عصام القدسي : المجنون ..

osam-alkudsi1يوم ولد تطلع اليه ابوه مليا ، ثم اشاح بوجهه عنه .سألته امه بمرارة :
ـ اختر له إسماً .
قال ابوه بلا مبالاة : المجنون.
بكت أمه بحرقة ، وراحت تندب حظها . ترك لها أمر تسميته ، فاسمته (حكيما) ، من باب التفاؤل وتسمية الشيء بنقيضه.إنه طفل مسخ ، نحيف ترى عظامه من خلال جلده . رأسه على هيئة بيضة وعيناه نقطتان سوداوان ، وفمه صغير ذو شفتين مقوستين، العليا منهما تكاد تلامس ارنبة انفه ، أما أذناه فكبيرتان نافرتان، ترتسم على ملامحه امارات الخبل والجنون .ولا احد يدري وقد اصبح الآن صبيا ، كيف انتشر خبر الاشمئزاز الذي اصاب اباه ساعة أن رآه أول مرة ، والاسم الذي أطلقه عليه ، والبغض الذي يحمله له في صدره والنفور الذي يقابله به. اما امه فهي تقسم انها كانت في الايام الاولى من ولادته، وفي ساعات متأخرة من الليل ، تسمعه وهونائم الى جنبها في الفراش ، يهمس بشىء لايفهم ، ثم يشرع ببكاء كالعواء. وما ان تنتبه اليه حتى ينقطع الهمس والبكاء .وكان ذلك يثير خوفها اول الامر ، ثم تحول خوفها الى تفكر وحيرة .وظللن جاراتها يجزمن بأنه، لن يعيش طويلا ، فتتمنى له ذلك وهي مكلومة الفؤاد…
ولا احد يعرف من سكان القرية حقيقة مشاعره تجاهه وهو يلعب ويعبث امام اعينهم في الزقاق.اما نحن الصبية اقرانه فنحمل له في دواخلنا مزيجا من الحب والاعجاب ، والحذر الذي قد يصل لدرجة الخوف ، في بعض الاحيان.وبرغم ذلك فنحن نلتف حوله طيلة ساعات النهار. واذا غاب ترقبنا ظهوره على احر من الجمر ، فان حضر استبشرنا، وان جلس جلسنا حوله، وان جرى جرينا خلفه .وقد يحتال علينا ـ وهو ما يفعله احيانا ـ فنخاصمه لبقية اليوم حتى اذا ما كان صباح اليوم التالي عدنا ننشد اليه من جديد متناسين مافعله بنا بالامس. وكثيرا ما رأيناه مطاردا من صبية الازقة البعيدة ، لأسباب يسردها لنا كواحدة من بطولاته ، بعدما يفشل الصبية في الامساك به ، كما هو معتاد ، ويعود الحال كما كانت عليه. فاللامع القوي الخارق السرعة ذلك الذي يستطيع اللحاق به ، وهو ما لم يحصل في يوم من الايام. فهو خفيف البدن ، يختفي في ثوان مخلفا وراءه انفاسا تتردد كالعواء ، ويظهر في مكان آخر لايتوقعه أحد، وفي وقت غير معلوم .وكم كان يبتكر العابا لم نعرفها من قبل .وقد يقودنا الى خديعة يكون غرضه منها اللعب والضحك .فذات مرة اوهمنا انه يطارد طيرا من الذهب الخالص ، بين اغصان الاشجار المكتظة في الحديقة امام بيت الحاج غريب .ثم رأيناه يفر حينما اكتشف الرجل امرنا وراح يطاردنا وهو يشتم ويتوعد. وعرفنا فيما بعد انها خدعة من خدع المجنون. اما اذا أراد المجنون الانتقام من احد فانه يقوده بمحاذاة التهلكة ، ليعود به مرعوبا معترفا بجبنه امامنا جميعا.
ذات يوم كنا مجتمعين حوله ، فقال متظاهرا باللوعة:
ـ سقط ابي في الحمام ، وانكسرت رجله و..
وتوقف فجأة عن الكلام.وتطلع في وجوهنا لحظات ثم قال بسرعة: ـ وهو الآن في المستشفى.
دهشنا للخبر ، فسألناه بصوت واحد:
ـ وكيف حصل ذلك..؟
فانقلب واقفا على كفيه ، ثم قفز بقوة فطار في الهواء ، بعدها استقر على الارض وراح يضحك بجنون وهو يشير بابهامه الى نفسه وحينما أعدنا السؤال عليه قال بلهجة جادة: ـ سترسلني ،امي اليه .
ـ ومتى ستذهب …؟
ـ بعد الظهر.
وسأل واحد منا ـ ولم بعد الظهر؟
ـ لأنه موعد زيارة المرضى ياجاهل.
قلت : ـ سنذهب معك
وردد الأولاد ماقلته : ـ اجل نذهب معك .
صمت وراح يهرش اسفل رقبته متظاهرا بالتفكير:
ـ اذا اخذتنا معك ، لن تشعر بطول الطريق.
ـ موافق .
بعد الظهر اجتمعنا حوله. كان عددنا اربعة ، وهو نصف العدد الذي رغب بالمجىء ، فقد انسحب النصف الاخر بسبب ممانعة اهلهم . تطلع المجنون الينا وسأل ـ اين الباقون.؟
قال أحد الصبية : ـ لقد تأخروا
ـ أو انهم لن يأتوا
ـ ننتظرهم.
تمتم بصوت مسموع:
ـ كلا.. هذا العدد يكفي.
واصلح من شأن ياقة جلبابه بيده ، دليل بدء الرحلة ، ولم ينس كل واحد منا ، ان يجلب معه شيئا من الطعام ، وجلب واحد او اثنان الماء إضافة الى الطعام ، اما هو فكان يحمل عصا بيده ، ويخفي تحت ملابسه اشياء لم نتبين ماهيتها الا اثناء الطريق وانطلقنا.
اربعة صبية وخامسنا المجنون ، وشمس الصيف تقف فوق رؤوسنا في الافق ، والجو خانق الحرارة.الا ان حماستنا كانت اكبر من ان تثنى.
يقع المستشفى الذي يرقد فيه ابوه خلف تلة بعيدة نسبيا . بين القرية والمستشفى يربض بستان (آل جابر) ويمتد بمحاذاته من جهة القرية ترعة، تسقي البستان وهي ايضا مصدر القرية الوحيد للماء .تليه ارض فضاء لينة مكتظة بالحشائش والنباتات البرية، لم تلبث ان تقسو حتى تصبح قفراء موحشة تحتلها مرتفعات تنتشر عليها الغربان، وكهوف تختبئ فيها بعض الحيوانات الضالة، في النهار. لتنطلق حينما يجن الظلام. والحوادث المؤلمة التي حصلت لرجال من القرية اثناء اجتيازهم هذه القفراء كثيرة ولكن الحكايات التي نسجتها الخيالات الخائفة حولها اكثر . تلي الارض الجرداء التي تتخللها المرتفعات والكهوف، تلة عالية ذات قمة شديدة التعرج والانحدار مما يتعذر على العربات السير فوقها . خلف التلة مباشرة يمتد طريق اسفلتي قديم متهرىء مهمل .على جانبيه تقع بيوت مهجورة ومعسكرات رثة احتوت حطام مركبات واسلحة تعود للحرب العالمية الثانية كما يذكر ابي ثم طريق آخر الى يساره يستغرق قطعه دقائق قليلة هو من ضمن الطريق العام للمدينة يؤدي الى المستشفى.
اجتاز المجنون القنطرة الضيقة فوق الترعة بخفة وهويضع عصاه على كتفه ونحن نسير وراءه بحذر. ودخلنابستان (آل جابر) نقطع طريقا في وسطه فشرع يجري بفرح مهووس ،ويلوح بعصاه ،ليعود يضرب بها اغصان بعض الاشجار المثمرة ، فيغرينا بالتقاط ما يسقط منها على الارض. واسرعنا في سيرنا ونحن نسمع صوتا يتوعدنا. ومررنا بالارض التي هي امتداد للبستان صامتين. وما ان وصلنا الارض الجرداء حتى هبت ريح ترابية جعلتنا نتكور على انفسنا ونغطي وجوهنا بأيدينا الغضة. ثم هدأت الريح فلم نجد المجنون. بحثنا عنه ، فوجدناه على مبعدة امتار منا ، يحمل جروا تحت ابطه .تجمعنا حوله فراح يحدثنا عن الجرو واشار الينا اين وجده وظل يتأبطه الى ان وصلنا قريبا من التلة عندها اطلق سراحه . وهو يردد:
ـ ستجده امه وتأخذه..
