حسين رحيم : الطائر الذي ارتداه جدي

hussein rahim 1غالبا ما تحدث هذه ألأمور في الصباح …لاأحد يعرف السبب , ولا أظن بأن هناك من يريد ان يعرف…لأن المعرفة ممحقة للعقل البريء وتورث الهم والغم والبطنة.. أما الجهل فراحة بال وطمأنينة كما كان يقول جدي وكنا نضحك ويضحك لضحكنا بعينيه المطفئتين ويكرر:
ـــ ياجرائي الصغار …مرة سمعت ابي يقول لأمي وكان ذلك قبل ان يغادر بذلك الحاديث الغريب :ـ
ــــ وهل من العقل ان يفقأ المرء عينيه ..
ـــ كان يقول إن البصر خطيئة والبصيرة رحمة والمرأة لعنة الرجل في ألأرض
وكان ذلك الصباح حين رأيت امي تأتي قادمة وهي تلطم خديها
ـــ جُن جدكم…
كان جالسا على الشجرة وهو يصفر بفمه وابي يتوسل به ان ينزل وجدي يرد عليه بغضب :
ـــ الا تراني اغرد …متى سأغرد ان لم يكن في الصباح …متى ستفهمون يا أغبياء
هكذا تعودنا ان نراه كل صباح قاعدا على الشجرة ويصفر بفمه تغريدات…طائر الكناري …الكروان …اليمام …العندليب …حتى جاء ذلك الصباح الذي كان صامتا صمت الجبال …ولم يكن موجودا على شجرة التوت …قالت امي مبتسمة
ــ يااولاد …لقد تحول جدكم الى طائر …اكمل ابي كلامها وهو يبكي
ـــ وهو مطلبه الذي تحقق …
ضحكنا كثيرا , وقتها لكن صبية الزقاق كانو كلما مررنا من امامهم يؤشرون بأيديهم علينا :
ـــ هاهم ألأولاد الذين تحول جدهم الى طير..ويضحكون كلهم دفعة واحدة …
ألأن بعد ثلاثين عاما على رحيل جدي عرفت لم غادرنا من على الشجرة وهو عديم البصر ..لقد تخلى عن روي الحكايات بعد ان آمن إن الجنون والموت دربهما واحد وان خير وسيلة للبقاء في ذاكرة من يأتي بعدك …ان تحلق …وليدفنو جسدك بعدك كما يرغبون…طالما هناك في كل بيت شجرة سيعيش عليها الجد اواخر ايامه
انا قادم جدي …مادام هناك لعبة اسمها حياة في شرنقة مخرومة اسمها العمر
***********************************************************************************

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.