رياض عبد الواحد : قراءة وتأويل للمجموعة الشعرية بستان الليل للشاعر كاظم مزهر ؛ شعرية العتمة وفضاءات الذات

reyad abdulwahedان رصد نتاج شعري عند شاعر ما غايته الاساس فحص ومساءلة التجربة الشعرية لديه وما ترشح منها , اذ يشكل الشعر تعبيرا دقيقا عن الذات المنتجة له انى كان توجهها . المجموعة الشعرية التي بين ايدينا هي \ بستان الليل \ للشاعر كاظم مزهر , وهي الخامسة بعد مجموعة واحدة منفردة وثلاث مجموعات مشتركة . ثريا المجموعة تكونت من فونيمين على نحو جملة اسمية من مبتدأ مقدر وخبر مضاف الى اسم . يبدو النصيص كما لو انه يحمل بنيتي المكان والزمان , اذ على ما هو معتاد ان يلتصق المكان في مفردة \ البستان \ والزمن في مفردة \ الليل \ . الا انني اميل الى خلاف ذلك , اذ ارى في البستان سيلان اخر للزمن في ضوء المتحصل المعجمي لمفردة بستان والمتأتية من \ البست \ وهو الانسياب \ , وبذلك يضفي البستان زخما جديدا لليل , بمعنى يعطيه دفقا نحو الخلاص من ربقة المحددات التقطيعية للزمن بوحداته المعروفة . هذا الانسياب التحولي من بنية مكانية \ بستان \ يؤشر لسيولة الحياة في بعديها المكاني والزمني معا . اما مفردة \ الليل \ وما تثير فينا من مهيمنات قوية للأسئلة والدهشة فهي تحصيل حاصل . ومما يشي العنوان به تلك الماورائية غير المنكشفة , فالليل يحجب عنا الرؤية , ولابد لنا – كمتلقين – من فك المرموزات العيانية من اجل استنطاق النص بنحو يليق به . يظهر على غلاف المجموعة اسم الشاعر باللون الارجواني الذي يثير فينا الكثير من التحفيز والاثارة والانتباه , ويتشح الغلاف بالسواد معبرا عن ظلمة الليل , اذ ان الاسود لون اللارؤية والمعادل الموضوعي للحضور القاسي غير المكتشف لحظويا في اقل تقدير . تظهر على الغلاف ايضا صورة لشجرة جرداء تستقر في صفيحة كبيرة وليست في ( سندان ) كما هو متعارف عليه , وهنالك رجل يجلس على كرسي عصري ويرتدي بنطالا وحذاء وملابس داخلية فقط من دون قميص . اغصان الشجرة الجرداء تتجه الى الاعلى وهذا دليل على انها تبحث عن ضوء يبدد ما يحيط بها من ظلام . عملية مسك الرجل للشجرة يعطينا احساسا بالتوازن الحاصل بين الأنسان وما يحيط به اضافة الى ذلك محاولته , اي الرجل , لتجميع اغصان تلك الشجرة حتى لا تبدو وكأنها مؤسلبة زمنيا بواسطة الخريف . الصورة عبارة عن اعلان عن المخفي والمتخفي , عن الباطن الذي هو خارج الرؤية العينية اللحظوية بل هو محاولة لاستجلاء ما يغلفها من قناع الاشياء بكل انواعها , كما ان عملية مسك الرجل بالشجرة اشبه باحتواء الليل للبستان او هيمنة مفردة الزمن على المكان او ابتلاعه بنحو تام . كل هذا يؤشر بنحو واضح وجلي وجود ماورائية , حجب للرؤية , انه مضمار الرمز والترميز من اجل الركض خلف استنطاق النص من قبل المتلقي لان الشعر الجيد بحسب \ ميشيل فوكو \ هو الذي ييد للأشياء براءتها الاولى قبل ان تتسخ بدنس الوجود , وقبل ان تتورى خلف غبار اللغة اليومي والمستهلك \ .
تبدأ المجموعة بإهداء يحاول كسر رتابة الليل . اذ يبدأ بهذه العبارة \ الى بهائه وهو يسر الجالسين \ . انه بهاء الاب ذلك الارث الكبير الذي يضيء عتمة الايام ويعانقها بنقائه المضيء . في التوطئة الطويلة نسبيا يستعمل الشاعر \ السينوغراف \ , بمعنى تحويل الافكار الى ما يترشح من معاناة تثقل الذاكرة والجسد وتحويلها الى دلالات مرئية , اذ تتلاطم امواج الانثيالات من كل حدب وصوب لتتجمع في بؤرة مشعة هي الليل . الليل لم يعد مظلما , انه محطة تقف عندها النهارات لتأخذ قيلولة . يشكل \ البصر \ هنا فعلا مساهما في الكشف والغوص في اعماق الروح , تلك الهائمة التي تحاول الا تنهد ولا تنشطر امام الاخر

الليل
مرآة كما شئت تدار
اياك ان تبدي انشطارك
فالرؤى عصف
وهل يلتم في العصف انشطارkadum mizhir 2

دلالات مرئية , وحواس تستجلي افقا لا يتبدد ولا ينشطر , ليل متحرر من اسار التحديد لأنه مراة غير مستقرة لعالم متسارع لا يقف عن نقطة , انها اطروحة بيكينية , ( فليس كل من يصيبه المطر يزكم ) , ولكل مرصود مجموعة من الاستثناءات . \ الليل \ هنا يخوض صراعا مضادا مع الزمن المنتج له والذي يطوقه فيصبح مرأة يمكن ان نرى فيها كل شيء . لم يعد الليل – هنا – مغموسا بظلمته المعتادة لأنه

راقصة في ملهى ليلي
كثيرة الفساتين
في كل مساء
تأتيك بلون لا تعرفه

لم يلتفت الشاعر – هنا – وهو في خضم هذا الصراع الى القيمة الخبرية بل تنبه الى العامل النفسي الذي يغلف المنولوجست الذاتي بواسطة اضفاء وظيفة برهانية لما يعتلي تلك الذات من ارهاصات متأتية بفعل مؤثر خارجي

حاول ان تقدم لهذه الوسادة
دليلا يعرفها ..
انك ذاتك من نمت عليها
قبل ساعة من فجر اليوم
ومن فارقها تماما
عند طلوعه
والا ستبيت هذه الليلة
خارج اسوار النوم

هنا التركيز على مجموعة الانفعالات اللحظوية , الافعالات الشعورية واللاشعورية التي تتمركز في بؤرة الذات , انه تفعيل لمبدأ التمركز localization بعيدا عن عواصف الدماغ . انها ساعة الكشف والانكشاف معا ومطالبة الذات لذبح قرابينها لوسادة الوجع . ان هذه المطالبة الذكية ما هي الا عملية استفزاز لتحريك وتشغيل المخيلة في ساعة سباتها . لقد اجاد الشاعر في هذا المقطع اجادة رائعة في تفعيل المؤثر الدرامي بواسطة تغير الازمنة واللغب بالزمن فن فعل امر \ حاول \ الى فعل مضارع مقرون بالسين وهو بهذا يحاول ضبط المتسيب من الذاكرة بل وتفعيله لتبيين الاثر الفاعل لما يعتلي النفس وهي تمور بالكثير مما يقلقها في هجعة ليل بهيم . في القصيدة التي تحمل المجموعة عنوانها \ بستان الليل \ نلاحظ ان النص يبني مجموعة من الدفاعات التي تحاول النأي بالآخر او بالذات الحاكية عما يواجهها من دلالات الوحشة التي يفرزها الليل . ان الشاعر , او ذاته تقيم دلالات مترشحة من تجربة سابقة , من مترشحات وعيها المتحصل مما استفادت منه . انها تنهل من وعي اللحظة خلاصها , وتذود عن وجودها بما تنضح بها التجربة المتعالية على السالب مما يحيط بتلك الذات

تكفيك من الليل
وشائج قديمة
لست عتالا
ولا كادحا
لتغادر سوادا ملائكيا
على جناح نجمة مبكرة
فما النهار من رغائبك
والمارة ….
لا عهد لك برجاجة اقدامهم
يكفيك من الليل هدوء جامح

ان عملية البحث عن فضاء اخر هو صرخة لعبور الضجيج الى شاطئ الهدوء العابر لمصدات الليل , انه الطيران فوق افق الليل ليس من اجل هروب مقرر بقدر ما هو تزيين لأفق جديد , افق يصوغ عالما جديدا خارج سواد الايام المعتم . ويتأزر الشاعر مع ذاته ضمن متوالية متناغمة مع ما يعتريها , اذ ان الوله الصوفي لاستكشاف المغيوب المختبئ في ظلمة الليل يبدد مجاهل الليل

فأقترف لوجهك الصوفي
في حضرة الضوء
واقطف شعاع المعنى النائم
في بوصلة الاشياء

هنا , الادراك المتحصل هو المحمول الصوفي الملصق بالوجه كونه المراة العاكسة لصفحات المشاعر الجوانية , فالعارف يخرج من ظلمة الغيب الى نور الوجود , والضوء – هنا – هو الادراك الاشمل الذي تتحق به معرفة كل الاشياء لذلك كان بوصلة لكل ما يحيط به . ومما يلاحظ في هذا النص ايضا بناء دفاعات ذاتية تحاول النأي به عن المباشرة ازاء ما هو متحصل . ان الشاعر يستعمل دلالات وحشة \ الليل \ بكل اسقاطاتها ليقيم دلالات لحظوية مترشحة من عندياته . من مترشحات وعيه الذي ينهل من ذلك المخيال المكتنز بما يبدد قوة الليل الفاعلة كمؤثر خارجي , انه يدير دفة الليل صوب معابر الهدوء العابر لمصدات ذلك الليل البهيم

القناديل التي تضيء
هي خطاك المتمردة
في الاشتعال . من صفاء الكوم
خذ مسحة
لترشيح ارتباك المسافة المباغتة

هنا تتآزر ذات الشاعر مع ذلك الضوء النابع من نهاية الافق الروحي لأعادة انتاج رؤية تفاؤلية بواسطة مجموعة من المتضادات المتقابلة المنتجة لبنية اوسع من بنية الليل وما يترشح عنه عبر عملية زرع مختبري للصفاء \ خذ مسحة \ , انها العينة المرتابة من خطى واثقة للصفاء من اجل تبديد ارتباك المسافات التي قد تباغت المسيرة الوضاءة . لقد استطاعت هذه المجموعة ان ترينا رؤى الشاعر بواسطة رؤيته التي ما انفكت تقاوم ظلمة الليل من اجل غد مشرق غير ( منسدل الستائر ) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

تعليق واحد

  1. الأستاذ الناقد الكبير رياض عبد الواحد..شكرا استاذنا ..شكرا لهذا الجهد الذي أدهشني بقراءته المائزة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.