الرئيسية » نقد » ادب » أ. د. نادية هناوي سعدون : تحولات زهرة العباد وشعرية الخطاب النقدي

أ. د. نادية هناوي سعدون : تحولات زهرة العباد وشعرية الخطاب النقدي

nadia hanawi 2*ناقدة وأكاديمية عراقي

سمير الشيخ ناقد أسلوبي كتب الشعر موهبة وامتهن النقد حقلا داخليا في دراسة الأدب منطلقا من المدرسة الشكلانية والألسنية وصولا إلى البنيوية واتجاهاتها .
ومن مؤلفاته المنشورة القصائد المائية دراسات أسلوبية في شعر نزار قباني بيروت 2008 وكتاب الثقافة والترجمة بيروت 2010 .
وكتابه تحولات زهرة العباد يمثل أنموذجا دالا على مساره النقدي في الكتابة ذلك المسار الذي جمع الحدس الشعري مع الانتساب الجامعي ليتضافرا في تكوين كينونة ناقدة تجمع الشعر بالنقد في نص واحد.
وهو لم يمارس النقد فرعا معرفيا عقليا له معاييره الصارمة بل انتهج النقد الأدبي الإبداعي منفلتا من مقاييس العلمية وهذا ما يتضح جليا في عنوان كتابه الرئيس تحولات زهرة العباد وكذلك في العنوانات الداخلية للكتاب مثل ( السيف والغاب) و( السراج لا يضيء بالنهار ) .
ويبدو ان النزعة التدريسية او الأكاديمية قد أثرت كثيرا في طبيعة الانتقاء للنماذج الشعرية واختيار القصائد من الشعر الانكليزي الكلاسيكي والرومانسي والدرامي ليكون الكتاب ــ كما يقول المؤلف في المقدمة ــ صورة الناقد في ثقافته .
واذ تغيب القصة والرواية عن التحليل فان الشعر العربي والغربي القديم والحديث يكون حاضرا فما طبيعة التحولات في هذا الكتاب ؟ هل هي تحولات على مستوى
الشكل او على مستوى المضمون؟ وما انماط تحولات الفكر والثقافة ؟
ان المتفحص لمتون الكتاب بفصوله العشرة التي أطلق عليها الناقد اسم أوراق تكشف بجلاء عن صنفين كتابين :
الصنف الأول / الكتابة التي تحفر في الفلسفة والتاريخ بحثا عن المدارس الادبية التقليدية والمذاهب الحداثية .
الصنف الثاني / الكتابة ذات البعد التحليلي الأسلوبي الخالص الباحث عن ميكانيزمات الشكل والمعنى في الشعر او الرسم أو السينما أو الدراما أو المسرح الشعري .
وقد ادت هاتان النزعتان إلى أن تصطبغ نصوصه النقدية بالملمح اللساني التداولي انطلاقا من منبعها الأسلوبي وانتهاء بمصبها اللساني التداولي وباعتماد المقارنة والموازنة .
وفيما يخص النقد الثقافي فان الناقد وبسبب اقترابه من غربنبلاث وشعرية الثقافة قد اقترب من شاطئ هذا النقد مرة وغادره بعيدا مرات عدة ..
واذا كان سمير الشيخ قد أجاد على المستوى التنظيري في تفحص مقولات شعرية الثقافة الا انه على المستوى التطبيقي ظل مشدودا إلى أسلوبية تداولية …
وهذا ما سبب احيانا ضبابية الرؤية لاسيما في الاوراق : السابعة التي تناول فيها مسرحية هاملت لشكسبير والورقة الثامنة التي درس فيها التماهي بين السينما والأسطورة والورقة التاسعة عن ( شعرية التشكيل صورة البحر) والورقة العاشرة عن (الجمالي في شعر كيتس ).
وبدا الناقد سمير الشيخ في الورقتين الخامسة والسادسة أكثر غزارة في تتبع المعنى ومخاتلته فدرس إشكالية اللسانيات الوظيفية وقدم تحليلا إجرائيا موفقا لمقارنة تداولية عن مدونة الشاعر علي جعفر العلاق ( ممالك ضائعة ) .

samir/B
samir/B

وبدت الورقتان الأولى والثانية أكثر حداثية من سائر الأوراق بسبب انفتاحهما على عالم ما بعد الحداثة فيما يتعلق بالتاريخانية الجديدة وشعرية الثقافة وكذلك محاولته الحفر الثقافي في دراما كرستوفر مارلو عن سلطة الإله وامتلاك العالم وإشكالية ثقافة القوة .
وقد ذهب الناقد الى ان هذا الشاعر وعلى الرغم من انتمائه لعصر النهضة إلا إن الدراما التي أنتجها تجعلها في مصاف الأعمال الشعرية ما بعد الحداثية التي تتمحور حول المعرفة اللامتناهية .
وكان حريا بالناقد الشيخ الا يقطع اشتغاله الجميل هذا بمقاربة مارلو مع المتنبي في ما اسماه الكليات الثقافية لكن الناقد كان قد استدرك على نفسه ذلك فعاد الى اشتغاله السابق، مناقشا مسرحية ( يهودي مالطا ) ليكتتشف ان فيها ستراتيجيات ميكافيلية من خلال السلوك السايكوباثي لإدارة الصراع .
وهذا ما جعل هذه الورقة مميزة في اسلوب الحراك النقدي بازاء السوسيولوجي الثقافي التاريخي وما أحوجنا إلى مثل هذه النصوص النقدية التي تحفر في الإعمال التقليدية العظيمة التي أنتجها العقل الإنساني في عصر النهضة لنكتشف فيها خفايا الفلسفة .
وتندرج الورقة الثالثة ( السيف والغاب خطاب المتنبي الثقافي) في خانة علمية النقد لا الحدس اذ تتبع الناقد فيها منهجا أسلوبيا مركزا على نظام التعدية وعلاقته بمفهوم رؤيا العالم مبينا أنها من مفاهيم الانثروبولوجيا الثقافية وعلم النفس والفلسفة واللسانيات ،وقد نختلف معه في أن هذا المفهوم الذي أطلقه لوسيان جولدمان هو مزاوجة بنائية اجتماعية.. .
والاسلوبية تفترض اللغة نظاما داخليا حسب ولا تعطي لمسائل رؤية العالم والمحيط الخارجي اهتماما سياقيا البتة .
ولقد برر الناقد سمير الشيخ هذا بقوله : ” من خلال التحليل الاسلوبي للاثر الفني يمكن ان نقف على رؤية مؤلفة الى العالم ” ص97 .
ويبقى هذا الربط بين التحليل الاسلوبي للغة وبين رؤية العالم، محاولة من الناقد لمزاوجة الدراستين الداخلية والخارجية للنص الادبي على شاكلة المزاوجة التي سعى غوادمان الى تبينها في رؤية العالم فحاول الشيخ تقصي دلالات الانا والكون وبنية الصيغة الفعلية المضارعة والامرية ..
وينتهي الشيخ الى ان خطاب المتنبي خطاب ثقافي يقول :” ان الانا في نص المتنبي هي الانا المتحولة فالانا تتحول من الوحدة غير المتميزة مع الموضوع الى التفرد الذاتي “ص 109
ولكي يخلص من هذا الاشتباك القسري الذي افترضه مسبقا بين التحليل الاسلوبي والاجتماعي فانه اضفى على انا المتنبي شحنة موضوعية حول ايديولوجيا الحرب ..وهنا يرد التساؤل الاتي : كيف تكون الانا حاضرة ملغية للاخر تارة وتكون الانا مسكونة بالاخر والغيرية تارة اخرى ؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *