طلال حسن : اورانج اوتان (رواية للفتيان)

 

talal hasan” 1 “

هبطت الطائرة في المطار ، ونزل المسافرون ، بينهم جين، بقصة شعرها الغلامية ، وسروالها الجنز ، حاملة حقيبتها الصغيرة ، وأسرعت إلى الخارج .
واستقلت سيارة اجرة ، مضت بها مسرعة إلى المستشفى، ودخلت على جدها ، وقد تملكها القلق ، وإذا هو في السرير ، والممرضة إلى جانبه .
ومالت جين عليه ، وقالت بصوت خافت : جدي .
وفتح الجد عينيه ، وتمتم بصوت واهن : جين .
وحاولت جين أن تبتسم ، وهي تقول : حمداً لله يا جدي ، أنت بخير .
وتلفت الجد محدقاً حوله ، فاعتدلت جين ، وقالت : وصلت برقيتك يوم أمس ، فجئت على أول طائرة .
وتساءل الجد مقطباً : أين شارلي ؟
وجلست جين على كرسي قرب السرير ، وقالت : لم يأت ِ .
وابتعد الجد بعينيه عنها ، وقال : يبدو أنه لا يريد أن يضيّع وقته مع رجل عجوز خرف مثلي .
وردت جين متلجلجة : الحقيقة لم يعرف ما تريده .ِ
وحدق الجد فيها ، وقال : أنت أيضاً لم تعرفي ، لكنك أتيتِ .
ومالت جين عليه ، وقالت : مرني يا جدي .
وتنهد الجد متنفساً بصعوبة ، وقال : للأسف أنت بنت .
وابتسمت جين ، وقالت : جان دارك كانت بنت أيضاً .
ولاحت ابتسامة شاحبة على ملامح الجد ، وهو يقول : لا أريدك يا جين أن تحترقي في جحيم الغابة .
وصمت ملياً ، وهو يتنفس بصعوبة ، ثم قال بصوت متحشرج : جين ، لقد قابلت .. إنسان الغابة مراراً.. ومعه أكثر من أربعين من الإناث والصغار .. و ..
وصمت ثانية ، ناظراً إلى جين ، وقال : كتبت عنه في دفتر مذكراتي .. وصورته بكامرتي .. لكنه .. ولسبب لا أعرفه .. هاجمني وهاجم الدليل .. لقد قتل الدليل .. ولولا الرجلان .. اللذان رافقاني لكنت قتلت أنا الآخر .
واقتربت الممرضة من جين ، وقالت : آنستي ، أرجوك.
ومدّ الجدّ يده ، بظرف إلى جين ، وقال : ابن دليلي موجود .. هذا عنوانه ..وأظنه يعرف موقع الخيمة .. وفيها الكاميرا ودفتر المذكرات .
وشهق الجد ، فأمسكت جين يده ، وأخذت الرسالة ، وهي تتمتم : جدي .
وأسرعت الممرضة إلى خارج الغرفة هاتفة : دكتور .. دكتور.
وجاء الدكتور على عجل ، وانكبّ يفحص الجد ، ثم رفع رأسه، وقال : أرجوك ، دعيه وحده ، إنه متعب .

” 2 “

غادرت جين المستشفى ، بعد أن اطمأنت على الجد ، وعرفت أنه استغرق في نوم عميق . واستقلت سيارة اجرة ، إلى بيت الجد ، الذي يقع في إحدى الضواحي ، تحيط به حديقة صغيرة جميلة .
وفتح الخادم العجوز الباب ، وانحنى فرحاً ، وقال : أهلاً ومرحباً آنسة جين ، يا لله لم أرك منذ سنين ، أرجو أن تكوني بخير .
فردت جين ، وهي تدفع له حقيبتها : أشكرك .
وأخذ الخادم العجوز الحقيبة ، وقال : أنت تعرفين أن الجد في المستشفى .
وألقت جين نفسها على أحد المقاعد ، وقالت : كنت عنده قبل قليل .
وقال الخادم العجوز متلهفاً : طمئنيني ، آنسة جين ، آمل أنه بخير الآن .
وردت جين قائلة : من يدري ، يبدو متعباً .
وبدا الخادم العجوز متأثراً ، وهو يقول : إنني قلق عليه ، ما كان يجب أن يذهب إلى ذلك المكان الخطر .
ونهضت جين ، وقالت : ذلك كان حلمه ، وقد كاد يحققه لولا ما حدث .
وصمتت لحظة ، ثم قالت : أعدّ لي شيئاً من الطعام ، ريثما أستحمّ ، وأغير ملابسي هذه .
واستحمت جين ، وغيرت ملابسها ، ثم جلست إلى المائدة ، تتناول وجبة من الطعام . وعادت إلى الصالون، واحتست كوباً من الشاي ، والخادم العجوز يثرثر كعادته حول أمور محلية كثيرة .
ونهضت جين متثائبة ، وقالت : إنني متعبة ، سأنام ، فمن يدري ما الذي ينتظرني في الغد .
ومضت نحو غرفتها ، وهي تقول : عمت مساء .
وردّ الخادم العجوز : عمت مساء آنستي .
واتصلت جين تلفونياً ، من غرفتها ، بأخيها شارلي ، لتحدثه عن جدها . وما إن سمع شارلي صوتها ، حتى صاح : جين ، اتصلت بك أكثر من مرة ، أين أنت ؟
وردت جين قائلة : إنني في الملايو .
وصاح شارلي مذهولاً : ماذا ؟ الملايو !
وأجابت جين : الجد بحاجة إلينا ، وأنت رفضت أن تأتي.
وتجاهل شارلي كلامها ، وقال : يا إلهي ، وكليتك التي سيبدأ الدوام فيها بعد أيام .
وقالت جين مؤنبة : شارلي ، جدنا مريض ، وقد لا يشفى .
وردّ شارلي قائلاً : كان عليه أن يعود إلى لندن ، فالغابات ليست المكان الملائم للإنسان المتحضر .
وبنفس النبرة المؤنبة ، قالت جين : إنه عالم يا شارلي ، والغابات عالمه .
وصمتت لحظة ، ثمّ قالت : شارلي .
لم يرتح شارلي لنبرتها ، لكنه قال : نعم .
فقالت جين : لقد وقع حادث للجد ، وكامرته ودفتر مذكراته الآن وسط الغابة .
لم يتمالك شارلي نفسه ، فقال بشيء من السخرية : لعله يريدني أن أذهب ، وأبحث عنها في مجاهل تلك الغابة ، جين ، أنت تعرفينني ، إنني لست مجنوناً .
وردت جين : أعرف يا شارلي .
ثمّ أضافت ، وهي تعيد السماعة إلى مكانها : يبدو أنني أنا .. سأكون المجنونة .
” 3 “

استيقظت جين ، قبل شروق الشمس ، ومضت متثائبة إلى المطبخ . ونظر الخادم العجوز إليها مستغرباً ، وقال : آنسة جين ، استيقظت .
فردت جين قائلة : أنت أيضاً استيقظت .
فقال الخادم العجوز : أنا لديّ مهامي .
وجلست جين إلى المائدة ، وقالت : وأنا لديّ مهمة غاية في الأهمية .
وتطلع الخادم العجوز إليها مستغرباً ، فقالت : ماذا يعمل ابنك الآن ؟
فردّ الخادم العجوز : كما تعلمين ، لديه سيارة اجرة .
فقالت جيني : هاتفه بالتلفون ، أريده أن يأتي معي اليوم .
وظل ّ الخادم العجوز في مكانه ، فنهضت جين ، وقالت : هيّا ، أريده بعد الإفطار .
وذهبت جين إلى غرفتها ، واستبدلت ملابسها ، وارتدت سروال الجنز ، وعادت فجلست إلى المائدة ، تتناول فطورها ، فتطلع الخادم العجوز إليها ، وقال : تلفنت له ، سيأتي بعد قليل .
وارتفع من الخارج منبه سيارة ، فنظر الخادم العجوز عبر النافذة، وقال : جاء ابني .
ثمّ أسرع إلى الخارج ، وهو يقول : سأستدعيه .
وعاد الخادم العجوز ، بعد قليل ، ومعه ابنه ، قصير ، بدين ، في حوالي الثلاثين من عمره ، وقال : آنسة جين، ها هو ذا ابني، كما عهدته .
وأحنى الابن رأسه قليلاً ، وقال بمودة : صباح الخير .
وحدقت جين فيه مبتسمة ، وقالت : صباح النور .
ثمّ التفتت إلى الخادم العجوز ، وقالت : لقد سمن أكثر .
وابتسم الابن فرحاً ، فقال الخادم العجوز : لا عجب يا آنستي ، فزوجته طباخة ماهرة .
وتطلعت جين إلى الابن مبتسمة ، وقالت : تزوجت !
فردّ الابن قائلاً : ولديّ طفلة .
وقال الخادم العجوز : وأسماها جين .
ونظرت جين إلى الابن مبتسمة ، فهزّ رأسه ، وقال : نعم، أسميتها جين .
فضمت جين يديها إلى صدرها ، وقالت : أشكرك ، سأزورها حين نعود من الرحلة ، وأقدم لها هدية .
ونظر الابن إلى أبيه مستفسراً ، فقال الأخير : آنسة جين، إلى أين تريدين .. ؟
ونهضت جين ، وقالت : رحلة مهمة ، قد تستغرق بضعة أيام ، لا أكثر .
ولاذ الخادم العجوز بالصمت ، فقالت جين : لا تخف ، سيوصلني ابنك إلى القرية ثمّ يعود .
وحملت حقيبتها ، ومضت إلى الخارج ، وهي تقول : أين سيارتك ؟
فأسرع الابن يتقدمها إلى الخارج ، وهو يقول : إنها بالباب ، تفضلي .
وصعدت جين إلى السيارة ، ووضعت حقيبتها الصغيرة إلى جانبها . واتخذ الابن مكانه وراء المقود ، فقالت له جين : هيّا ، انطلق .
ووقف الخادم العجوز أمام باب البيت ، يتابع السيارة ، وهي تدرج بسرعة متزايدة على إسفلت الشارع ، حتى اختفت في المنحنى ، عندها أغلق الباب ، ومضى بخطواته المتأنية عائداً إلى الداخل.

” 4 “
تباطأ الابن بالسيارة ، قبل أن يصل إلى الشارع الرئيسي ، وقال : آنسة جين .
وأخرجت جين ورقة من المظروف ، الذي أعطاه لها الجد ، ودفعتها إليه ، وقالت : هذا هو العنوان .
وحملق الابن في الورقة مذهولاً، وقال بصوت متحشرج : آنسة جين .
وقاطعته جين قائلة : أنت تعرف العنوان .
فقال الابن ، والورقة مازالت في يده : نعم ، فقد أخذت الجد إليه، لكن ..
واتكأت جين على المقعد الخلفي ، وقالت : دعك من لكن، خذني إليه .
ووضع الابن الورقة في جيبه ، وقال بصوت مستسلم : أمرك آنسة جين .
وخرجت السيارة من المدينة ، وانطلقت في طريق ريفي معبد ، تحت سماء تركض في زرقتها قطعان من الغيوم.
وبعد صمت دام طويلاً ، قالت جين : من فضلك .
فزّ الابن ، كأنه كان نائماً ، وقال : نعم آنسة جين .
ونظرت جين إليه من خلال مرآة السيارة ، وقالت : أنت تعرف الدليل ، الذي رافق جدي .
فردّ الابن قائلاً : الدليل العجوز ، أعرفه طبعاً ، لكنه مات .
واستطردت جين قائلة : وتعرف ابنه .
وقال الابن : أعرفه ، آنسة جين .
وقالت جين : حسن ، حدثني عنه .
وفكر الابن لحظة ، ثمّ قال : إنه الدليل العجوز شاباً .
ونظرت جين إليه ثانية ، وقالت : إنني لا أعرف الدليل العجوز نفسه .
وقال الابن : ستعرفينه حين تعرفين ابنه .
وتنهدت جين ، وقالت : أنت لم تتغير .
وردّ الابن : وكذلك أنت ، آنسة جين .
وبعد مسيرة ساعات ، تباطأ الابن بالسيارة ، ثمّ خرج بها عن الطريق المعبد ، وبدأ يسير في طريق ترابي ، تحفه من الجانبين أحراش كثيفة مرتفعة .وتلفتت جين متسائلة : أنت تخرج عن الطريق المعبد ، إلى أين ؟
فردّ الابن قائلاً : هذه هي البداية ، فالقرية التي نقصدها ، تقع على حافة الغابة .
وقبل الغروب ، لاحت قرية صغيرة ، تتناثر أكواخها على حافة الغابة ، فقال الابن : آنسة جين ، لقد وصلنا .
وتطلعت جين عبر النافذة ، وقالت : خذني إلى كوخ إبن الدليل العجوز الراحل .
” 5 “

توقف الابن بالسيارة ، أمام كوخ صغير ، يقع بعيداً عن الأكواخ الأخرى ، وقال : آنسة جين ، هذا هو الكوخ.
ونظرت جين إلى الكوخ ، وقالت : انزل وأطرق الباب .
ونزل الابن ، وطرق الباب . وفتحت جين باب السيارة ، ونزلت. وأطل شاب تجاوز العشرين ، وقلّب أنظاره الحادة بين الابن وجين . وتراجع الابن قليلاً ، وقال : آنسة جين ، هذا هو ابن الدليل الراحل .
ونظر الشاب إليها ، وقال : نعم ، أنا ابنه .
وتقدمت جين منه ، وقالت : أنت لا تعرفني .
وحدق الشاب فيها ، وقال : إنني لم أرك من قبل ، لكن أعتقد أنك تمتين بصلة للعالم ..
وقاطعته جين قائلة : أنا حفيدته .
وقال الشاب : هذا واضح ، فلا تجرؤ فتاة على المجيء إلى هنا إلا فتاة مثلك .
وحدقت جين فيه ، وقالت : مادمت عرفتني هكذا ، فأنت تعرف لماذا جئت .
ولاذ الشاب بالصمت لحظة ، ثمّ قال : أنت متعبة ، تفضلي وارتاحي داخل الكوخ .
وهمّت جين بالدخول ، فاقترب الابن منها ، وقال : آنسة جين .
والتفتت جين إليه ، وقالت : الوقت متأخر الآن ، لن أدعك تعود، ابقَ معي الليلة ، وعد غداً مع الفجر .
وهزّ الابن رأسه ، وقال : كما تشائين ، آنسة جين .
ودخلت جين الكوخ ، يتقدمها الشاب ، فاستقبلتها امرأة شابة ، تحمل طفلاً بين ذراعيها ، فرحبت بها بلغة لا تفهمها ، فقال الشاب : هذه زوجتي ، وهي ترحب بك ، وتقول ، أهلاً بك في كوخنا المتواضع .
وابتسمت جين لها ، وقالت : أشكرك ، كوخكم جميل ، وأنت أجمل .
وترجم الشاب لزوجته ، ما قالته جين ، فابتسمت فرحة ، ثمّ انصرفت لإعداد وجبة من الطعام .
وجلست جين ، ودعت الابن للجلوس إلى جانبها ، فجلس متردداً شاكراً ، فقال الشاب : آنسة جين ، ما تطلبينه أمر شديد الصعوبة .
فنظرت جين إليه ، وقالت : جدي مريض جداً ، وهو يريد تلك الكاميرا ، ودفتر المذكرات ، وهما في الخيمة .
وجلس الشاب قبالتها ، وقال : إنني أعرف مكان الخيمة، فقد وصفها لي أبي ، قبل أن يرحل ، وكذلك الرجلان اللذان رافقاهما، وهما موجودان الآن في القرية .
فقالت جين : حسن ، ومن الأفضل أن يرافقانا كما رافقا جدي وأباك .
وتساءل الشاب : ماذا ؟ يرافقانا !
فردت جين قائلة : نعم ، فأنا سآتي معك .
ونظر الشاب إلى الابن ، ثمّ التفت إلى جين ، وقال : هذا مستحيل ، آنسة جين ، أنت لا تعرفين هذه الغابة .
وابتسمت جين ، وقالت : وأنت لا تعرفني .
وقال الشاب : هذه الغابة لم تدخلها فتاة ، حتى من قريتنا، أو القرى الأخرى .
فقالت جين : أنا سأدخلها .. معك .
وهنا أقبلت الزوجة ، ووضعت الطعام أمامهم ، وخاطبتهم بلغتها الوطنية ، فقال الشاب مبتسماً: تقول زوجتي ، كلوا قبل أن يبرد الطعام.
” 6 “

في اليوم التالي ، نهضوا مبكرين . وبعد أن تناولوا طعام الفطور ، نهض الابن ، وقال لجين : آنسة جين ، من الأفضل أن أعود الآن ، فالطريق طويل كما تعرفين.
ورافقته جين حتى السيارة ، وهي تقول : تعال لتأخذني بعد أسبوع ، وإذا لم تجدني قد عدت ، انتظرني يوماً أو يومين .
وصعد الابن السيارة ، واتخذ مكانه وراء المقود ، وقال : حاضر آنسة جين .
وأدار محرك السيارة ، فمالت جين عليه ، وقالت : أرجوك .
ونظر الابن إليها ، وقال : نعم ، آنسة جين .
فقالت جين : أرجو أن لا يعلم جدي ، منك أو من أبيك ، بأنني هنا ، سأجعل الأمر مفاجأة له .
وهزّ الابن رأسه ، وقال : حاضر ، آنسة جين .
واعتدلت جين ، وقالت : اذهب الآن ، رافقتك السلامة .
ونظر الابن إليها ، ثمّ قال : آنسة جين ، أرجوك كوني حذرة ، فهذه غابة ، وأي غابة .
واختنق صوته بعبراته ، فربتت جين على كتفه ، وقالت: لا تخف ، إنني جين ، اذهب .
وذهب الابن بسيارته ، ودرج على الطريق الترابي ، عائداً إلى المدينة . ووقفت جين ، تتابعه بأنظارها ، حتى توارت السيارة خلف الأحراش الكثيفة العالية .
وخرج الشاب ، وزوجته في إثره ، وهي تحمل طفلها .ووقفا على مقربة من جين ، وقال الشاب : آنسة جين ، تفضلي إلى الداخل .
وردت جين مبتسمة : لنبقَ هنا ، فالجو منعش .
وتلفتت حولها ، وقالت : تأخر الرجلان اللذان سيرافقاننا.
فقال الشاب : سيأتيان حالاً ، هذا وقتهما ، وسيجلبان معهما كلّ ما نحتاجه في الرحلة .
وأقبل الرجلان ، بعد قليل ، وكل منهما يحمل رمحه ، إضافة إلى الحاجيات ، وسلما على جين بلكنة محلية واضحة : صباح الخير .
وابتسم الشاب ، وقال : لم يتعلما من جدك سوى .. صباح الخير.
وضحكت جين ، وقالت : وهذا يكفي ، صباح النور .
وتحدث أحدهما باللغة المحلية ، مشيراً إلى جين ، فضحك الشاب، وقال لجين : إنه يقول أنك ستشبهين جدك تماماً ، لو كان لك مثله لحية وشاربان أبيضان .
وضحكت جين ، وقالت : سيضحك جدي إذا سمع بهذا .
ثمّ نظرت إلى المتكلم ، وقالت : أشكرك .
وقبيل الضحى ، سار الجميع نحو الغابة ، يتقدمهم الشاب، وجين تسير خلفه ، وفي إثرهما ، سار الرجلان، وهما يحملان المتاع ، إضافة إلى رمحيهما . ووقفت الزوجة الشابة ، وطفلها بين يديها ، تتابعهم بعينين دامعتين ، حتى تواروا في الغابة .
” 7 “

دخلوا الغابة ، وكلما توغلوا فيها ، قلّت أشعة الشمس، بسبب الأشجار المرتفعة الكثيفة ، حتى كادت تختفي . وتقدمهم الشاب ، تتبعه جين ، ثمّ الرجلان اللذان يحملان الحاجيات والمؤن . وحولهم ترتفع أصوات الطيور . والحيوانات المتوحشة، والحشرات .
وصاحت جين متضايقة : اللعنة ، هذه الحشرات ستفترسني .
وضحك الشاب ، وقال : هذه الحشرات ، رغم تحرزنا منها ، تقتل من الوطنيين أكثر مما تقتله النمور والخنازير والتماسيح والثعابين مجتمعة .
وقالت جين ، وهي تذبّ الحشرات عنها : لا أدري كيف تحتملونها ، وأنتم شبه عراة .
فردّ الشاب مبتسماً : أنظري إلى أجسادنا ، نحن ندهنها بدهون مستخرجة من بعض النباتات ، تبعد عنّا الحشرات .
والتفت إليها ، وقال ضاحكاً : آنسة جين ، افعلي مثلنا .
ودفعته جين قائلة : لن أطلي جسمي بهذه الدهون ، حتى لو افترستني حشراتكم .
وساروا يشقون طريقهم بصعوبة ، وسط بحر من النباتات الكثيفة ، يتقدمهم الشاب بساطوره القويّ ، الحاد الشفرة .
وتوقفت جين ، ورفعت قبعتها ، وراحت تمسح العرق عن وجهها وعنقها . وتوقف الشاب ، وقال مبتسماً : يبدو أنك تعبت ، آنسة جين .
وحدقت جين فيه ، وقالت : أنت تريدني أن أقول ، إنني تعبت ، كلا ، لم أتعب ، ولن أتعب .
وضحك الشاب ، ثمّ قال : لنرتح هنا قليلاً .
ثمّ خاطب الرجلين باللغة المحلية ، مشيراً بيده . فتوقف الرجلان، وأنزلا أحمالهما ، ووقفا يتهامسان .
ورفعت جين رأسها ، وأنصتت متضايقة إلى أصوات الطيور والحيوانات المتوحشة والحشرات ، ثمّ قالت : هذه السمفونية المزعجة ، يبدو أنها لا تنتهي .
وقال الشاب مازحاً : في هذه الغابات ، فرق موسيقية ، لا تعد ولا تحصى ، وهي تعمل ليلاً ونهاراً .
وأعادت جين القبعة إلى رأسها ، وضربتها بيدها لتأخذ مكانها ، وقالت : هيّا لنواصل طريقنا ، تحرك .
لكن الشاب لم يتحرك ، وقال : الأفضل أن ترتاحي جيداً، آنسة جين .
وردت جين قائلة : كلا ، أريد أن أتعب ، حتى أستغرق ليلاً في نوم عميق .
وابتسم الشاب ، وقال : كان جدك ، على ما يقول أبي ، ينام كما تريدين أن تنامي ، نوماً عميقاً .
وقالت جين : سأكون إذن مثل جدي .
فقال الشاب ، وقد اتسعت ابتسامته : هذا ما أتمناه لك ، آنسة جين .
ثمّ خاطب الرجلين باللغة المحلية ، ورفع ساطوره ، واستأنف السير ، فسارت جين وراءه ، يتبعهما الرجلان، وهما يحملان الحاجيات والمؤن ، وكل منهما يمسك رمحه بيده .

” 8 “

توقفوا ، قبيل المساء ، قرب النهر .وانهمكت جين ، يساعدها الشاب ، بنصب الخيمة . ومضى الرجلان مبتعدين ، وكلّ منهما يحمل رمحه ، وقوسه وسهامه . ونظرت جين إليهما، وتساءلت : ترى إلى أين يذهبان ؟
وردّ الشاب ، دون أن ينظر إليهما : قالا إنهما يريدان أن يقدما لك على العشاء ، وجبة من السمك .
وتطلعت جين إليهما ثانية ، وقالت : إنني لا أرى معهما شصاً أو شبكة .
فقال الشاب مبتسماً : نحن نصيد السمك بالسهام .
وبعد العشاء ، جلست جين والشاب ، قرب النار .وتمدد الرجلان تحت إحدى الأشجار ، وقد أشعلا ناراً ، تبعد عنهما الحشرات ، وكذلك الحيوانات المفترسة ، التي تنشط ليلاً ، تبحث عما تفترسه ، وتسكت به جوعها .
ومن مكان ما من الغابة ، ارتفع صوت أشبه بالضوضاء والصخب . ورفعت جين رأسها ، وبدا في عينيها شيء من التساؤل والقلق ، فقال الشاب : هذه الأصوات كلها ، تصدر من نسناس واحد ، هو النسناس الأحمر العواء .
وقالت جين : يبدو أنه خائف .
واعتدل الرجلان ، وهما يرطنان بلغتهما المحلية ، فقال الشاب : إنهما يقولان ، أن النسناس ربما رأى النمر الأرقط .
وتلفتت جين حولها متمتمة : النمر الأرقط !
وتمدد الرجلان ثانية ، وأضاف الشاب بضعة أخشاب إلى النار،وقال : نحن نسميه هنا ، ريمو داهان ، ومعناه نمر الأشجار ، لأنه يخفي نفسه بين أغصان الأشجار ، ثمّ يقفز دون إنذار ، عند مرور فريسته من أسفل .
وتطلعت جين إليه ، وقالت : هذا النمر ، على ما يبدو ، خطر جداً .
فردّ الشاب قائلاً ، وهو يحرك النار : النمور لا تهاجم الإنسان، إلا إذا شاخت ، وعندها يتعاون الناس على صيدها وقتلها .
وصمت لحظة ، ثمّ ابتسم ، وقال : قبل أن يقوم أبي برحلته الأخيرة مع جدك ، اصطاد نمراً ، وقتله .
وقالت جين مندهشة : لكن أباك رجل مسن .
فقال الشاب : لم يصطده بالرمح أو السهام .
وتساءلت جين قائلة : كيف اصطاده إذن ؟
فردّ الشاب : بمادة معروفة عندنا بالدبق ، وهي مادة لزجة ، مصنوعة من صمغ الأشجار ، وضعها في طريق النمر ، وما إن وضع النمر أقدامه فيها ، حتى التصق ، وجنّ جنونه ، فهاجمه أبي برمحه ، وأجهز عليه .
ونهضت جين متلفتة ، فقال الشاب : آنسة جين ، أدخلي خيمتك، ونامي مطمئنة ، سأرقد أنا هنا .
ودخلت جين الخيمة ، وهي تقول : تصبح على خير .
فردّ الشاب قائلاً : تصبحين على خير ، آنسة جين .
” 9 “

عند الفجر ، ارتفعت ضجة ، وصخب عراك ، من مكان قريب ، بين الأشجار . وهبّ الجميع من نومهم مضطربين ، قلقين . وخرجت جين من خيمتها متسائلة : ما الأمر ؟
وبعد أن تبادل الشاب ، باللغة المحلية ، الكلام مع الرجلين ، التفت إلى جين ، وقال : إنهما يقولان ، إنه ريوداهان .
وقالت جين ، وهي تحاول تمالك نفسها : تعني نمر الأشجار .
وتابع الشاب قائلاً : ربما يخوض معركة مع بابا روزا .
وحدقت جين فيه متسائلة ، فقال : إنه بلغتنا المحلية ، خنزير الأدغال الأسود .
وازداد ارتفاع أصوات المعركة ، بين ريموداهان وبابا روزا، فأخذت جين بندقيتها ، ومضت نحو مصدر الأصوات ، وهي تقول : يبدو أن ريموداهان سيفطر اليوم ببابا روزا .
ولحق الشاب بها ، يتبعه الرجلان ، ورمحهما في يديهما، وقال : آنسة جين ، إن بابا روزا ليس بالفريسة السهلة.
وتقدمها ، ورمحه في يده ، وأضاف : فرأسه الكبير ، وجلده السميك ، وحوافه الحادة ، وأنيابه ، وسرعته الخارقة ، كلها أسلحة قوية ، وعادة لا تكون الغلبة للنمر، رغم قوته ومراوغته.
وتوقف الجميع ، حين وصلوا فسحة بين الأشجار ، فقد رأوا النمر والخنزير مشتبكين في معركة ضارية ، والنمر وليس الخنزير ، من أصيب بجروح عميقة ، تنزف منها الدماء .
وأطلقت جين رصاصة في الهواء ، فتوقف النمر والخنزير عن العراك مذهولين . وانتهز النمر الفرصة ، فأطلق سيقانه للريح، ولاذ بالفرار . لكن الخنزير ، بدل أن يهرب ، انطلق برأسه الضخم نحوهم ، وقد كشر عن أنيابه الحادة . ولاذ الرجلان بأقرب شجرة ، واختبآ خلفها . ووقفت جين مذهولة ، والبندقية في يدها ، وفي اللحظة الأخيرة ، دفعها الشاب ، وارتمى بها جانباً . ومرّ بابا روزا فوقهما كالإعصار ، وتوارى بين الأشجار الكثيفة .
واعتدلت جين محرجة ، والبندقية ملقاة إلى جانبها ، ونظرت إلى الشاب ، وقالت : لا أعتقد أن جدي ، كان سيقف موقفي ، من بابا روزا .
ونهض الشاب ، ومدّ يده ، وساعدها على النهوض ، وقال : أنت واهمة آنسة جين ، فبابا روزا ما كان ليعطي الجد أية فرصة للنجاة .

” 10 “

استأنفوا سيرهم متوغلين في الغابة ، بعد أن تناولوا فطورهم . وكالعادة مضى الشاب في المقدمة ، والساطور في يده، تتبعه جين صامتة ، وفي إثرهما سار الرجلان ، اللذان يحملان المتاع والمؤن ، وكلّ منهما يمسك رمحه في يده ، متهيئاً لأي طارىء .
وأشار الشاب بيده ، دون أن يتوقف ، إلى نسناس في أعلى إحدى الأشجار ، وقال : آنسة جين ، أنظري .
ونظرت جين حيث أشار الشاب ، فرأت نسناساً غريب الشكل ، له أنف ضخم ، فقال الشاب : هذا نسناس الروز .
وكلما إرتفع صوت طائر ، ذكر الشاب لها إسمه ، وحدثها عنه بالتفصيل . وسمعت أحد الرجلين ، يخاطب الشاب بلغتهم المحلية ، فتساءلت : ما الأمر ؟
فردّ الشاب قائلاً : إنه يحذرنا من الأفاعي ، فهي تتواجد هنا بكثرة ، لكن لا تخافي ، إنني أسير أمامك ، وسأحميك .
وبدون إرادة منها ، حثّت خطاها ، حتى اقتربت منه ، فالتفت الشاب إليها ، وقال : كان الجد ، على ما يقول أبي، لا يخاف الأفاعي ، حتى البوا منها .
ودفعته جين ، وقالت : انتبه ، فأنا أريد أن تنتهي هذه الرحلة على خير ، وأعود إلى دراستي في لندن .
وواصل الشاب سيره مبتسماً ، وسارت جين على مقربة منه ، وهي تقول في نفسها : يبدو أن شارلي ، كما قال عن نفسه ، ليس مجنوناً .
وقبل حلول الظلام ، توقفوا متعبين . وبعد أن تناولوا طعام العشاء ، ورقد الرجلان تحت إحدى الأشجار ، التفتت جين إلى الشاب ، وقالت : أرجو أن نكون قد اقتربنا من موطن إنسان الغابة .
وتطلع الشاب إليها ، وقال : غداً ، ربما بعد منتصف النهار ، قد نصل إلى هناك .
ونهضت جين ، واتجهت نحو الخيمة، وقالت : إنني متعبة ، سأنام .
ونهض الشاب بدوره ، وقال : تصبحين على خير ، آنسة جين .
وردت جين بصوت متوتر : تصبح على خير .
وتمددت في فراشها ، دون أن يزايلها التوتر ، وأغمضت عينيها المتعبتين ، وسرعان ما استغرقت في النوم .
وفجأة انتفضت مذعورة ، وأبصرت على ضوء الفانوس الخافت ، إنسان الغابة ، كما وصفه لها جدها ، وكما رأته في إحدى المجلات . ومال إنسان الغابة عليها ، وقال : الأفضل أن تعودي ، من حيث أتيت .
وصاحت جين مرعوبة : من ؟ إنسان الغاية !
وفتح مدخل الخيمة ، وقد اختفى إنسان الغابة ، ودخل الشاب قائلاً : آنسة جين .
ونظرت جين إليه ، وهي تحاول تمالك نفسها ، وقالت : أرجوك، عد إلى مكانك .
وتمددت جين في فراشها ، فتراجع الشاب ، وهو يقول : اطمئني،سأرقد بباب الخيمة ، ناديني إذا احتجت إلى شيء .

” 11 “

ناداها الشاب من خارج الخيمة : آنسة جين .
واعتدلت جين في فراشها ، وردّت قائلة : تعال ، إنني مستيقظة.
ودخل الشاب ، وتطلع إليها ، ثمّ قال : صباح الخير .
وقالت جين متثائبة : صباح النور .
فقال الشاب : تحدث مرافقانا إليّ ، وقالا ، إننا نقترب من المكان .
وقالت جين : هذا جيد ، أرجو أن نعثر على الخيمة .
وردّ الشاب قائلاً : سنعثر عليها ، اطمئني .
وتأهب للخروج ، وقال : آنسة جين ، الطعام جاهز .
ونهضت جين ، وقالت : إنني قادمة .
وخرج الشاب ، وراحت جين تبدل ثيابها ، استعداداً لمواصلة السير . وبدل أن تفكر في مذكرات جدها وكامرته ، راحت تفكر، دون أن تدري لماذا ، بإنسان الغابة ، بل ، وهذا ما أثار عجبها ، تمنت لو تراه .
وسار الجميع ، بعد تناول طعام الفطور ، يتقدمهم الشاب كالعادة. ومضوا يشقون طريقهم صامتين ، وسط أشجار تزداد كثافة وارتفاعاً ، كلما تقدموا في الغابة .
وقبيل منتصف النهار ، اقترب الرجلان من الشاب ، وتحدث أحدهما باللغة المحلية ، مشيراً بيديه إلى ما حوله، وتابعته جين باهتمام ، ثم تساءلت : ماذا يقول ؟
والتفت الشاب إليها ، وردّ قائلاً : يقول أنهم خيموا ، مع أبي وجدك ، للمرة الأخيرة في هذه المنطقة .
وتساءلت جين ثانية : ألا يذكر المكان بالضبط ؟
وتحادث الشاب مع الرجلين باللغة المحلية ، ثم التفت إلى جين ، وقال : يقولان ، أنها في مكان ما هنا ، ويبحثان عنها ، وسيجداها .
فقالت جين : أطلب إليهما ، أن يذهبا ، ويبحثا عن الخيمة، ما داما يعرفان مكانها ، بين الأحراش .
وتكلم الشاب إلى الرجلين باللغة المحلية ، فأنزلا أحمالهما ، ثم انطلقا يبحثان بين الأحراش ، وكلّ منهما يحمل رمحه في يده .
ومرت الدقائق بطيئة ثقيلة ، ونظرت جين إلى الشاب ، وقالت : أرجو أن يعثرا عليها .
فرد الشاب قائلاً : اطمئني آنسة جين ، سيعثرا عليها ، إنهما يعرفان هذه المناطق جيداً .
وهنا ارتفع صوتا الرجلين ، من مكان قريب ، فتساءلت جين : ما الأمر ؟
فرد الشاب قائلاً : يبدو أنهما عثرا على مكان الخيمة .
وتململت جين متلهفة ، وقالت : فلنسرع إليهما .
وأسرع الشاب صوب مصدر أصوات الرجلين ، وفي إثره أسرعت جين ، وهي تقول : سيفرح جدي بمذكراته وكامرته ، وهذا ما جئت من أجله .
وحين وصلا المكان ، الذي يقف فيه الرجلان ، وقفا مصدومين فقد أبصرا على الأرض ، وسط الأوحال ، بقايا الخيمة ، التي تمزقت إرباً ، وشهقت جين : يا إلهي.
وهزّ الشاب رأسه ، ثمّ قال : إنه إنسان الغابة ، لقد حطّم كل شيء.
وعلى الأرض الموحلة ، عثرت جين ، على نتف من مذكرات جدها ، وكسراً من كامرته ، تغطيها الأوحال وأوراق النباتات المتفسخة .

” 12 “

خيّموا في مكان قريب ، فقد تخوف الرجلان من التخييم في نفس المكان .
وبعد العشاء ، أوت جين إلى فراشها مبكرة ، على أن يبدؤوا رحلة العودة ، عند شروق الشمس .
وأغمضت عينيها ، محاولة أن تنام ، لعلها ترتاح ، لكنها لم تنم مباشرة ، فقد كان ذهنها مشغولاً بجدها وإنسان الغابة ، ودراستها في لندن . وتخوفت أن ترى إنسان الغابة ، مرة أخرى، في منامها ، لكن بدل إنسان الغابة ، رأت جدها ، شاحباً متعباً حزيناً ، يلوّح لها من بعيد ،ثمّ يتلاشى في ما يشبه الضباب، وأفاقت والعرق يتصبب منها ، لكنها سرعان ما أغمضت عينيها ، وعادت إلى النوم .
وعند الصباح ، ناداها الشاب من خارج الخيمة : آنسة جين .
وكانت قد نهضت ، وراحت تغير ملابسها ، فردّت قائلة: إنني قادمة .
وجلست جين ، تتناول طعام الإفطار مع الشاب ، قرب الخيمة ، بينما راح الرجلان يجمعان الأغراض ويرزمانها ، استعداداُ للعودة .
وتناهت من بين الأشجار ، أصوات وغمغمات غامضة ، فهبّ الرجلان ، وكلّ منهما قد أمسك برمحه ، ودمدما خائفين : اورنج أوتان .. اورنج أوتان .
ونظرت جين إلى الشاب متسائلة : إنسان الغابة !
ونهض الشاب ، وقال : هذا ما يقولانه .
وتلفت حوله قلقاً ، وقال : آنسة جين ، من الأفضل أن نبتعد من هنا .
ونهضت جين كأنها مسحورة ، وقالت : أريد أن أراه .
وجحظت عينا الشاب ، وصاح : ماذا !
ومدت جين يدها ، وأمسكت بالبندقية ، وقالت : لابد أن أراه ، إنسان الغابة هذا .
واتجهت مسحورة صوب مصدر الأصوات ، فلحق الشاب بها ، بعد أن أخذ رمحه ، وقال : آنسة جين ، أنت لا تعرفين إنسان الغابة ، إنه خطر جداً .
وواصلت جين سيرها ، دون أن تلتفت إليه ، فاعترضها الشاب ، وقال : لقد تسبب بمقتل أبي ، وإصابة جدك بجروح بليغة .
ومدت جين يدها ، وأبعدت الشاب ، وقالت : ابتعد أنت إذا أردت، سأذهب إليه وحدي ، وسأراه .
لكن الشاب لم يبتعد ، بل أسرع حتى سار أمامها ، وهو يقول : سأتقدمك .
وتقدم بحذر ، وجين تسير وراءه ، وبندقيتها في يدها . وتوقف لحظة ، ثمّ أزاح غصناً كثيف الأوراق ، ونظر عبره ، ثمّ قال : آنسة جين ، تعالي أنظري .
وتقدمت جين ، ونظرت حيث ينظر ، وتمتمت : يا إلهي.
ومال الشاب عليها ، وقال هامساً : عددهم حوالي أربعين من الإناث والصغار ، وذاك الذي يولينا ظهره ، ويبدو أضخم وأقوى الجميع ، هو الذكر القائد .
وتقدمت جين مسحورة ، وعيناها المذهولتان لا تفارقانهم. ومدّ الشاب يده ، محاولاً الإمساك بها ، وهو يقول خائفاً : آنسة جين .. آنسة جين .
وتوقفت جين ، والشاب وراءها ، تتأمل هذه المجموعة المذهلة من إنسان الغابة . والتفت الذكر ، وكأنما أحس باقتراب الخطر من مجموعته ، وما إن وقعت عيناه على جين والشاب ، حتى اشتعل الغضب في عينيه . وتراجع الشاب ، وهو يقول : آنسة جين ، أرجوك ، تراجعي .
وبدل أن تتراجع جين ، وبصورة لا إرادية ، رفعت بندقيتها . وتقدم إنسان الغابة منها ، وبسرعة البرق ، اختطف البندقية منها، وثنى ماسورتها ، كما لو كانت مصنوعة من المطاط ، ثمّ رماها جانباً .
وصاح الشاب ، وقد رفع رمحه : آنسة جين ، ابتعدي قليلاً ، سأقذفه بالرمح .
فردت جين ، دون أن تتحرك : لا ، دعه وشأنه .
وتراجع الذكر ، وهو يزمجر ، ثمّ التفت إلى الإناث والصغار ، وأشار لهم أن يبتعدوا . وعلى الفور ، ابتعد الجميع ، والذكر يسير في المؤخرة ، حتى تواروا خلف الأشجار .

شاهد أيضاً

عهود عدنان نايلة: ضجرُ الشّواهدِ تَعِلّةُ الغيابِ

– كلّ نبضةِ قلبٍ وأنتَ مئذنةُ العيد في سماءِ روحي المتعلقةِ بكلّ تفاصيلك الصّغيرة والمتكاثرة …

إِرْسَالِيَّة قَصِيرَة و عاجلة لبيروت
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

صباح الْخيْر حبيبتي بيروت أُعْذُرِينِي إِذْ أَنَا غادرْتُ بَاكِرًا ذَاكَ الصَّباح لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُقَبِّلَكِ …

مروان ياسين الدليمي: اكتشاف الحب: اوراق من مدونتي الشخصية (ج/5)

لم تكن حالتها الصحية تسمح لها في ان تجيب على ما كان يدور في راسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *