د. نادية هناوي سعدون : تعادلية التجسيد الواقعي في مسرحية الشيء للدكتور شاكر خصباك

nadia hanawi 2تنزع مسرحية (الشيء) للدكتور شاكر خصباك نزعة واقعية انتقادية تتجسد جلية في تعادلية الطموح والعمل اللذين بهما تتحقق الثورات التي مكمنها شيء هو الشعب الذي بيده أن يحقق تلك التعادلية أو لا يحققها اعتمادا على مدى الإيمان بالأفكار والقدرة على تحويلها إلى أفعال.
وتتألف المسرحية من ثلاثة فصول وتدور أحداثها داخل زنزانة في احد المعتقلات وتتحدد المدة الزمنية بخمسة أشهر تبدأ بصباح يوم شتوي ثم بصباح يوم ربيعي وانتهاء بمساء يوم صيفي.
وتتوزع شخوص المسرحية بين فئتين تمثل الأولى الشر بشخصيات الرئيس آمر المعتقل والملازم الثاني آمر القاطع ونائب الضابط مساعد الملازم الثاني وعباس خريبط حارس الزنزانة وشرطة آخرين وجنود والفئة الأخرى تمثل الخير بشخصيات ذات مهن وطبقات اجتماعية مختلفة منها ففائز صاحب جريدة والدكتور محمود طبيب وفاخر أستاذ جامعي وحسون قصاب وجنكيز كردي وعبوسي عامل بناء وادمون مسيحي وخليل كاتب وأكرم ضابط وصلاح مهندس زراعي ونوري قاض .
والمسرحية في بنيتها الموضوعية تعالج قضية من قضايا الواقعية الاجتماعية إلا وهي البحث عن الحياة الكريمة التي فيها تتوحد الطبقات وتتعادل الحقوق وتتساوى الواجبات ليعيش جميع أبناء الوطن في حرية اجتماعية ليس فيها اضطهاد أو استلاب أو مصادرة .
وتشير طبيعة التطور في الصراع والتصاعد الدراماتيكي إلى أن المسرحية تنتقد حدثا تاريخيا مر به العراق المعاصر. وعلى ما يبدو فان المؤلف لم يرد أن يقول صراحة أية ثورة لكنه ترك ذلك للقارئ ليستشف إيحائيا تفصيلات بعينها عاشها العراقيون كأن يردد على لسان إحدى الشخصيات انتقادا لما يسمى بالثورة البيضاء اذ يقول الملازم الثاني ” لقد جعلتنا الثورة خطباء أنها ثورة شعبية بيضاء لم ترق فيها قطرة من الدم” ص88
والمسرحية تنطوي على فكرة تنبؤية لما سيكون عليه المستقبل القريب.. بدءا من العنوان ( الشيء) الذي هو كل هدف سام وطموح مشروع وتطلع مستقبلي تسعى الشعوب إلى بلوغه وهو في الوقت نفسه كل تضحية شريفة وكل ثورة أصيلة وكل صفة تجعل صاحبها يتلقى صنوف التعذيب وأشكال الترويع وأنماط الاستغلال والاضطهاد لأجل أن يبلغ حلما يعود على المجموع بالخير والصلاح أو هي الوعي الثقافي الذي يأخذ من كل شيء لكي يفهم الحياة ويزداد معرفة بها.
وقد تقصد المؤلف د. خصباك وضع كلمة شيء وفي أي موضع ترد فيه بين قوسين في تأكيد ضمني أن هذا الشيء إنما هو تورية لأي قضية قد تغتال التطلع نحو الحياة الاجتماعية المثالية دافعة بأصحابها إلى الهلاك والتصفية أو قد تكون هي سبب الظفر بتلك الحياة محققة لأصحابها دورا بطوليا يعود على المجتمع بالنفع .
وتبدأ المسرحية باستهلال وصفي للمكان الزنزانة مع مزامنة الصوت / الموسيقى /الإضاءة لتضيف على المكان رهبة خاصة توصيلا للفكرة وتحقيقا لمتطلبات العرض المسرحي” زنزانة ضيقة لا تزيد مساحتها على ثلاثة أمتار ذات نافذة صغيرة في أعلى الجدار المواجه للباب الزنزانة عارية من الأثاث تماما حينما يرفع الستار يسود ظلام قاتم ..قبل أن يرفع الستار تنطلق من بعيد موسيقى هائجة وفي أثناء رفع الستار يعلو هياجها تدريجيا حتى تغدو صاخبة يصاحبها أزيز رصاص ” ص9shaker khesbak
ثم يأخذ العرض المسرحي بالتحول من الطابع السردي إلى الطابع الحواري عندما يقوم ضباط ثلاثة باستجواب المعتقلين واحدا واحدا سائلين إياهم عن أسمائهم وتهمهم وما الذي جاء بهم إلى هذا المكان لتتكرر على لسانهم وفي اغلب حوارات هذا الفصل عبارة ” من عنده شيء نال عقابه أما البريء فيطلق سراحه” ص17 فيخيم الحزن على المشهد المسرحي وتأخذ وتيرة الصراع بالتطور متصاعدة بقوة نحو الحبكة.
ولا يكون هم الرئيس إلا التهكم والسخرية من كل معتقل مبتدئا بأستاذ الجامعة (فاخر) واصفا إياه بغير العاقل ثم ينهال بالشتم على فائز صاحب الجريدة متهما إياه بإفساد عقول البسطاء مع عبارات نابية وأوصاف مبتذلة فما يكون من فاخر إلا إن ينتفض ممارسا دور البطل المتمرد الذي يجابه الرئيس بتكرار عبارة فاشست قائلا:” متى أصبح الإنسان فاشستا خلع عنه ثوب المدنية وغدا وحشا لا يختلف عن وحوش الغابة في شيء ” ص41
ويمرر المؤلف عبر شخصية فلاح الشجاعة والجريئة بعض أرائه في الثورة ” انه يوم اسود ذلك الذي نجح فيه هؤلاء البرابرة في ثورتهم انه يوم اسود سيسجله التاريخ بمداد من العار” ص43
ويتكرر ترديد عبارة ما عندي( شيء) على لسان اغلب شخوص المسرحية مثل حسون وعبوسي كما تتكرر جملة( فمن عنده شيء نال عقابه أما البريء فسيطلق سراحه)ص27 وص38 على لسان الضابط الرئيس واعوانه.
ويسدل الستار على الفصل الأول ليبدأ الفصل الثاني وقد اعتاد المعتقلون على الزنزانة وكيفوا أنفسهم وبدت الألفة والتعاون تتوثق فيما بينهم.
وتصبح الحوارات أكثر طولا وأعمق دلالات ويمرر الكاتب خصباك عبر شخصية جنكيز أفكاره عن الأخوّة بين العرب والكرد ونبذ التفرقة العنصرية كما يتخذ من شخصية فاخر وسيلة للتعبير عن رؤى فلسفية يبثها في المسرحية مثل حوار فائز مع فاخر ص82و83 عن الأفكار كوسيلة لبلوغ السعادة المجتمعية ومعنى فاشست ولماذا القسوة البشعة في تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان على مر التاريخ الذي سجل ما لا ينتهي من صور البطش والتنكيل.
وهنا يظهر الملازم ليعاود التحقيق مع المعتقلين مستدرجا إياهم إلى أفكاره وتظهر شخصية جديدة ( المعتقل الجديد ) الذي يزج إلى الزنزانة فيتعرف الآخرون من خلاله على الواقع الخارجي الذي هو ليس بأفضل من واقعهم الذي يعيشونه” انتم لا تتصورون مدى الإرهاب الذي يعانيه الناس في الخارج ” ص97
ويأتي الفصل الثالث ليعكس حالة الملل والسأم عند المعتقلين الذين يرمزون بمجموعهم إلى الشعب ويكون التطلع الثوري واضحا في حوارات فائز” يجب أن تنبثق الثورة من الشعب لقد انتصروا في غفلة من الشعب “ص 126ومن خلال إيمان فائز بثورة الشعب ” إذا فشلت الثورة فتتعقبها ثورة أخرى وثالثة ورابعة حتى تنجح إحداها ستستمر الثورات ما دام هناك شعب حي يأبى الظلم والطغيان والتعسف”ص 142 تتحقق الرسالة التي أرادت المسرحية توصيلها..
وتكون نهاية المسرحية متمثلة بمجيء القطار الذي سيقل المعتقلين إلى معتقل آخر في إشارة إيحائية على استمرارية المسيرة بإخفاقاتها وتطلعاتها فتنطلق موسيقى تضفي على العرض المسرحي ألما وحزنا ولكن سماع صوت النشيد الوطني يجعل الأجواء تضج ضجة كبرى في إشارة إلى أن صوت الشعب لن يخمد مهما حاول المتنفذون كتمه أو إخراسه .

شاهد أيضاً

قراءة في قصيدة: (تراتيلُ مطرٍ يُصَلّي) للشاعر “محمد سعيد العتيق”
د. وليد العرفي

قصيدة ذات نزوع صوفي في انجذاب متناه نحو المطلق ، وهو ما يتبدّى منذ العتبة …

نايف عبوش: نعمات الطراونة.. والتواصل العصري الحي مع التراث

لعل ما يقلق المهتمين بالتراث اليوم، هو الانحسار المستمر، في ثقافة التراث،وخاصة لدى شريحة الجيل …

صباح هرمز: مسرحيات يوسف الصائغ بين الخيانة و الانتماء
أولا: ديزدمونة وجدلية الشرق والغرب (ملف/6)

إشارة: رحل المبدع الكبير “يوسف الصائغ” غريبا في دمشق ودُفن هناك بعد أن قتلته السياسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *