الرئيسية » نقد » ادب » حميد الحريزي : (علبة) بطول وعمق تاريــــخ (السماوة)
دراسة نقدية لرواية (بلدة في علبة) للروائي الاستاذ حامد فاضل

حميد الحريزي : (علبة) بطول وعمق تاريــــخ (السماوة)
دراسة نقدية لرواية (بلدة في علبة) للروائي الاستاذ حامد فاضل

hamid alhuraizi 4مدينة سكنها الرواة،فكشفوا أسرارها
((بلدة سحرية، أفردت جديلتيها على ضفتي نهر ألفرات لاحقته حيثما يزوغ او يتجه ((احديثه)) جميلة استحال عليها فراق حبيبها الاول والأخير ، احتملت هجير ، وقر الصحراء المترامية الاطراف متمسكة بحبيبها الفرات الذي لم يبخل عليها بكل شيء حيا ، حيث بساتين النخيل ، وحقول الحنطة والشعير ، وما لذ وطاب من ثمار الجنة ، واجتذب اليها تاس اهل طيبة ونخوة وعلم وشجاعة وكرم ، وجاد عليها بالبني والشبوط والقطان ، وأبو خريزة ، وعلق في جيدها تاريخ اقوام نالوا شهادات فخر عبر العصور ، انها ((السماوة)) عشيقة الفرات التي لا ترتوي من قبلات الحبيب اثناء فيضانه او صيهوده …..
مدينة السماوة هذه الصغيرة السمراء الغنجة المدللة الراقدة في احضان الفرات العذب ، اثارت غبطة شقيقاتها من مدن العراق الكبرى حيث احتضنت من الكتاب والادباء والروائيين اللذين امتلكا ناحية السرد المكين وانبروا بكفاءة مميزة لتوثيق تاريخ مدينتهم الحبيبة السماوة عبر ((ادبنة التاريخ)) وخصوصا الاديب الروائي القدير ((زيد الشهيد)) والقاص والروائي عاشق المكان ((حامد فاضل))…..
ارخ الشهيد للسماوة عبر عدة روايات ((فراسخ الاعوام))، (( تراجيديا مدينة)) و ((فراسخ لاهات تنتظر))…. ولازال نهر ابداعه دافقا بالجمال والعطاء في مختلف فنون الادب والثقافة …..
وها هو حامد فاضل يعلق على جيد السماوة عقدا جديدا ليزيدها اشراقا وسحرا وجاذبية ويظهر بصوره ما حاول غبار السنين اخفائه او تشويهه عبر روايته
((بلدة في علبـــــــــــــــــــــة))
صدار دار سطور للنشر والتوزيع 2015 بواقع 270 صفحة ، فكانوا ورثة اوفياء واحفادا نجباء لعبد الحميد السماوي ول((لأماميين)) رعاة العلم والثقافة والادب ……
السماوة التي جاورت الغلظة والبداوة ، فتحت صدرها رحبة للحداثة ونسائم الحرية والتنوير ، فأعطت الكثير من دماء وعرق وصحة شبابها ،شاباتها وشيبها وهي تقاوم 0قوى القهر والظلام ، منتصرة لقيم العدالة والسلام ….فكانت شوكة في عين الاتراك … و((فالة)) في صدر الانكليز ، وصرخة واطلاقة في وجه الديكتاتورية ، ومصباح تنوير بوجه ديمقراطية الدم الامريكية وقوى التخلف والفساد في عصرنا الحاضر …..

علبة سحرية ، وذاكرة متجددة :-
يصحبنا((حامد فاضل)) او بالأحرى نحن نتبعه متلهفين الى مجلس شيخه ال((نوري)) النير المستنير ، ذاكرة المدينة ومصباحها الكاشف عن زوايا تاريخها بأسلوب شيق وفطنة ، وموضوعية، وذكاء متميز وقد كان معطاءا كنبع دافق لا يبخل على دلو محدثه السارد صاحب ((العلبة)) الطامح في الغوص عميقا في تلافيف رمز الحكمة وضمير التاريخ الحي الناطق بالحق ، ليعود مليئا بجواهر الحكم وسجلات وصور وتاريخ المدينة …..hamed fadel 2
كما ان حامد فاضل استطاع ان يعرض امام عيوننا عشرات الصور لماضي وحاضر السماوة، كان بارعا في جعل هذه الصور ناطقة تحكي يوم ولادتها وتاريخ تحولاتها ، مع انه لا يتبعها الى رحم الصيرورة والتكوين ، وهذا السرد الوصفي القار على سطح الظاهرة او الحدث هو الغالب على اكثر كتابات روائينا للأسف الشديد مما يجعله اقرب الى المؤرخ منه الى الروائي ، حاول الكاتب ان يدعم احداث التاريخ بصور علبته المفترضة مما يعطي لمحدثه المزيد من الحيوية وتنشيط الذاكرة المتعبة لنفض غبار السنين من على ظاهرة او شخصية تبدو غير واضحة المعالم ……((فادبنة التاريخ)) هي عملية حراثة وتنقيب وتدقيق +في كهوف ووديان ومرتفعات وصحارى التاريخ للظاهرة والحدث والتحول للفرد والجماعة في مجال السلوك والاقتصاد والنفس، في حالة التقدم وحيثياتها وحالة التراجع واسبابها ، وضع اليد على العوامل الرئيسية والثانوية ، بأسلوب السرد الادبي ، عبر شخصيات حقيقية او متخيلة لها وجود واقعي … وبذلك يتميز الروائي المؤرخ عن الكاتب المؤرخ ،فرحم الرواية ولاد للشخصيات والاحداث الدالة الى واقع الصراع ودوافعه ان احسن الكاتب الروائي اخصابه ، عندها سيبتسم له التاريخ لانه انقذ ((يوسفه)) من جب بئر التناسي والنسيان …….
فكانت ل((حامد فاضل )) وقفة جميلة عند مهد وموضع وتاريخ ولادة المدينة ومدى قربها من اخواتها مدن ما قبل التاريخ كالوركاء ولا رسا .. الخ .
موثقا اول معلم مدني للسماوة ، اول جسر ، واول مدرسة ، واول محطة قطار، واول محطة توليد كهرباء ، واول دار سينما ، واول نادي واول مجزرة ….وووو.
كما انه يطوف بنا في شوارع ومحلات واسواق السماوة ، ومقاهيها وطبيعة هذه المقاهي ومحلات التجمع وطبيعة جلاسها ومرتاديها فمقهى عبود هي مقهى الفقراء والكادحين الحالمين بغد افضل وعالم اجمل ، ومقهى حمزة الخاصة بالعصملية والرسمين وبقايا اليهود ….وهنا اشارة بينة لطبيعة التركيب الطبقي لسكان المدينة ، مالكي الثروة والجاه في جانب ، مالكي قواهم العضلية والفكرية في الجانب الآخر …..
((حامد فاضل)) يسلط اضواء ذاكرة المدينة على مختلف شرائحها الاجتماعية ابتداء ب((طماطه)) الامرأة الامية الحالمة ، الحكائة الغرائبية ، وصولا الى الاديب والفيلسوف والوجيه الكبير عبد الحميد السماوي ، الذي عارض قصيدة ايليا ابو ماضي لست ادري ، بقصيدة رائعة ومدهشة حقا من حيث الكمال والجمال والعمق الفلسفي والمعرفي ، مرورا ببائع الصحف ، وكريطع الراعي الاعمش، أبي الورد ، بائع شعر البنات ، الحاج شرام الذي اسقط الطائرة الانكليزية ، مطر الحارس، خلف شرام ، بائع الخمر، السكير ابو العرائض، المنادي في محكمة السماوة، والميرزا حسن، رحيم لوفي، وكريم الدوش لعيبة المحيبس، وزوجة الشرطي باذخة الجمال التي نذرت ان تسير في المدينة عارية اذا اطلق سراح زوجها الاسير لدى الثوار الكرد …….الخ.
كما انه يعرض لنا صور وتواريخ:-kh hamed fadel 3
اول محطة قطار في السماوة عام 1917، ومرور اول قطار عام 1920، 1936 نقل ملكية السكة الحديد للحكومة العراقية .
اول مدير بلدية للسماوة ((حسن الامامي)).
اول من ادخل الكهرباء للسماوة السيد عبد الستار الامامي عام 1934.
واول من اسس معمل للثلج في السماوة .
اول سينما في السماوة عام 1948.
اول مدير ناحية للسماوة عام 1908.
زيارة الملك فيصل للسماوة عام 1953.
زيارة الرحالة الالماني كارستن نيوبر عام 1765.
كما انه طاف بنا في شوارع ، ودوائر ، وحارات السماوة ….شارع الستين ، حي الفنادق والمطاعم، الشوصه، شارع باتا ، الغربية ، الشرقية ، السوق المسقف … الخ
كما انه لم يغفل ان يصور لنا مواسم الفرح خلال الاعياد عيد الفطر وعيد الاضحى ، لعب العيد المراجيح وسواها ، مراسيم العيد في الدواوين وفي البيوت والمقاهي …..
وكذلك ايام الحزن وخصوصا في عاشوراء حيث المواكب للزنجيل واللطم ، والرواديد المعروفين انذاك …..
صاحب الكاتب بصوته وصورته وذكريات شهوده وذكريات شيخه احداث ثورة العشرين وابطالها كشعلان ابو الجون ، صالح سعيد قتاله،وثورة الشيخ خوام عام 1935،، فدعة الشاعرة ، علي ال صويح ،حمد ال حمود، رحومي الظالمي، الشيخ غثيث الحرجان، حبشان كاطع،جابر الشرمه،ن السيد هادي المكوطر…. وعدد كبير من الفلاحين والكادحين الجنود المجهولين في مثل هذه الانتفاضات والثورات الشعبية ، حيث تسجل بأسماء المشايخ والقادة والوجهاء ويطمر دور هؤلاء الابطال صناع التاريخ الحقيقين ……
نرى ان الروائي مطالب ان يظهر المعادل الموضوعي للحدث ومثال ذلك ثورة 1920 المقترنة بثوار الرميثة ومشايخها وعموم السماوة وسكانها ، ولكن على الكاتب ان لا يسلط الضوء فقط على عود الثقاب الذي اشعل نيران الثورة وانما عليه ان يضع يده على مصادر حطب الثورة وماهي عوامل رفع درجة الحرارة الى درجة الاتقاد والاشتعال ، وماهي اسباب الوقوف الى جانب المستعمر التركي لمقاومة الاستعمار الانكليزي وهل العامل الدينني هو السبب الاهم للثورة ؟؟؟
هل كان الفلاح العراقي – السماوي واعيا الى معنى واهداف الثورة والتمرد ام انه منقاد لشيخ العشيرة يتبعها في قيامه وقعوده في غضبه ورضاه ؟؟
هذه امور هامة قد لا يمتلكها سوى الروائي صاحب المنهج الواقعي العلمي في تفسير الاحداث والظواهر التاريخية وبواعث السلوك الانساني …..
ان واقع وطبيعة الاصطفاف الطبقي او بالأحرى طبيعة التركيبة الطبقية غائمة في عموم المتن الروائي ، واكثر تشوشا في انعكاس هذه المواقف الطبقية في سلوك ومواقف الافراد والجماعات ، مما يجعل السلوكيات تبدو وكأنها غير مفهومة وتفتقد لمبرراتها او هي نتيجة مزاج شخصي غير مسبب ….وغير مظهرة بشكل جلي عبر علاقات الناس فيما بينهم ، كعلاقة رب العمل بعماله ، او الاقطاعي بفلاحيه … الخ ، نرى ان مرد هذا الى تشوه البناء الطبقي في الدول الريعية ومنها العراق ، والعوق القهري للبرجوازية الوطنية العراقية ، بسبب قوى الاحتلال والاستغلال الغربي، وهذا مما ادى الى عدم نشوء طبقة عاملة منتجة قوية ومتماسكة ، وكذلك ضعف وتبعية الطبقة الوسطى للسلطة لأنها مصنعتها ومنتجتها لخدمة اغراضها ، وليست وليدة حراك اجتماعي منتج كما في بلدان العالم الاول …مما يتطلب من الروائي ان يدرك قصور الموضوع لينشط القدرة على وعي اللاوعي ، ليكون قادرا على امساك مصباح التنوير وتأشير مواطن الخلل البنيوي في التركيبة الاجتماعية ….
لا ينسى حامد فاضل كما لازالت في ذاكرة المدينية احداث (( قطار الموت))المجزرة الكبرى التي اعدها الفاشست للسجناء من احرار العراق وخصوصا من الشيوعيين واصدقائهم ، بنقلهم بقطار مغلق مبطن بالقير في حر تموز اللاهب من سجن رقم واحد في بغداد الى سجن نقرة السلمان في السماوة ، وقد كان الفاشست على يقين من ان السجناء سيهلكون خنقا في الطريق ……. عندها هبت السماوة من كافة الشرائح والاجناس لنجدة هؤلاء السجناء وخلاصهم من براثن الموت المحقق ، مما اضاف الى تاريخ السماوة واهلها وسام فخر سيظل مشعا ما بقية السماوه .
• كغيرها من المدن العراقية في كافة انحاء العراق كانت كافة الديانات اليهودية والمسحية والازيدية والصابئة والاسلامية ، كما مختلف القوميات تعيش بسلام ومحبة وتضامن في السماوة ، قبل ان تنتشر عدوى وباء العرقية والطائفية النتتنة في زمن ((الديمقراطية )) الامريكية ….
• كان الكاتب متألقا بحق في نسج سردياته بلغة وصفية شعرية معبرة انما تدل على سعة خيال وخصوبة خزين ثقافي ولغوي كبير ، مما اضاف متعة للقارئ ، وحافزا قويا لمتابعة احداث الرواية المزركشة والمطعمة بأروع واجمل الصور ….
• كنا نتمنى ان يؤثث الكاتب شخصياته ليعطيهم شكلا وصورة ماثلة امام انظار القارئ المتلقي ، فسنكون اكثر متعة وتفاعلا مع شعلان ابو الجون او مع طماطه او مع حسن الامامي …. الخ .
• نبقى نتسائل كيف هي حياة الفلاح السماوي ، اسلوب عيشه وتفكيره وتطلعاته وهي طبقة اجتماعية كبيرة في المجتمع السماوي ، هذا السؤال يتكرر مع العديد من كتاب الرواية العراقيين ، اللذين اهتموا بسكان المدينة غافلين شريحة الفلاحين ، وهذا ناجم طبعا من كون اغلبهم من سكان المدن وكون الرواية نتاج مديني بامتياز ، ولكن بالتأكيد ان للمدينة تاريخ ممتدة جذوره الى الريف وخصوصا في العراق ، هذه الشريحة التي برع في الكتابة عنها ومتابعة تطور وعيها ومفردات حياتها اليومية الكاتب والمناضل الكبير شمران الياسري حيث لم يستطع احد ان يجاريه في ذلك لحد الان .
هذه الثغرة في كتابة الرواية التاريخية العراقية خلقت ثغرة وفجوة اكبر منها في تفسير وتظهير الكثير من اساليب تفكير وتدبير ابن المدينة العراقية ومنها السماوة بسبب اهما واقع حال ابن الريف العراقي …
• حاولت ان اسال عبود القهوجي القارئ النهم والمهتم بالثقافة والادب عن تاريخه ومراحل تطور وعيه وكيف تميز عن زملائه من اصحاب المقاهي اللذين اغلبهم من الاميين وممن لا يقرؤون كتابا واحدا طيلة حياتهم ، لكني لم اجد في الرواية جوابا يسد فضولي وفضول القارئ لمعرفة ذلك ……
• ، ربما لكوني من قراء ومتابعي روايات ابن مدينته الروائي
(( زيد الشهيد)) كنت اتمنى ان يعتمد الكاتب وسيلة اخرى غير علبة الصور لتتبع تاريخ المدينة واحداثها ، فقد سبقه الى ذلك زميله الشهيد عبر صور صاحب الاستوديو وكامرته المتنقلة الموثقة لأحداث المدينة …. وبما ان الرواية تاريخية فليس غريبا ان تتكر ر الاحداث والشخصيات الهامة في اكثر من رواية ومن قبل اكثر من كاتب ……
كما اني ارى ان عنوان الرواية يخدش ثراء المدينة وتاريخها الحافل بالأحداث ، فالعلبة حيز مكاني ضيق جدا ، مغلق على ذاته وغير متطور ، فكان الاجدر ان يرتبط تاريخها بالنهر محبوبها وعشيقها عبر تاريخها الطويل ..((حتى اذا تعب الفرات من الجري ونصب ارجوحته بين النخيل وبين السدر، اتته السماوة تمشي على استحياء ، فرق لها واعد لها على ضفتيه متكأ من الخصب بين كوفة العراق وبصرته..))ص258.
في الختام نحي الروائي ((حامد فاضل)) على منتجه الابداعي الجميل ، وقدرته الرائعة على الامساك بذاكرة المدينة وتظهير ما خبى وما خبئ منها ، متمنين المزيد من الابداع والتألق …...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *