حسن عجمي : فلسفة العلوم و تحليل العقل

hasan agmiالسؤال الأساسي في فلسفة العلوم هو التالي: هل التظريات العلمية صادقة؟ نشهد في هذه المقالة صراع بنروز و هوكنغ حول هذه القضية الفلسفية و العلمية و اختلافهما في فهم طبيعة العلم و دوره و ما يترتب عن ذلك من تحليل فلسفي لطبيعة العقل.

روجر بنروز و ستيفن هوكنغ

روجر بنروز فيزيائي وعالِم رياضيات و فيلسوف. أنتج فرضية الرقابة الكونية التي تقول إن الكون يحمينا من اللامتوقعات القائمة في قلب الثقوب السوداء من خلال إخفائها عنا خلف أفق الحدث Event horizon ) ). و أفق الحدث هو نقطة اللاعودة المتعلقة بالثقوب السوداء , و يتكوّن هذا الأفق من زمكان ( جمع الزمان و المكان ) لا يتأثر بما يوجد في خارجه. لقد اهتم بنروز بدراسة النظرية النسبية لأينشتاين ما ساهم بقوة في تعميق فهمنا حول الثقوب السوداء. وأصدر عدداً من الكتب المثيرة حول علاقة الفيزياء بالوعي الإنساني. فكرته الأساسية هي أن قوانين الفيزياء المعروفة لا تنجح في تفسير ظاهرة الوعي فأصر على وجوب صياغة علوم فيزيائية جديدة قادرة على ذلك . بالنسبة إلى بنروز , الكمبيوتر المتطور ليس عقلاً لأنه نظام حتمي يعمل على ضوء الحسابات المُحدَّدة على نقيض من العقل. و يؤكد على أن العقل الإنساني ليس حسابياً بشكل كامل ، وبذلك يستحيل تقليده من قبل كمبيوتر متطور و معقد. على هذا الأساس , يستنتج بنروز أن العقل ليس كمبيوتراً. و من منطلق شكه بصدق ميكانيكا الكم , لكونها تصوّر الكون على أنه غير حتمي , يطالب بنروز بصياغة نظرية علمية جديدة توحّد بين النظرية النسبية لأينشتاين و نظرية ميكانيكا الكم و تتجنب مشكلة لا حتمية الكون.

من جهة أخرى , الفيزيائي و عالِم الرياضيات و الفيلسوف ستيفن هوكنغ إشتهر بإضافاته العلمية القيمة في ميادين الكوزمولوجيا والجاذبية الكمية و خاصة ً في دراسة الثقوب السوداء. فحين تنهار النجوم و تموت تتحوّل إلى ثقوب سوداء تبتلع كل شيء من حولها و تفنيه. الثقب الأسود زمكان يحتوي على جاذبية قصوى ما أدى إلى افتراض العلماء بأنه يستحيل أن يتحرر منه أي شيء. كما يتفق العلماء على أن الثقوب السوداء موجودة في معظم المجرات. و لقد عمل هوكنغ مع روجر بنروز على دراسة الثقب الأسود وإيضاح خصائصه من منطلق نظرية النسبية لأينشتاين. كما طرح هوكنغ نظرية علمية تقول إن الثقوب السوداء تبث الإشعاعات على نقيض مما كان يُعتقد سابقاً, وهذه الإشعاعات إسمها إشعاعات هوكنغ. بالإضافة إلى ذلك , قدّم هوكنغ نظرية فيزيائية مثيرة مفادها أن الكون لا يملك حدوداً في المكان و الزمان بل هو كسطح الأرض. فسطح الأرض لا حدود له أي لا يبدأ من نقطة و لا ينتهي في أخرى. هكذا الكون لا بداية له و لا نهاية. الكون كالكرة بلا نقطة بداية و لا نقطة نهاية.

(Stephen Hawking : The Universe in a Nutshell.2001. Bantam Books. & Stephen Hawking: A Brief History of Time. 2005. Bantam Books. ).

