضحة لحركة الشخوص فقد جعلهم (باك) يغوصون بالرمل ويحاكون حكاياته ووقفاته وحركاته ليصلوا المركب المختار، ليخترقوا طبقات الظلام منقبين في بنية مدينة – سفينة افتراضية صنعها الكاتب لنا على الورق وسماها (طريدون)-.
بعد (مانشيت الخرائط) يبدأ (مانشيت الجدران) حيث يقودهم الغوص – السير – الى زقاق قصير مغلق ليدخلوا احدى دوره من باب الكف الحارسة من الحسد حيث تتداخل صورة الارملة بالمباخر والشموع وضياع البحارة وسط عالم من الذهول والجدران التي تتدحرج الاضاحي عندها، وحكاية (مانشيت الجدران) لم تحلل هنا بالكامل فقد تداخلت شخصية القبطان بباك الحكيم وخلفهما جابر المؤلف وسط كابينة القيادة في السفينة – المدينة حيث تفيض المدينة – السفينة بالجدران والاضرحة ويدخل الراوي (الرواة) مع البحارة الناس ارض (مانشيت الاضرحة) بدءا من كابينة قيادة السفينة حيث يزدحم الظلام ويتجسد الشكل الاول لسفينة مدينة طريدون   الهلامية حيث تختلط الاضرحة الخضر بالساحات والبيوت ويحاذي الراوي الجدران ليصطدم بالارملة التي تقف امام ضريح توقد عنده الشموع ليظهر غواص شاب لعله من صلب الراوي (لا ماض له ولا ذاكرة سواي لذا حملني على اكتافه وشرع يسرد الحكاية باسمي) حيث تتداخل صورة باك بالارملة بالاقواس النارية .
والكائنات المجنحة التي ترتطم بعدسة باك الذي ردد (عندما تستهلك طريدون طاقتها تتحلل الى اصولها الاولى : اضرحة وخرائب ليبدأ (المانشيت الاخير) وعنوانه (الاتقاد) حين يحدق (الكابتن) عبر جهاز الرؤية الليلية بطريدون وهي تنخلق من جديد وتتوزع جدرانا وشناشيل واضرحة وشوارع وسطها زنوج على شكل اشباح وهاجة حيث يتقد كل شيء ليختفي الغواصون، ربما بنار الحكاية ليغرق الراوي مع (طريدون) الغارقة .
في الفصول الاخرى من هذه المادة الدرامية الروائية المعماة سطوحها تتكون فصولها (الكابتن شهاب البحر) و(احد البحارة) و(طباخ الباخرة) و(الرسام) لتنتهي الفصول الاول التي وضع لها الكاتب عنوان (فهرست اول) ليبدأ القسم الثاني من (طريدون) الذي اسماه المؤلف (فهرست ثان – اقتراح اخر للقراءة) بتشكيلات فصول اخرى هي (الرسام) (تخطيطات) (ظلال) (اضاءات) (المسلة والمنظار) حيث تقدم هيئة (طريدون) وعالمها من وجهات نظر متعددة من قبل المشاركين في هذه اللعبة الفكرية الروائية حيث تتداخل المدينة – البصرة بالسفينة بعالم من الرؤى والانثيالات المفعمة بتجربة ثقافية مكتظة بالكتب والدلالات والتجارب الذهنية بمشكلات الابحار بزيت الرسام باستذكارات الاعدام الفاشية بمفارز فرق الاعدام حيث يفرز المؤلف للشهيد مهدي عبر فصل (الرسام) بنية روائية من طين وفخار وشعر حيث يغتال البدو ارض الزهدي ويدمرون لوحات مهدي واحلامه واحلام نور حيث تظهر (طريدون) الشهيدة من جديد من بين طيات الزيت لتتعملق وسط صياح نور (متى تظهر اللوحة يامهدي ؟) ويصرخ الكابتن (متى يانور) وتكون طريدون الجديدة مبرأة من كل التواريخ السالفة المظلمة .
تلك قراءة اولى لـ (طريدون) التي اصدرها الكاتب جابر خليفة جابر احد مؤسسي (جماعة البصرة اواخر القرن العشرين) الذي اصدر عدة كتب باسماء مستعارة منها محمد ياسر شرف الدين وعمار علي جعفر وهدى محمد صادق وأصدر (غدا الصدر) و(آمنة ومؤمل) و(هدى والطواهر) وغيرها من كتب قصصية للكبار وللصغار وله عدة مخطوطات لم تنشر بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *