علوان حسين : يوميات سجين في تدمر

alwan husseinعلى أطراف الصحراء شُيد َ سجن تدمر الصحراوي
باحات ٍ سبع ٍ مغلقة ٌ
وممرات لعمال السخرة ِ ( البلدية *)
في الباحة ِ الرابعة ِ ثمت حوض لا ماء َ فيه ِ
تتوسطه ُ شجرة ٌ مقطوعة ِ الرأس ِ .
في هذا المكان الموحش
أمضيت ُ عشرة َ أعوام ٍ ونصفا
سجينا ً مع من كان يسمى بالأخوان المسلمين
واليوم نطلق عليهم أسم داعش .
كيف يمضي الوقت ُ في المعتقل ؟
الوقت ُ يمضي لشأنه ِ غير ُ آبه ٍ بنا
نحن ُ الذين َ ننزف ُ وقتنا مضمخا ً بدم .
عشرة ُ أعوام ٍ لم أر َ السماء َ فيها
لأسباب َ تبدو غريبة ً
السبب ُ الأول ممنوع ٌ علينا نحن السجناء رفع رؤوسنا مطلقا ً
الذي يفعلها ولو عفو خاطر يجازف ُ بحياته ِ .
السبب الثاني أن السماء َ مزنرة ٌ بالأسلاك ِ الشائكة ِ .
هذا الكلام ُ ليس مجازيا ً
هم أقاموا سقفا ً من الأسلاك ِ الشائكة ِ فوق َ الباحة ِ
ليمنعوا حتى العصافير َ من الطيران ِ .
كان مدير السجن ( غازي الجهني ) مولعا ً بالكرنفال
فكانت الكرنفالات ُ مشتعلة ً طيلة ِ أيام ِ السنة ِ
والموسيقى تعزفها حناجر السجناء
على شكل صراخ ٍ طويل ٍ أو صرخات ممزقة
تنتهي بغرغرة تـُشبه ُ غرغرة ِ الموت ِ
يعقبها سكون ٌ عميق .
لأصف َ قليلا ً يوميات ِ السجن ِ .
نستيقظ ُ صباحا ً عند َ السادسة ِ هرعين َ
الى المرحاض ِ لقضاء الحاجة ِ .
يعم ُ شيء من الإضطراب ِ فعادة ً يكون السجناء مزكومين َ
لأنهم ظلوا طوال َ الليل ِ لا يستطيعون َ فيها قضاء حاجاتهم
وتمنع ُ الحركة أو حتى التقلب َ داخل َ الشبرين وأربعة أصابع
الممنوحة لنا حيزا ً للنوم ِ
والذي يجازف ُ مكرها ً للذهاب ِ لدورة ِ المياه
ويلمحه الشرطي يُقام ُ له ُ كرنفال ٌ ليلي ٌ
وآخر َ عند َ الصباح ِ .
أصف ُ مشهدا ً واحدا ً لكرنفال ٍ إعتدناه ُ نحن ُ نزلاء تدمر .
في سقف الباحة شراقة يطل ُ منها الشرطي ليرقب َ النائمين
داخل ِ المهجع ِ ويضبط َ حركة َ الأشياء ِ .
ينسل ُ السجين ُ كاللص ِ بتواطىء مع الحارس الليلي
وهو أصطلاح على السجين الذي تكون َ نوبة حراسته ِ
كل ساعتين ِ ليمنع َ حركة ِ السجناء ِ في الليل .
يمضي ليقضي َ حاجته ُ مرتديا ً كما يظن ُ طاقية الإخفاء ِ
لكن َ عيون ُ الشرطي المفتوحة ُ على اتساعهما
تخترق ُ تلك َ الطاقية ِ اللعينة ِ
يأمره ُ أن يتمدد َ على ظهره ِ متصالبا ً
نوع ُ العقوبة ِ تتناسب ُ حسب فصول ِ السنة ِ
فمثلا ً في الشتاء القارص ِ وبرد الصحراء
يوعز ُ الشرطي لحارس ِ المهجع ِ
أن يأتي بجلكان الماء البارد ِ ويُفرغه ُ فوق جسم ِ السجين ِ المرتعش ِ خوفا ً

ثم بعد أن يفرغ َ ما شاء َ له ُ حسب َ مزاج ِ الشرطي وخفة َ دمه ِ
يأمر َ الحارس الليلي أن يركل َ السجين َ على بطنه ِ أو وجهه ِ
أو يأمره ُ بأن يمتطيه ِ ويقوم ُ بالرهز ِ مع ما يتناسب ُ من شتائم نابية ٍ
وكلمات ٍ يقشعر ُ لها الجبين
في آخر الكرنفال ِ يقول ُ له ُ هذا السجين ُ معَلَم * .
في صباح اليوم التالي يؤتى بالمَعَلم ِ الى الباحة ِ لينال َ نصيبه ُ
من الكرابيج ِ حيث ُ يوضع ُ داخل ِ دولاب ِ يمسكه ُ أثنان ٌ من رجال البلدية ِ
ويقوم ُ شرطيان بجلده ِ على باطن ِ قدميه ِ حتى يتشقق منه ُ الجلد ُ
أو يُغمى عليه ِ يدخلونه ُ بعدها محمولا ً على عازل .
رجال البلدية هم من سجناء الجيش يؤتى بهم ليقوموا بأعمال السخرة
ويشاركوا الشرطة في تعذيب السجناء وبعضهم ألعن من الشرطة في حقدهم الغامض علينا ..
الحارس الليلي هو من السجناء الذين يتناوبون كل ساعتين في حراسة المهجع من الأشباح وهي شكل من أشكال العقوبة والتعذيب التي تتفنّن بها أدارة السجن .

*كاتب من العراق

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الستار نورعلي : دمٌ على الطَّفّ…

دَمٌ على الطَّفِّ أمْ نبضٌ منَ الألَقِ فكلُّ  ذرّةِ  رملٍ  .. فيهِ   مُحترَقي   ناديْـتُـهُ …

| عبد الستار نورعلي : قصيدتان “شِالله، يا سيدنا! ” / “* إشراقة…”.

* شِالله، يا سيدنا! فوق القُبّةِ، يا الگيلاني، ـ عنكَ رضاءُ اللهِ، وعنْ إخواني مَنْ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.