عبرنا التلة ونحن نتقافز فوقها بمرح طفولي ونضحك ونمزح مع بعضنا . ولما شرعنا بالسير فوق الطريق الاسفلتي القديم طلب احد الاولاد ، ان نستريح ولم يترك لنا الاختيار، فقد جلس تحت احدى الاشجار ففعلنا مثله . اما المجنون فقد راح يستكشف المنطقة ويعود يحدثنا عن المباني العتيقة التي حولنا ، ويغني و يلوح بعصاه في الهواء. واخرج احد الاولاد ما عنده من طعام واخذ ياكل. وحينما رايناه اخرج كل واحد منا طعامه واخذنا نفعل مثله .اما المجنون . فقد جلس على مسافة منا فوق الحشائش الشاحبة ومد رجليه ووضع عصاه في حجـــره ، وأخرج من تحت ثيابه سكينا صغيرة ، ومضى ينبش بها التراب أمامه ، وناولناه بعضا مما في يدنا من طعام فأعاد السكين الى مخبأها ، وشرع ياكل وهو يحدثنا عن ابيه الذي لايحبه وامه التي تحنو عليه ، وعن اخوته الذين لايقربونه الا ماندر، وعن الدجاجة التي سرقها ذات يوم وطلب من امه ان تعدها لهم للغداء وكيف اقسم لها انه اشتراها مما يوفره من مصروفه ، وحينما فعلت والتفوا حول ابيهم يأكلون . تملكته فجأة ، رغبة قوية بكشف سر الدجاجة وحاول ان يصرف هذه الرغبة عن نفسه فلم يستطع، فراح يقص على اهله وهم مازالوا امام الطعام ، كيف سرقها من احد الازقة وكيف طاردها حتى تمكن من الامساك بها .استشاظ ابوه حينها ، عليه غضبا وحاول ان يتقيأ مافي جوفه دون جدوى وراح يجري خلفه ، للنيل منه. فقضى تلك الليلة ، في المقبرة التي تقع خلف القرية.اما امه فقد خافت على ابنائها من( الحرام) وقررت ان تذبح واحدة وتطعمها لاحد الفقراء.منذ ذلك الوقت ازداد اخوته نفورا منه ، وتجنبه ابوه واشفقت امه عليه.وصمت لحظة ثم قال وهو يضرب على عصاه التي تستقر في حجره براحة يده:
ـ سأبوح لكم بسر .
تطلعنا اليه بفضول ، فراح يكشف عن ذراعه وهو يردد انظروا جيدا ..( مريم) ، كلمة نقشها على ذراعه ، بالوخز بالإبرة والهباب.وواصل كلامه :
ـ ليلا ، وعندما ينام الجميع اتسلق جدار بيتهم واتلصص عليها وهي في غرفتها. ذات مرة رأيتها وهي..
وسكت .أثارت حكايته خيالاتنا المتوثبة حول النساء ، فالححنا عليه ان يكمل لكنه رفض .ثم هب واقفا فجأة ،وراح يجري ويصرخ :
ـ هيا اتبعوني .. فتبعناه.
حينما وصلنا المستشفى كان التعب والحر الشديد قد نال منا . والزحام امام بوابته الكبيرة بدد حلمنا بالدخول اليه وانتظاره في فنائه ، وتمضية بعض الوقت بالاغتسال في احواض حدائقه ، وشرب الماء. قال له بعضنا:
ـ اذهب انت ، وسننتظر نحن هنا .
تطلع الى الافق بنظرة يملؤها التحدي ، وسحب نفسا عميقا من فمه ثم زفر بقوة فسمعنا صوتا ينطلق كالعواء.
قال باصرار: ـ سندخل بطريقتي.
وسار فسرنا وراءه.دار بنا حول المستشفى وتوقف بنا في العراء ، امام فجوة في جدار سياجه .اشاربيده ومر عبرها. انحنينا ونحن نتبعه . في داخل المستشفى وفي زاوية مغمورة من حديقته المترامية الاطراف ، وقفنا امام صنبور ماء متدفق ،اغتسلنا وشربنا حتى زال عنا التعب والظمأ .وقال كلمات لم نفهم مغزاها ثم اخذ يجري ونحن خلفه. واخذ يدور بنا حول غرف قسم النساء، يتلصص ونحن معه ، ويعلق على ما يشاهده ، ونشاطره فنضحك . وفي فناء المستشفى، تركنا وانصرف الى ابيه. غاب بعض الوقت ، ثم عاد ولأول مرة نراه مهزوما دامع العين . ورأى في وجوهنا إمارات التأثر، فما كان منه إلا أن مسح دمعه بطارف جلبابه وانطلق. خرجنا من المستشفى عبر الفجوة. وبعد دقائق وجدنا انفسنا على طريق العودة .فوق الطريق الاسفلتي القديم المتهرىء ، كنا نسير مطرقين .وحينما اصبحنا قريبين من احد المعسكرات ، انتبه فجأة وجعل يصغي بحذر. سألناه فأشارالينا بالسكوت ، وابتعد عنا يبحث عن شىء ما بمحاذاة سياج المعسكر الممتد الى مالانهاية .ثم رأيناه يتسلق السياج .ووقف فوقه وراح يقفز ويهزج ونحن نراقبه بقلق ونتكلف الضحك ، وهتف بشيطنة وهو يلوح بيده :
ـ الوداع .. الوداع..لن تروني ثانية..
ورأيناه يلقي بنفسه على قفاه الى داخل المعسكر المهجور . في البدء ظنناها مزحة من مزحه السمجة ، وخلناه سيظهر بعد قليل ليهزأ من مخاوفنا.
كانت الشمس قد بدأت تنحدر الى المغيب.ومر الوقت سريعا .والمجنون لم يظهر .واختلف الصبية فهناك من يود ان ينتظر، وهناك من يستعجلنا بالعودة قبل هبوط الظلام. ثم اجزم احد الصبية ، انه الآن يسبقنا الى البيت ، وجعل يقنعنا بذلك بسبل شتى. عندها فقط هدأت نفوسنا واصواتنا ، وبدأنا بالمسير.حينما بدأت الظلمة كنا نشارف على الوصول.وقبل ان ندخل القرية سأل احد الصبية :
ـ واذا لم يكن قد رجع ، كيف سنتصرف.؟
فرد عليه آخر :
ـ لنذهب اولا الى بيوتنا ، وقريبا سيتضح كل شىء .
في الزقاق لم يكن هنالك ما يثير الريبة .وتكهنا اننا سنراه يظهر فجأة تسبقه انفاسه الينا. وحذرنا احد الصبية من السؤال عنه. وبعد انتظار قليل ، ذهبنا الى بيوتنا.
في صباح اليوم الثاني انكشف الامر ، وتبين ان المجنون ، قد مضى الى غير رجعة.وحزنا طويلا لفقده. ثم عدنا ، بعد أيام ، الى شؤوننا ولعبنا ومرحنا، ولكن دون وجوده معنا..
بعد عام على الحادث سمعت ضجة في الزقاق.وشوهدت النسوة يخطرن بمرح ، ويدخلن مهللات ، بيت المجنون . عرفنا بعدها ان مولودا صبيا قد حل فيه .ساعة ولد تأمله ابوه واشاح عنه بوجهه. ورفض ان يسميه بل ترك الامر لأمه. وتقسم امه انها تسمعه ، وفي ساعات متأخرة من الليل ، وهو نائم الى جنبها في الفراش يهمس بشىء لايفهم .وتتردد انفاسه كالعواء…

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : كرة .

ضرب أحدهم كرة، تدحرجت بعيدا، حاول الكثيرون الإمساك بها دون جدوى، اختفت عن الأنظار وتوغلت …

| محمد الدرقاوي : وجوه .

لم يرغب خلدون يوما ان يصير معلما ،فشهادته العلمية وزاده المعرفي كان أكبر من أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.