ناظم السعود : لا صحافة ادبية في العراق (ملف/7)
جاسم عاصي : أهو ناقد أم روائي ؟! ج 2

nadum alsod 6إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة :
كنت قد وعدت ، في العدد الماضي ، القارئ الكريم ، بان أكمل ما بدأت حديثي عن الناقد والأديب جاسم عاصي وها انذا افعل ،وكان السؤال الأهم الذي واجهني هو أي رواية سأختار وابحث؟ الأديب جاسم عاصي له من الروايات المطبوعة والمخطوطة ما يوصلها إلى ثمان لأكثر من ثلاثين عاما ،ابتداء من عام 1983 ، بمعنى ان له منجزا روائيا لا ينبغي إهماله ، ولهذا لا بد من اختيار أحداها للنظر والوصول الى السمات الفنية والفكرية التي تميزها عن سواها .. ولكن يبقى ذاك السؤال قائما ومشروعا !.
قبل سنتين من الآن ذهبت ، طبعا أيام كانت الصحة تسمح ، الى الأديب جاسم عاصي لزيارته في المكتبة الكربلائية التي كان يديرها وقتها ( ترى أين هو منها الآن ؟ ) وهناك سلمني احدث إصداراته التي وصلته ، وتفاجات حين وجدت الإصدار عبارة عن كتاب أصدرته العاصمة السورية ” دمشق ” جمعت فيه روايات جاسم عاصي المطبوعة في عنوان جامع واحد هو ( في انتظار الضفاف البعيدة )، أي أنها حفظت تراثه الروائي وهنا تساءلت بألم ممض: ولم لم تبادر بذلك بغداد ؟! وفي العام اللاحق عادني الروائي جاسم وكان بمعيته القاص والروائي والصديق علي لفتة سعيد وأثناء اللقاء طلبت من أديبنا ان يرسل الي الكتاب المذكور كنسخة على ألنت لأنني لا استطيع ان اقرأه بيسر( وهذا من نواتج المرض ) وهكذا كان فبعد أيام من اللقاء وصني الكتاب كنسخة رقمية على بريدي الالكتروني .
وقد أعجبني ان الكاتب قد نشر في كتابه أربع روايات هن حسب الترتيب : ( مستعمرة المياه ) و ( المكعبات الحجرية ) و( ما قيل وما ) و
( انزياح الحجاب ما بعد الغياب )وكان علي ان اختار رواية واحدة من بينها لوضعها تحت المجهر الروائي ومن ثم الوصول الى حكم ما بشأنها ، ولا ادري سبب اختياري للرواية الثالثة ( ما قيل وما ) لتمثل الجهد الروائي للأديب جاسم عاصي فانا لا اعرف هذه الرواية ولم يتسن لي المقارنة بينها وبين قرينات ونظيرات لها ، لكن ربما لصغر حجمها ( اقل من 100 صفحة) ومجهوليتها عندي هما الباعث لاختيارها لأجل القراءة ، وقد انتبهت منذ البدء إلى ان الروائي سعى الى إشراك فاعل وايجابي للقارئ في المعنى المضمر الذي حاكه بقصديه واضحة وعلى القارئ ان يكمل الفجوة او ان يجعلها مفهومة ( ! ) بمعنى أوضح ان اختيار العنوان وتقديمه للقارئ هكذا ( ما قيل وما ) كان ناقصا او فيه فجوة في اللغة والمعنى وينبغي على قارئ هذا النص إكمال الفجوة والوصول الى المعنى المقصود او المغيب بوعي سردي يفيد من المناهج الحديثة ولا سيما ( القراءة والتلقي ) اذ يترك الكاتب للمتلقي مساحة أوسع ليتحرك ويكد ذهنه للوصول للمعنى المضمر ، ولا شك ان عنوانا ملغزا كهذا لن يكون مدخلا مناسبا للنص ولن يفلح في ان يصل لمرتبة ” الموجّه القرائي الخارجي ” او العتبة المناسبة لهذا النص لكن الكاتب اعتمد على المتلقي في إعادة صياغة العنوان او تكملته بمعنى أدق .jassim
وأول ما سيواجهه قارئ الرواية ( بله متابعها ) ان الكاتب يعتمد الى حد كبير على ” حكاية ” مع الكد وجمعه لجزئيات روائية ومن ثم قصها او سردها في أهاب روائي معروف او مبتكر وبدليل انه يهدي حكايته او روايته لشخصيات محيطة به سمع منها أجزاء الحكاية وأجهد نفسه في البحث عن متن روائي يظلل ويكمل ما سمعه وهذه الشخصيات ناطقة بالواقع الكربلائي المعيش : الأستاذ حسين علي الجبوري / إياد حياوي / العلوية حميدة ، انه يهديهم روايته او مدونته هذه اعترافا بفضلهم في تعليمه وهدايته للدربة وأسلوب ألحكي فلولاهم لما كانت هذه الحكاية ، ومن الصعوبة ان يتقبل المتابع إهداء واسعا كهذا واغلب الظن ان الأديب جاسم عاصي اهتبلها فرصة لتوثيق أسماء كان لها فضل عليه في تجربته الإجمالية وليس في هذه الرواية فقط!.
ولا حاجة للصبر وتشكيل الحكاية من جديد فالكاتب قد يسر لنا كل هذا بأسلوب مشوق يجعل من لملمة خيوط ألحكي والوصول الى المعنى المقصود هما اقرب الى ذهن المتلقي ، وعلينا أن ندرك ان الكاتب هو قارئ ممتاز وقد الم بفنون الكتابة وعرف أي التقنيات هي اقرب للقارئ وأدرك بالتالي كيفية الوصول الى هدفه بيسر ولكن هذا لن يكون بغير إشراك القارئ الذكي في ما يكتب او حفر قصديته بشكل محايث ، ان إدراك مغزى ” القلعة والعلوية ” لهو قريب ويسير بعد ان أوصله الكاتب بحذق ودربة وتشويق وجعل القارئ منشدا لما يقرا بعدة انشدادات منها لغوية ومعرفية وتاريخية وتقنية ، وهنا أقول ان الكاتب كان ناجحا في توصيل ما يروم وخاصة من إخبار القلعة وما تلمه من مباهج او فجائع ويتوزع ذاك بين عهدي الشباب في الماضي والنكوص او الاندثار في عهدها الجديد والأحدث .

غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغلاف للفنان المبدع مؤيد محسن

وقد اختار الروائي احد الأسماء الشائعة في المجتمع الكربلائي لتكون الممثل الرئيس والبطل لهذا النص انسجاما مع موقفه المعلن في تفضيله المهمشين والمنسيين على ما عداهم ، وهكذا وجدناه يجذب ( إياس) ليكون أسا وبطلا ( وان كان بلا بطولة تذكر ) وان يمثل جيلا مرافقا ومتابعا لغيره من مثيري الأحداث مثل ” العلوية حميدة ” التي تصنع الحدث وتتنبأ به في آن ، ولكن مشكلة ” اياس ” الكبرى انه يستمع ليس إلا ولا يحول السماع الى فعل له أثره وتغييره لما حوله وهذه إحدى طبائع المهمشين فهم لا يدركون مدى اليباس الذي في قلوبهم والذي يحجمهم عن المبادرة بفعل مناسب يقي مجتمعهم من نار ستكوي الجميع سلفا ،والواقع اننا واجهنا هذا
” البطل ” في أكثر من موقف كان فيها قائما بدور سلبي او دور عاطل لا يكاد يظهر او يؤثر في ما يشهد من أحداث ترتقي الى مرتبة المصائب ،لكن السؤال هنا أكان الروائي قد خطط سلفا لهذا الموقف السلبي من بطله الذي اختاره بنفسه لهذا العمل؟ وهل كان ” اياس ” منفذا لأوامر ووصايا الروائي ام تراه قد فلت من بين أصابعه وأوصل مجتمعه الى هذا الخراب ؟! كما ترون فان هذه التساؤلات بحاجة الى إجابات والى حلقة أخيرة .

شاهد أيضاً

هشام القيسي: أكثر من نهر
(5) حفر كي يبقى

لهبه أوسع مثل نوافذ لا تستفهم الوهم ولا تحتفي سوى بالأفق قد أوقد شعرا علم …

طلال حسن: حكايات للفتيان (حكايات عربية)
(5) سعاد

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري
(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (19)

التقاط الدر من واحة الشعر قراءة نقدية موجزة في ديوان ( في آخر الزمن نجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *