عصام القدسي : سانتياغو

osam alkodsi 2في ركن من الصالة ، يتربع على قاعدة مرتفعة منحوتة من خشب الصاج . يزورني الأصدقاء ، يقف البعض أمامه مبهورا ، يثني على دقة صنعه ، بينما يتأمله البعض الآخر بريبة ، خاصة الكدمات التي على الخد والجبين والرقبة ، ولكن كلا الفريقين لايشك في انه تمثال من حجر الجرانيت الأسود ، ولا يعلمون أنه رأس رجل من لحم ودم أوكلت به لصديق فنان قام بتحنيطه وصبغه بطلاء هو مزيج من اللون الأسود ومواد أخرى حتى بدا على ما هو عليه من جمال وإتقان في التمويه..
ذات مساء كنت أقود سيارتي عائدا الى البيت، وبما أنني أعيش لوحدي أصنع طعامي بنفسي ، قررت أن أعرج على مطعم قريب من بيتي ، أخذت طعاما جاهزا ، دفعت ثمنه وانصرفت .. كان المساء يلقي بظلال خطواتي على الأرضية والأشجار . وبدا الشارع خاليا إلا من بعض السيارات ، تمرق بأضوائها الساطعة . وضعت الطعام داخل سيارتي المتوقفة إلى جانب الرصيف . وقبل أن اصعد إليها سمعت غمغمة بين الأشجار، أمعنت النظر،على ضوء عمود الشارع ،فلم أر أحدا ، كان ثمة شيء على الأرض اقتربت منه ، دققت فيه ، كان صندوقا خشبيا ملقى على الرصيف ، ترددت لحظات ، ثم اندفعت والتقطته ومضيت أتفحصه ، في هذه اللحظة ظهر شخص ، تطلع إلي والى ما بيدي ثم مضى متمهلا في الطريق ، حاولت أن أفتح الصندوق فوجدته مقفلا . وضعته في المقعد الخلفي ولثقل وزنه ، شعرت بالغبطة ، فقد تصورت ،انه يحتوي على شيء ذي قيمة.. وصلت البيت .. حملته وأسرعت الخطى إلى الداخل، حذرا من أن يراني جاري العجوز، الذي يترصد حركاتي ليل نهار..دخلت المطبخ ، وضعت الصندوق على الطاولة وجلست أمامه اتأمله ، كان من خشب البلوط ، مقفلا بقفل ذهبي صغير، نهضت وجلبت مفاتيح الدواليب الصغيرة وجربت الواحد تلو الآخر دون جدوى . لجأت إلى سكين صغيرة وبعد محاولات تمكنت من كسر القفل . فتحته فتجمدت في مكاني. ما الذي رأيته .؟ لا أحد يتخيل ما الذي كان في داخله .نقود.؟ لا. ذهب.؟. شيء يمكن الاستفادة منه .؟ لا. ماذا إذن .؟ لقد وجدت ، رأسا بشريا .. أجل رأسا لرجل ، مقطوع حد الرقبة أجفلت كما لو لسعت بجمرة في عيني ، قفزت بعيدا وقد غيمت الرؤية أمام ناظري. وحاولت أن أستعيد بعض هدوئي وأنا أتقدم منه ، وأتطلع إليه ، كان في الخمسين ، اسمر الوجه كث اللحية ، مفلطح الرأس أشعث الشعر، غليظ الشفتين ، مدبب الأنف صلف الملامح لاشك انه تعرض للضرب قبل أن يقتل خمنت ذلك من الكدمات التي على وجهه ..وبالرغم من هذا ، تخيلته ساعة قتله كان يتطلع إلى الجاني بنظرة استهزاء ، نظرة ظلت مرسومة على وجهه ، كان مطبق الأجفان ، بدا كأنه نائم يحلم وتفتحت أمامي كزهور سوداء أسئلة جمة : ترى لم قتل.؟ . ولم قطع الرأس ووضع في الصندوق ولم يترك مع الجثة .؟ والسبب في قتله .؟ من أجل ثأر .؟ أم امرأة ، أم مال .أم . أم ؟ وشعرت كأنني أقف أمام قنبلة موقوتة ، ان لم اتخذ قرارا عاجلا ، ستدوي بانفجار رهيب . قلت ( يجب إن أتخلص منه ). وإذا بالرجل يفتح عينيه ويتطلع إلي بقسوة واستنكار وشفتاه تتحرك بفظاظة قائلا
ـ من أنت ..؟..وأين أنا .؟
دب الهلع في قلبي ثانية وراودتني رغبة ، بالهرب لكنني تمالكت نفسي قلت بصوت مرتعش : ـ أنت تتكلم ..!! وعاد إلى سؤاله : ـ ألم تسمع ما قلته .؟
قلت متلعثما:
ـ أجل سمعت ..أنا صديق .. وأنت في بيتي .. ضيف عزيز ..
قال بسخط : ـ وكيف جئت إلى هنا..؟
وحسبما خمنت فقد كان يتكلم بمنتهى الوقاحة والجحود قلت له :
ـ يا سيد ..
قال : ـ سمني ما شئت .. وليكن اسما مرموقا ..
قلت : ـ بصراحة .. أنت .. وصعب علي أن أخبره بالحقيقة .
قاطعني معترضا :ـ أنا ماذا .؟
قلت بسرعة : ـ أنت قتيل .. رأيتك ملقى على الرصيف ..و ..
قال بحدة : ـ ومن طلب منك أن تأتي بي ..
قلت أدافع عن وجهة نظري: ـ الواجب الإنساني يحتم علي ذلك.
وعاد يتذكر ثم قال بهدوء :
ـ ولكنني لم أمت بعد ..فأنا مازلت أعاني سكرات الموت .
شجعني هدوءه فتجرأت وسألته : ـ وكيف حصل ما.. ؟ قال بكلمات متعجلة : ـ تلك حكاية طويلة ..أغلق الصندوق من فضلك لأنني أريد العودة إلى إغماءتي ..قلت : يجدر بك أن تخبرني كي أتصرف بما يمليه العقل ..
قال وهو يغمض عينيه : لم أكن المقصود بالقتل .. ـ كيف ..؟
قال ـ كان مجرد تشابه أسماء ..
ولم أسمع ردا فقد راح مستغرقا بإغفاءة أو إغماء .. لا أدري . همست : ـ هذا كابوس يجب علي التخلص منه بأسرع ما يمكن ، فأنا على يقين لو أن أحدا عرف بأمره فسأكون في ورطة لا يعلم بها إلا الله . أغلقت الصندوق وخبأته تحت السرير ،..
دقت الساعة الثالثة ليلا ، جلست في الفراش، ولم أكن قد نمت . كان كل شيء هادئا تماما ، أخرجت الصندوق من تحت السرير ، حملته وخرجت إلى حديقة المنزل ، تناولت مجرفة من تحت شجرة ورحت أحفر بهدوء ، وإذا بطرق على السياج الذي يفصلني عن بيت جاري العجوز وسمعته يرخم صوته هاتفا
ـ ما الذي يفعله جارنا المحترم ..!!
عدت إلى الفراش وبقيت أتقلب في السرير ،مسترجعا اللحظات التي عثرت فيها على الصندوق وأطل من نافذة ذاكرتي هيئة الرجل الذي شاهدني وأنا التقطه ، وخشيت أن ينكشف الأمر .. قلت مع نفسي : يجب أن أبلغ الشرطة ..
في الصباح وضعت الصندوق إلى جانبي في السيارة وانطلقت. وسمعت الرجل يغني لحبيبته ، سألني : ـ ألست متزوجا .؟
صرخت به : ـ وما شأنك أنت ..
قال ضاحكا: ـ هجرتك ..أليس كذلك ؟.
قلت : ـ شيء من هذا القبيل ..
سألني بخبث : ـ تحبها .؟
قلت بحنق : ـ كف عن الأسئلة ..
قال برضوخ : أتعلم .!! أقل ما تفعله المرأة فينا إنها تستهلكنا ..
وعاد يغني : ـ أنا ملك الغابة المتمدنة .
ركنت سيارتي جانبا ودخلت المخفر. رأيت عند الباب شرطيا يقود رجلين مكبلين بالأصفاد وقد تسربلا بالدم سألت أحد الحاضرين .
قال بلا مبالاة : ـ إنها مشاجرة عنيفة كما أن هناك مصابين في المستشفى ، ورأيت المتهمين يساقان إلى غرفة التحقيق ، تخيلت أنني أقف موقفهما ، وأحاول الدفاع عن نفسي لجريمة لم أرتكبها ، وترددت بالإبلاغ وظللت حائرا بين أن أتقدم أو أحجم ، ودون شعور مني خرجت، بل هربت وأنا أتخيل أن هناك من يتبعني ، وما أن ركبت سيارتي وانطلقت حتى سمعت قهقهة ، من داخل الصندوق ،فتحت الغطاء فرأيته يتطلع إلي وهو يغمزني قلت : ـ ما الذي يضحكك
قال بلطف : ـ عبثا تحاول التخلص مني . قلت له : ـ أنت رجل مجنون .. و.
عاد إلى ضحكه : ـ وماذا أيضا .؟ قلت بعصبية : ـ وقتيل .
أضاف قائلا : ـ قتيل على قيد الحياة .
قلت : ـ غدا تموت..
ـ لست أخشى الموت . كل الكائنات تموت بلا ضجة ، فلماذا يكون الموت الإنساني الفعالية الوحيدة الموحشة من بينها .؟..الموت يعمل بصمت وهو غير مسؤول عن حكاياتنا وخيالاتنا والأساطير التي حيكت حوله .
ثم عاد يقول : ـ اعلم إن الطبيعة كي تحافظ على حضورها كان لابد لها من إحداث خلل مع الكائن الإنساني . ومضى يشرح أمورا كثيرة ، ويفلسف الوجود، والحياة والموت والجنس والمال والرغبات ويفسرها بطريقة غريبة لم أسمع بها من قبل ..
ـ من أين تعلمت هذا ..؟
قال ـ من الكتب .. وبشيء من التأمل فيما حولي .
واغمض عينيه ،أغلقت عليه . فكرت مليا بحكمة الرجل مثلما فكرت بورطتي فمهما يكن يجب علي التخلص منه . نويت أن أرميه في النهر. قدت سيارتي حتى وصلت الشاطئ . كان هناك ، بعيدا ، بعض الصيادين الهواة ، أخرجت الصندوق وحملته بكلتي يدي ونزلت إلى الماء وما أن خطوت قليلا حتى سمعته يصرخ:
ـ أمسكوا القاتل .. أمسكوا المجرم .
ثم أخذ يتوسل وينتحب ، فلم أجد بدا من التراجع. وحين أدرك ذلك سمعت ضحكته المجنونة ثانية يطلقها مشوبة بنشوة الانتصار. صرخت به كالمجنون : لو لم تكن مقتولا لكنت ..
قال : كنت ماذا .؟
ـ لقتلتك .. أيها الرجل النصف ميت .
قال : ـ ها أنت تعترف أنني نصف ميت ، أي نصف حي أيضا . ولا أظن انك تخالفني الرأي بأن دفني أو إغراقي في النهر ، يعد نصف جريمة قتل ..
جلست على مصطبة عند الشاطئ ووضعته إلى جانبي كان دمي يغلي حتى ما عدت أعلم ما أفعله به ، ولاذ هو بالصمت ثم قال فجأة : ـ ما رأيك ، أن ندخن
قلت له : بشرط .
قال : ما هو.؟
فتحت الصندوق وقلت : ـ أن تحدثني عن نفسك ..وكيف حصلت الجريمة.؟ وأين.؟ و..و.
قال: ـ حسنا .. ولكن السيجارة أولا.
أخرجت علبة سجائري وأشعلت اثنتين، دسست واحدة في فمه ورحت أدخن الأخرى قال وهو يمتص سيجارته :
ـ نادرا ما أدخن ، ولكن لا بأس من أجل الصداقة التي بيننا .
ابتسمت دون إرادتي : ـ حسنا .. تكلم
قال : ـ أما اسمي .؟..فسمني سانتياغو ، كإسم الصياد العجوز بطل رواية الشيخ والبحر..
وصمت قليلا وهو يفكر ثم قال : ـ لأن حكايته تشبه حكايتي ..
انتزعت السيجارة من فمه فقال : ـ هو تحدى الأمواج والريح وأبحر بزورق بائس ذي شراع مرقع من أكياس الدقيق وعانى أياما وليالي من مصاعب تفوق احتمال البشر واصطاد سمكة عملاقة وفي طريق عودته أكلت أسماك القرش السمكة التي اصطادها ، ولم يعد إلا بالعظام وأنا سافرت الى المجهول وذقت الذل والهوان الى جانب ماتوهمت انه السعادة وعدت من رحلتي، بخفي حنين، مفلسا لا أملك شروى نقير
قلت أحثه على الحديث: ـ يبدو أن لك حكاية مختلفة..
قال : أنا شخص غريب الأطوار لا أتقبل الأمور على علاّتها.. عانيت في طفولتي من قسوة أبي ، وحقد زوجته المدللة .وحين اصبحت شابا ، وقد نلت قسطا من الدراسة ، فكرت يوما بأنني ، لن أظل متخبطا في المستنقع الذي يعيشه غيري وإن السفر يرمي بي إلى خارج مدار هذا العالم المتأسن . سرقت مال أبي ، فمات كمدا . ندمت ، حزمت حقيبتي وغادرت ، بصحبة صديق . ركبنا السيارة لتلفظنا إلى خارج البلاد التعيسة ومن هناك ركبنا البحر لتبدأ رحلتي باليونان ، وصلنا ميناء قبرص وما أن نزلت من المركب حتى ضاع مني ذلك الصديق ، لم أمكث إلا أياما ، انطلقت إلى إيطاليا وطاب لي السفر مادمت املك المال، فكنت أقضي ليالي في العبث واللهو والخمرة ، وازور المتاحف والمكتبات والمتنزهات والأماكن التاريخية وآثار روما القديمة ، شاهدت مدرج كوليسيو، واذهلتني عظمة قصر الكويريناله وقوس سبتيموس سويروي كنت انتقل من مدينة جميلة الى مدينة أجمل ..