طبيعة العلم و نظرياته

يتضح موقف روجر بنروز حول طبيعة العلم على ضوء الجدل الذي دار بينه وبين ستيفن هوكنغ. فثمة خلاف جوهري بينهما. بينما يعتقد بنروز بصدق المذهب الواقعي , يقبل هوكنغ الموقف اللاواقعي (ليس بالمعنى السلبي). بالنسبة إلى المذهب الواقعي , العالم موجود بشكل مستقل عنا ، و لا بد للنظريات العلمية أن تكون مطابقة للواقع. أما المذهب اللاواقعي فيقول إن النظريات العلمية ليست صادقة و لا كاذبة ، بل هي فقط مقبولة لكونها أدوات ناجحة في التنبؤ بالظواهر الطبيعية. يعبِّر بنروز عن قلقه المعرفي المتعلق بصدق أو مقبولية نظرية ميكانيكا الكم. فهو يطالب النظرية العلمية بأن تكون صادقة بمعنى أن تطابق الواقع اعتماداً على صدق المذهب الواقعي في فلسفة العلوم. لكن بالنسبة إلى نظرية ميكانيكا الكم ، الواقع غير مُحدَّد. مثال ذلك أنّ من منظور ميكانيكا الكم , قطة شرودنغر حية و ميتة في الوقت ذاته و الجُسيم كالإلكترون غير مُحدَّد ما إذا كان جُسيماً أم موجة بسبب أنّ الكون محكوم بالاحتمالات و ليس حتمياً. و بذلك يستحيل على نظرية ميكانيكا الكم أن تطابق الواقع وإلا أمسى الواقع متناقضاً. على هذا الأساس , يرفض بنروز ميكانيكا الكم و يعتبر أن النظرية العلمية الصادقة لا بد من اكتشافها من قِبل العلماء في المستقبل. أما هوكنغ فلا تقلقه نظرية ميكانيكا الكم لأن النظريات العلمية بالنسبة إليه أدوات للتنبؤ بالظواهر و تفسيرها , و ميكانيكا الكم تنجح في ذلك. هكذا يصوّر بنروز العلم الحقيقي على أنه الصادق المطابق لواقع مستقل عنا وعن إدراكاتنا بينما يكتفي هوكنغ بقبول العلم كأداة للتفسير والتنبؤ من دون أن يطالب العلم بمطابقة الواقع المستقل عنا. لذا لا يرضى بنروز عن ميكانيكا الكم بينما يرضى هوكنغ عنها.

(Stephen Hawking and Roger Penrose: The Nature of Space and Time. 1996 . Princeton University Press. )

من حجج بنروز على صدق موقفه الواقعي وعدم رضاه عن ميكانيكا الكم الحجة التالية : يقول إنه لا بد من تفسير لماذا ندرك الواقع كما ندركه كأن نفسِّر لماذا ندرك القطة على أنها إما حية و إما ميتة. لكن ميكانيكا الكم تصر على أن قطة شرودنغر حية و ميتة في الوقت نفسه فلا تفسِّر الواقع كما ندركه. من هنا يستنتج بنروز أن ميكانيكا الكم نظرية علمية ضعيفة جداً. و يُشبِّه بنروز خلافه مع هوكنغ بالخلاف الذي اشتهر بين أينشتاين و بوهر. فموقف بنروز يتفق مع أينشتاين الذي رفض ميكانيكا الكم بسبب قولها إن الكون غير حتمي بينما موقف هوكنغ يتفق مع موقف بوهر القائل إن العلم مجرد أداة مفيدة في تفسير الظواهر الطبيعية و التنبؤ بها ما أدى بكل من هوكنغ و بوهر إلى قبول ميكانيكا الكم. لكن بنروز يؤكد كما يؤكد أينشتاين على أنه يوجد عالم حقيقي مستقل عن عقولنا و واقع حتمي لا بد أن تعبِّر عنه نظرياتنا العلمية بينما ميكانيكا الكم تفشل في ذلك (المرجع السابق).

جدل العقل و الكمبيوتر

بنروز واقعي يؤمن بوجود عالم فريد من الأفكار يصف الواقع الفيزيائي. لكن هوكنغ يعتقد أن النظريات الفيزيائية مجرد نماذج رياضية وبناءات عقلية نحن مَن نبنيها ، و بذلك سؤالنا عما إذا كانت النظريات مطابقة للواقع هو سؤال بلا معنى، ويحق لنا فقط أن نسأل ما إذا كانت النظريات تفسّر الظواهر الطبيعية وتتنبأ بها. ينتقل هذا الخلاف بين بنروز و هوكنغ إلى ميدان العقل و علاقته بالكمبيوتر. فبما أن النظرية العلمية بالنسبة إلى بنروز لا بد أن تطابق الواقع بدلاً من أن تكون مجرد نموذج ناجح في تفسيره ، إذاً نجاح الكمبيوتر في التشبه بالعديد من صفات العقل لا يدل بحق على أن العقل هو فعلاً كمبيوتر. بكلامٍ آخر , رغم أننا نملك فرضية علمية تصر على أن العقل كمبيوتر متطور لكونهما يتشكّلان من حساب المعلومات و تدفقها فهذا وحده لا يدل على أن العقل فعلاً كمبيوتر لأن النظريات العلمية لا بد أن تكون صادقة و أن تطابق الواقع بمعزل عن نجاح الوصف و التفسير. من هنا ، من الطبيعي أن يرفض بنروز نظرية أن العقل مجرد كمبيوتر متطور. لكن , بالنسبة إلى هوكنغ , بما أن النظرية العلمية مجرد نموذج رياضي ناجح في تفسير الظواهر والتنبؤ بها وليس من المطلوب من النظرية العلمية أن تطابق الواقع ، إذاً من الطبيعي أن يقبل هوكنغ نظرية أن العقل كمبيوتر متطور على ضوء إمكانية نجاح الكمبيوتر المتطور في التشبه بوظائف العقل جميعها. هكذا خلافهما الأساس حول طبيعة العلم و نظرياته ينتقل إلى خلاف حول ما إذا كان العقل كمبيوتراً متطوراً أم لا. يقدّم روجر بنروز برهاناً أساسياً على صدق موقفه القائل بأن العقل ليس كمبيوتراً. يقول : بالنسبة إلى نظرية غودل في الرياضيات توجد في كل نظام رياضي عبارات صادقة من غير الممكن البرهنة على صدقها و بذلك لا تخضع لعمليات حسابية . من هنا يستنتج أن العقل غير حسابي. فلو أنه حسابي ما كان ليعتقد بأي نظام رياضي متشكّل من بعض العبارات التي يستحيل حسابها أي البرهنة عليها حسابياً. و بما أن العقل ليس حسابياً بينما الكمبيوتر حسابي (أي يعتمد على مبادئ معينة و مُحدَّدة لا يحيد عنها وفقط على ضوئها يتصرف) , إذاً يستنتج بنروز أن العقل ليس كمبيوتراً متطوراً.

(Roger Penrose: The Large , The Small and The Human Mind. 1997. Cambridge University Press. & Roger Penrose: The Emperor’s New Mind. 1989. Oxford University Press. )

من جهة أخرى , يرفض ستيفن هوكنغ حجة بنروز قائلاً إن نظرية غودل في الرياضيات غير مرتبطة بقضية ما إذا كان العقل كمبيوتراً أم لا. وبرهان هوكنغ على ذلك هو أن العقل نشأ نتيجة الانتقاء الطبيعي الدارويني فوظيفته الأساسية أن يجعلنا نتجنب الضرر و نقبل على المفيد فنستمر في البقاء أحياء و نتوالد و ليست وظيفته الأساسية القيام بالحسابات الرياضية. و بذلك عدم مقدرة العقل على أن يكون حسابياً بامتياز لا يدل على أنه ليس نوعاً من أنواع الكمبيوترات المتطورة التي لم يصنعها الإنسان بعد بل فقط يدل على أنه نشأ ليبقينا أحياء. من هنا يستنتج هوكنغ أن نظرية غودل غير متعلقة بمسألة ماهية العقل و ما إذا كان كمبيوتراً أم لا. و لذا يؤكد هوكنغ على فشل البرهان الأساسي لبنروز و يضيف أنه لا توجد حجة لرفض فكرة أن العقل من الممكن أن يكون مجرد كمبيوتر متطور. لكن بنروز يرد على نقد هوكنغ على النحو التالي: بالفعل الانتقاء الطبيعي الدارويني يشير بقوة إلى أن العقل لم يتم اختياره من أجل القيام بالحسابات الرياضية بل تم انتقاء العقل من أجل وظيفة الفهم. والفهم غير حسابي ، و لذا يمكننا من فهم أشياء غير حسابية كأن نفهم النظام الرياضي من دون أن نتمكن من حساب صدق كل عباراته. هكذا الفهم ليس حسابياً على نقيض من الكمبيوتر (المرجعان السابقان).

ما زال الجدل بين بنروز و هوكنغ حيا ً و ينقسم العلماء بين موقفيهما. فبما أن العلم عملية تصحيح مستمرة , إذاً لا يقينيات في العلم. لذا من المتوقع أن يستمر الخلاف العلمي فيستمر إنتاج المعرفة. لكن لماذا يختلف العلماء و يتجادلون حول معظم القضايا العلمية؟ تجيب فلسفة السوبر حداثة قائلة إنه من غير المُحدَّد ما هو العلم و ما طبيعته كما من غير المُحدَّد أية نظرية علمية هي النظرية الصادقة. لذا من الطبيعي أن يكون العلم عملية تصحيح مستمرة و أن يختلف العلماء حول معظم القضايا العلمية. هكذا تنجح السوبر حداثة في تفسير طبيعة ما يحدث في العلم من جدل و خلاف و اختلاف فتكتسب بذلك مقبوليتها. علم بلا جدل و اختلاف علم بلا مضمون.

شاهد أيضاً

د زهير الخويلدي: الانسان العامي بين الاعتقاد الديني والتفكير الفلسفي

” الاعتقاد هو العملية الذهنية المجربة من شخص يصدق أطروحة أو فرضية ، حتى يعتبرها …

د زهير الخويلدي: هل الانسانية سائرة الى الغرق في العدمية؟

” العدمية هي عجز المعنى عن اعادة تشكيل عالم انساني” لم تكد تخفت الأصوات المتحدثة …

د زهير الخويلدي: دولة القانون والمجتمع المدني بين هيجل وماركس

” يحدث التمييز بين المجتمع المدني ، كما يفهمه هيجل ، بمعنى الهيمنة السياسية والثقافية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *