ناظم السعود : لا صحافة أدبية في العراق (8)
جاسم عاصي : أهو ناقد أم روائي ؟! ج 3 والاخير

nadum alsod 6إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة : 

جاسم عاصي :
أهو ناقد أم روائي ؟!
ج 3 والاخير
عانيت كثيرا ، وأنا اقرأ رواية ( ما قيل وما ) للروائي جاسم عاصي ، من هذا التصميم المسبق لاختيار ( أياس ) بطلا للرواية والسارد الأول لها إذ لم أجد هذا البطل ( ان صحت التسمية وكانت ثمة بطولة ) مقنعا او مفسر سبب الاختيار او جدواه للنهاية : في المستهل يظهره الروائي طفلا صغيرا يحاول أن يتعلم من ( الملا زهرة ) التي توالي لسامعيها الحكايات المتسلسلة في أيام الشتاءات الطويلة فيأخذ اياس منها أسلوب الروي وأجزاء الحكاية وكيفية سردها ولعله تعلم في هذه المرحلة العمرية أهم درس وهو فن “الإصغاء” ولما يكبر أكثر يتقن فن ” الروي ” لما تعلمه من الحكايات من معلمته ومن بقية الرواة عبر الزمن ، ولما نعرج قليلا في صفحات الرواية نراه ينتقل او ينقل ما سمعه جامع الحكايات هذا إلى إحساس “التمني” فيقيم مدينة سحرية ويخلق أبطالا سمع عنهم ( من الملا وإياد حياوي ) شفويا او من داخل مكتبته بمعنى ان بطولته تراوحت بين الإصغاء والذاكرة !.
ولكن الأسى الكبير وجدته بّينا ( أو بارزا لسانه ) حين أوصت العلوية مرارا هذا البطل من أن ” القلعة لك بعدي و لابد ان تتعلم المعرفة والطريق للقلعة ” ولكن اياسا تجاهل المعرفة التي أوصته بها جدته وابعد جوهرها عن طريقه واكتفى بالإلمام بطريق القلعة الطويل والمتشعب ووصفه بشكل يذكرنا بما دوّنه أقطاب مدرسة الرواية الجديدة في فرنسا وما حولها!ولانه تجاهل المعرفة فكان يسيرا علي فهم لماذا ضاعت القلعة واندرست معالمها حتى سويت بالتراب بعد ان كبر البطل ووصل مرحلة الرجولة وعاد إلى القلعة ( أين كان؟) فوجدها بشكل بائس ومصير مرعب ، وكانت النهاية مفهومة إليّ وخلاصة مسوغة لسوء الاختيار ونعي متأخر لمن يترك طريق المعرفة .
ان هذه الرواية تعطي مثالا حيا لما آمن به الروائي قبلا فقد عرفنا من قبل أن جاسم عاصي يؤمن ب ( أسطره ألواقع ) وهذا ما نجده فعلا هنا حين نكون إزاء شخصيات متأسطرة تخرج من الواقع العاطل لتعيش في أذهان من يقراونها طويلا ، مثلا العلوية حميدة لم تكن نمطية منذ بدءها فهي شخصية غامضة ولا يعرف لها عمرا محددا وتقيم في القلعة وحدها رغم اتساعها وهيبتها فقد عمرت طويلا حتى أنها دفنت باقي سكان القلعة بيديها، كما إنها تتنبأ بأحداث ومصائر لا تلبث ان تتحقق وكأن العلوية تقرا في مرآة كاشفة ، وتأتي النهاية المفتوحة للعلوية ابرز ما سعى إليه الكاتب في أسطرته لهذه الشخصية الغرائبية اذ إنها بعد ان أكملت وصاياها ووهبت ثقتها لمن جاءها وحذرت اياسا من مجئ الغرباء وعبثهم بمحتويات القلعة وإسرارها دخلت لغرفتها ولتختفي هناك إلى الأبد وذهبت محاولات اياس في البحث عنها عبثا حتى ليمكن القول ان اختفاء شخصية العلوية ليذكرنا على الفور باختفاء مماثل دفعت إليه شخصية مغايرة كمصطفى سعيد في رواية السوداني الطيب صالح ( موسم الهجرة الى الشمال ) !.jassim
ولم تنجح الاسطرة مع الشخصيات الرئيسة في الرواية ، كما رأينا مع العلوية حميدة ، بل اختار الكاتب بعض الشخصيات الثانوية ليؤسطرها سعيا منه لتصعيد روايته الى مستوى النجاح والبقاء في الذهن ، وهكذا نجده يتوقف إمام شخصية عابرة مثل ” الدرويش ” التي لن نراها الا مرة واحدة ولكنها كانت كافية ليؤسطرها الكاتب ويجذرها في أذهان من قراوها ، وللعجب فان الدرويش هذا يمد وجوده ويعلن بقاءه من خلال توقعاته للأطفال اللاهيين من حوله حيث يحدد للجميع مصائرهم القادمة وبوقت مبكر والغريب جدا ان تتحقق كل نبوءات الدرويش للأطفال كما رسمها هو لهم وهذا ما يبقيه في البال كشخصية متاسطرة ،والأمر ذاته فعله الكاتب لإنقاذ شخصيات هامشية نظيره مثل (أولاد غانم ) و ( فاضل ) الذين أبقتهم الاسطرة ولم تفعل ذلك أفعالهم السيئة السابقة ، ومرة أخرى نجد الكاتب وربما من دون إرادته يدفعنا الى استذكار أسلوب متشابه ونتائج عينها سبق وان اتبعها الطيب صالح في روايته الذائعة ” عرس الزين ” !.
ومن الواضح ان الكاتب كان يدرك مسبقا انه يكتب مجموعة من الأحداث التي تشكل في مجموعها ” حكاية ” لا يمكن ان تكون رواية متكاملة او متشابكة في الروي والأحداث والشخصيات القليلة والمحدودة لأسباب شتى فكرية وفنية ولهذا قصر جهده في تقديم حكاية سبق له سماعها ويروم إخراجها من مرحلة السماع الى مرحلة التدوين حتى وان شكت هذه الحكاية من ضآلة الإحداث وعدم تشابكها وقصور العناصر الروائية المحايثة ، وهذا ما اجبره على ضغط المتن الحكائي الى هذا القصر لينسجم مع قصديته السردية بمعنى ان الكاتب كان يعلن هنا ( حتى في لا وعيه ) انه مجبور في اختياره نتيجة قصور في أدوات الرواية فكان القصر مع انه أمام بذور سردية كان لها ان تنمو وتتوسع بل وتتشابك ! ،وربما لهذا السبب عمد الكاتب الى تكثيف أحداثه وضغط شخوصه واختيار ضمير المتكلم ليكون هذا الضمير هو المؤهل الفني المعلن ” وربما هو الوحيد ” لتقديم أحداث الرواية برغم ضآلتها ، وقد ألغى الكاتب المطولات ( وهناك من يسميها بالمعوقات) ومنها الفصول ان كانت مرقمة او عنوانات مختارة وجعل مدونته مفتوحة على بعضها لزيادة الكثافة وتحقيق التماسك .
وقد نجح الكاتب في اختيار ضمير ( أنا المتكلم ) ليكون هو السارد المعلن للرواية فهذا الضمير ( ويسميه بعض النقاد بالضمير رقم واحد) يقرب الأحداث من المتلقي من خلال الحميمية والملكية اللتين يشير إليهما لكن مشكلة هذا الضمير ( وبقية الضمائر أيضا ) انه لا يمكن اختيار أيا منهم بشكل مزاجي او أسلوب مجاني فثمة دواع فنية وفكرية تكمن خلفها ولا يجوز تناسي دوافع الاختيار ، فمثلا ان اختيار الضمير الأول ” نا او أنا” يشي ان صانع السارد المتكلم ( أي الكاتب ) هو في محنة شخصية أثناء فترة السرد تدفع الكاتب لاختيار هذا الضمير دون سواه ، ومن المؤكد ان شعور البطل بعجزه الداخلي وعطبه عن تغيير الأحداث المحيطة هما سبب المحنة ومن ثم كان دافعا للاختيار وقد يكون هذا إحساسا من الكاتب ذاته ، ومرة واحدة وجدنا الكاتب يغير ضميره الى آخر هو ( ضمير المخاطب او الثاني) في مشهد فجائعي كاد فيه اخو السارد يموت من اثر الحمى التي خضته حتى أوقعته فكانت مخاطبة السارد لربه بإنقاذ أخيه من الموت وهذا ما كان !.

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

ومن الجلي القول ان الأديب جاسم عاصي قارئ ومواكب جيد لألوان الوثيقة التي يقدمها او يفيد منها في مدونته ويمررها في ثنايا روايته، وفي هذه المدونة ينهل من وثائق كثيرة لتخصيب روايته ويشحنها بمديات زمنية وقرائية أطول ، لكننا رأينا الكاتب يسعى لإبراز وثيقتين اثنتين : الأولى صناعته للقلعة وترميزها بما هو موجود فيها من أسرار وأشياء ورموز تعطي بمجملها صورة إيحائية بأنها تمثل ” العراق ” لا القلعة فقط ولا حتى مدينة كربلاء مع انه حاول ان يقربها من المدينة حد التماهي ولكن القارئ العارف سرعان ما يدرك ان القلعة بمجوداتها وأسرارها والمخاطر التي تحيطها هي اقرب لان تكون رمزا للعراق في ماضيه القريب وحاضره الملتهب ! بينما كانت الوثيقة الثانية قد ظفر بها السارد الأول من جوف (الكيس) في احد سراديب القلعة وتنحى هو لسارد آخر ليقراها لنا فالأخير هو ( راوي مشارك ) حسب قول الناقد ” جون بويون ” في كتابه المهم ( الزمن والرواية ) لكن هذه الوثيقة كانت تميط او تكشف زوايا غير منظورة من رحلة توثيقية الى ” غابة الأزهار الضوئية ” او كما اسميها رحلة الرجولة التي بادر بها الراوي المشارك للحصول على دواء نادر لتخصيب رحم زوجته والحصول على وريثة للقلعة ثم يتضح لنا ان هذه الوريثة لم تكن إلا العلوية حميدة التي غيبت في الأخير تاركة من بعدها القلعة أطلالا !,
قطوف :
1- لئن انتهى الأديب جاسم عاصي من كتابة مدونته الروائية هذه في شهر آذار من عام 1994 ( كما هو موثق في ختامها ) فانه يكون بذلك قد اظهر لنا وربما لغيرنا وثيقة تاريخية وفنية مدخرة ليوم عصيب كهذا فقد مرت عشرون عاما على إطلاق صرخته التحذيرية من مصير ملتبس او ساخن سيأتي بعد كل هذه الأعوام ما دامت ” القلعة ” التي أجهد الكاتب نفسه بوصفها والتعريف بأهميتها ونفائس وقدم محتوياتها ولكنها ضاعت لكثرة الأعداء وندرة الناصرين وتجاهل الصرخة التحذيرية المبكرة !.
2- الروح الشعبية هو ما يشيعه الكاتب في كل مفاصل روايته وبشكل متتال لينفخ في أذهاننا إننا أمام مكان أليف وانه يعنى بالشعبيات مثلما عني بالمرويات حتى يعتصر ما في الحكاية من معان فهو ثبت أسماء نعيها جميعا أمثال : باب طويريج / محلة العباسية الشرقية / مكتبة العزة / مناسبات وطقوس كربلاء …الخ كما لا ننسى ان الكاتب يسرب لنا عدة حكايات موروثة مثل الخفافيش ومرآة الأميرة بما يشي باكتناز وعي الكاتب بهذه الحكايات وقدرته على توظيفها وتسويغها للمخيال الشعبي .
3- تحول الكاتب في مقطع مؤثر الى هجّاء كاسح للحرب والقائمين خلفها والمستفيدين من نيرانها الموارة ( هذه الحروب المتناسلة التي أخذت الأصحاب تباعا فلا يفرقون بين الانتصار والخسارة (..) أنها الحرب تختلط فيها الأمور وسط زحمة النوايا !..) ان هذا الهجاء لهو مما يحسب للكاتب.
4- كخلاصة لكل ما سبق هل لنا ان نسال بعد ان جررنا رواية ( ما قيل وما ) الى دائرة القراءة : هل افلح الأستاذ جاسم عاصي هنا في تقديم نفسه كروائي أكثر من بقية الأجناس التي زاولها في رحلته الطويلة ؟ وثمة سؤال ثان : هل أزيحت الان صورته القديمة في ذهني كناقد ليحل بدلا عنها صورته الجديدة كروائي ؟ والحقيقة الصادقة تدفعني الآن لمواربة مفهوم ” السمة الغالبة ” لاستند على مفهوم بديل يجعل ” الإفادة ” من الجهد هو المعيار الأساس في البحث والتقييم فلا ننسى ان غاية الأثر ” إن كان أدبا ام ترجمة ام انشاءا ام نقدا ” هو للإجابة المبينة عن سؤال لحوح : ماذا حقق هذا الأثر من افادة لهذا الجنس او ذاك وهل كانت له إفادة تذكر لمبدعي الأثر او المحيطين به ؟! ووفقا لهذا المفهوم الجديد أقول إنني ما زلت عند رأي القديم الذي يرى ان الجهد البارز لجاسم عاصي يبرز في النقد كونه يحقق إفادة لا تنكر للمؤثرين بل وللقراء وللحركة الثقافية عموما وهذا أكثر بقاء في الحركة من فائدة يحققها اثر واحد … أليس كذلك ؟!.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طلال حسن : رواية للفتيان – خزامى الصحراء

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

هشام القيسي: أكثر من نهر (6) محطات تشهد الآن

ينفتح له ، وما يزال يرفرف في أفيائه مرة وفي حريق انتظاره مرة أخرى ومنذ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.