وحين قاربت نقودي على النفاد عملت حمالا على ظهر سفينة تجارية في ميناء جنوه ، وصيادا على زوارق كبيرة وعامل بريد ، وخادما في مطعم ، شعرت بالاكتئاب فجأة ، فقررت أن اترك العمل وأغادر إيطاليا سافرت إلى فرنسا ، أقمت في باريس فترة اشتغلت طباخا في مطعم شرقي ثم انتقلت الى مدن عدة ، عملت في مصنع للملابس ، وعامل في متجر، وغيرها ومثلما كنت اعمل كنت في اوقات الراحة اقضي ساعات ممتعة، في السهر واللهو، ومشاهدة معالم المدينة التي اعمل بها .. زرت المكتبة الوطنية وشاهدت قصر تروكاديرو وكاتدرائية نوتردام ومتحف اللوفر وقصر الأنفيلد..و..و. وبعد فترة رحلت إلى لندن كانت الطائرة تحلق بنا فوق بحر المانش .. هناك عملت في فندق ، كنت سعيدا بعملي ، الذي كان مزيجا من المرح والعمل. كنت أصرف راتبي وأجمع ما يعطيني الزبائن من ( البخاشيش) وأخفيه داخل زهرية ، في غرفتي ، وذات يوم اكتشفت سرقتها، اتهمت زميل لي . وحين أنكرتشاجرت معه ، فطردت من الخدمة. رأيت نفسي أنام على الأرصفة والحدائق العامة ، وابحث عن طعامي في النفايات . وشاءت الصدفة أن التقي بصديقي الذي غادرت معه ، فعرفني بفرجينيا ، الأرملة الثرية ، تنازل لي عنها ، وفرجينيا هذه امرأة في الأربعين ورثت ثروة عن زوجها العجوز وهي عاهر حقا ، كانت مجنونة، نهمة لا تشبع من اللذة ، سادية ومدمنة ، وما كان يهمني ذلك بشيء في بادئ الأمر، مادامت تتكفل بإقامتي وطعامي وحين أخذت تتمادى بتصرفاتها ، فتجرح كرامة الرجل الشرقي داخلي ، كرهتها وغادرتها دون وداع ، برغم حاجتي إليها ، .
غص مرتين وخلت انه سيموت ولكنه عاد يكمل قائلا:
ـ بعدها اشتغلت عامل تنظيف ، في صالة للقمار ..وفي أوقات الإجازة ،أشارك في اللعب وأربح بيسر، ولما أكتشف صاحب الصالة موهبتي ، أخذ يزجني باللعب مقابل نسبة من الربح، فعادت تضحك لي الدنيا من جديد تعرفت في تلك الفترة على شخصيات مهمة من الطبقة الأرستقراطية وشهدت جانبا من حياة الترف ورحت أقلدهم غير عابئ بالمال ، عاشرت ما لا تتصور من النساء الجميلات وشربت أصنافا لا تعد من الخمرة. تعلمت من كل ما مر بي ( أن الحب والجوع يحكمان العالم ) ..وبرغم إسرافي جمعت مالا كثيرا وقد أخذت ألعب لحسابي ، انتقل من مكان الى آخر ومن صالة الى أخرى . وذات ليلة وبينما كنت أشرب والعب وأنا في غاية الحبور، عاودني الاكتئاب ، أحسست بالحزن العميق . طلبت مزيدا من الكؤوس ، لعل الحزن يغادرني حتى سكرت . رحت أبعثر نقودي فوق مائدة القمار كمن أصيب بمس من الجنون وأنا أبكي في داخلي..كنت أخسر وأخسر. حتى خسرت كل ما لدي من مال . . حين أفقت في اليوم التالي فتشت عن سبب حزني ، ،اكتشفت بعد كل أعوام الغربة تلك ، حنيني لبلدي..أحسست إنني تعبت ..اشتقت لحياة البؤس التي خلفتها ورائي .. تصور .!! رجل يهرب إلى تعاسته ..هل بعد هذا من جنون .؟ كان شعور مدمر يحاصرني أنى مضيت ..ويلح علي بالعودة ولم يكن لدي ثمن التذكرة . وقفت في إحدى الساحات العامة ورحت أغني وارفع عقيرتي بأغاني العويل والبكاء استجدي المارة ، كانوا يرمون لي بقطع النقود وهم يضحكون ( أوه ذاتس نايس .. كوود .. كوود ) حتى تمكنت من جمعت مايكفيني للعودة .. حين عدت لم يكن يهمني إنني صفر اليدين فقد كنت أشعر بسعادة لا توصف ولم اكن أتصوران ظروف البلد قاسية إلى هذا الحد وإنني سأبقى بلا عمل ولا مال ، وحين اكتشفت ذلك ، شعرت باليأس وفي ساعة سكر، مزقت أوراقي وجواز سفري ورميت بهما الى القمامة ، فقد أردت أن أعيش نكرة ..كانت مشكلتي الوحيدة الحاجة الى لقمة العيش.. وقفت في سوق ( الخردة فروش ) اشتري وأبيع ..بضاعتي كانت من سقط المتاع . كان كل ما يهمني أن أحصل على كفاف يومي : رغيف خبز ونصف زجاجة من الخمر الرديء، أشربها وأنام فوق رصيف ، أو على تخت مقهى أو في خلاء موحش . سألته :
ـ والجريمة ..كيف حصلت.؟
قال دون حماسة : ـ أبدا..
كنت نائما في (خرابه ) وعند الظهيرة ، أيقظني بضعة اشخاص ، وبطريقة فظة ، قال لي أحدهم وهو يركلني : ـ هويتك .؟
نهضت ، قلت : ـ أضعت أوراقي.
قال : ـ ما اسمك .؟
قلت ساخرا : ـ ( لا أحد )
قال الثاني بغضب: أسمك ( لاأحد ) ..
قلت دون مبالاة : ـ أجل.. لاأحد ..أي ( نو بدي ) .
قال آخر متظاهرا بالهدوء: إذن أنت هو..وأشار الى الرجلين أشارة يفهمانها ، هجموا علي وكبلوني وبالغوا بتعذيبي وهم يرددون : يا ابن الكلب .
وأنا أقول لهم : يا أولاد الـزنى..
شتمتهم بقسوة ، وبصقت في وجوههم ولم أبال.. قطعوا رأسي ووضعوه في صندوق ، وسمعت أحدهم يقول:
ـ من يكون هذا الجربوع حتى يلح ( النمرود ) بطلب رأسه . انطلقوا برأسي إلى النمرود، ثم سمعتهم يستأذنون ، ولما أَذن لهم ، دخلوا عليه واشرعوا الصندوق بين يديه نظر إلي بتعال وقال بوقار زائف : ـ ليس هذا المقصود. أعادوا عليه القول
ـ انه (لاأحد). قال لهم ببرودة : ـ تشابه أسماء..لا أكثر.
وبقية الحكاية واضحة فحين اكتشفوا انني لست المطلوب رموا بي الى الطريق .وما أن أكمل حتى أغمي عليه من جديد . تفكرت بكلامه وأنا في غاية العجب .. بعدما سمعت حكايته أعترف صراحة أنني بدأت أميل إليه ..عاطفة نبيلة أخذت تنمو في أعماقي نحوه ورغبة بعدم التفريط به أخذت تمد جذورها داخلي وتمنيت لو يلازمني ، ما حييت..ولم أحاول التخلص منه ثانية..
ينام سانتياغو ليلا في الصالة
في الصباح وحالما يستيقظ أسمعه يقلد صوت الديك:
ـ عع ..عوعووو..
أبادره :ـ صباح الخير سانتياغو
فيرد علي بمرح ـ صباح الخير ماريا .. ويمضي مرددا مقاطع من أغنية إيطالية . بعدما ينتهي أسأله .
فيضحك قائلا : ـ الأغنية تقول : ماريا تنام تحت ضوء القمر وساقاها الذهبيتان تبقى مستيقظة .. لماذا .؟ لتعازل القمر وتسير معه في نزهة بين النجوم .. وماريا هذه المرأة الوحيدة التي أحببتها بكل جوارحي ، تعرفت عليها في إيطاليا ، في مدينة فنس ، كنت أموت جوعا ، وأدور كحصان ركلته حلبة السباق ، انتشلتني من الطريق ووضعت شقتها وما تملك تحت تصرفي. كانت كل ليلة تلتف حول جسدي كالثعبان وفي لحظات اللذة تصرخ :
ـ أكرهك يا سخام المدخنة.
فأرد عليها :ـ أكرهك يا وسخ الصحون ..
وهكذا كان كل صباح يتحفني بحكاية عن امرأة عرفها :
ـ صباح الخير أيها العجوز سنتياغو..
ـ صباح الخير ناتاشا..صباح الخير كارلا.
وذات صباح استيقظت من نومي ولم اسمع صوت الديك ، هرعت إليه ، تطلعت إلى وجهه كان شاحبا ذابل الأجفان
قلت : ـ مابك ..سانتياغو ..
قال بحزن : إنني أموت.. وداعا صديقي الطيب.. وداعا ماريا .. وداعا ناتاشا ..وداعا سيداتي الجميلات ..وداعا أيها العالم الجميل البغيض.. إنني أترك كل شيء واعبر إلى الضفة الأخرى ..
وشرع يغني بصوت واهن :
ـ يمطر الشوق دون سماء .. وأجمل الحب ، هو الذي يقترحه الجنون ويرعاه العقل ..

شاهد أيضاً

بيروت
عصمت شاهين دوسكي

بيروت يا فراشة بحرية أبحرت يا مرآة الروح بالحب وصفت يا تفاحة في ليلة العرس …

أسعد الجبوري: بريد السماء الافتراضي.. حوار مع الشاعر اللبناني بسّام حجار

كان يتمدد على سريره في تلك الساحة القريبة من صيدلية ((الأرواح المشتعلة)) ،وهو يدخنُ ،وإلى …

موجزة ومعبرة
ترجمة: بولص آدم

“الاختزال والدقة، من أهم خصائص النثر.” ألكسندر بوشكين صدفة عمياء ستانيسلاف جيرزي ليك خلال الحرب، …

تعليق واحد

  1. صالح الرزوق

    هذه أول قصة أقرأها لهذا الماتب، انه يذكرني بتعرفي على عاصم الباشا، كاتب القصص الذي يعيش في اسبانيا، و لا سيما قصته البوليرو، صعاليك يدخلون و يخرجون من أحلامهم بلا ضوابط، حتى تعتقد ان الحياة مجرد حلم يمكنك أن تعدله افتراضيا، لكن دائما للواقع مفاجآت ناقصة و فظيعة، هذا الديالكتيك بين واقع نصنعه و واقع غاشم تفرضه سلطة لا يمكن ان تطالها بالحساب و التطهير هو سر هذه النصوص، المشكلة هي في قراءتنا المادية للواقع، طالما تعاملنا معه افتراضيا حصلتا على مسافة امان، ضمن الفضاء الافتراضي يمكنك تبديل المصائر الناقصة، و شكرا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *