الرئيسية » مقالات » دعوة واختبار:
( القلم ..خربشة العالم )

دعوة واختبار:
( القلم ..خربشة العالم )

دعوة واختبار :
لغرض اختبار الذائقة الأسلوبية لكتّاب وقراء موقع الناقد العراقي الكرام نقدم هذا الإختبار . من هو كاتب هذا النص من الكتاب العراقيين المعروفين ، حسب تصورك وذائقتك النقدية ؟ يمكنك تقديم ثلاثة احتمالات .

لا احد يستطيع حصر عدد الاقلام التي اقتناها في حياته ليس بدءاً من مقعد الدراسة الاول وليس انتهاءً بسلسلة المقاعد الحياتية خارج نطاق الصف وما اكثرها وانواعها :مقاعد متحركة وصفوفاً مفتوحةً ومعلمين دون تسمية ! لكن ثمة مايمكن تذكره ومن باب الاحصاء ألا وهو القلم الأول الذي تمت به الخربشة الأولى :خربشة العالم.
انها الخربشة الحُلمية او اللقاء الاول بالحياة, وهي اللحظة الباعثة على نشوة غامضة اذ تترافق بضحكة طفلية وحركة يدوية وجذعية ورؤية للمحيطين بنا وكأن في ذلك ايذانا بالتحليق والتسطير على القرطاس الاوسع في الحياة لأن العمر صعب ان لم يكن مستحيلاُ تحديده حيث تناول القلم يكون بفعل تحريض من باب المؤانسة الأهلية واللاصفية طبعا, والقلم الأول الذي رافقنا بنفَسَه الرصاصي غالبا والمبري ليكون سكتتنا الفاتنة في حرث الصفحة الأولى من دفتر معد لنا مدرسيا كما يفترض, معتبرين المسطور وهو في غمقه اللوني وخروجه عن جادة السطر لحظة قيامتنا النفسية.
وفي الوقت ذاته شعورنا بالإعتداد الذاتي, شعرية الطفولة وهي تتباهى بأثرها اللافت ونحن نظهر للأهل ما تم إنجازه بفضل القلم, وكأننا نرد على معروفهم الطبيعي بجميل نجهد في إبرازه لنكسب تصفيقا أهلياً هذه المرة! القلم عالم شعري, بما اننا من خلاله وهو في تعدد اشكاله وتحولاته , نتعلم كيف نمارس تغيير العالم وتعديله , وجعله اجمل , كيف نعدل الاشياء باسمه, نغير في انفسنا .
لقد وضع سر العالم في ذات القلم ! السر الذي يقودنا الى سواه دون توقف لتستمر الحياة, وهو الناطق بذات الجلالة, الواصل بين الإنسان وخالقه !
لا احد ينسى قلما ما اهدي اليه لانه تفوق في مادة ما او بمناسبة ما تخص نجاحه المرحلي او المدرسي, او هدية متقدمة من صديق او حبيب اذ يتخلل نفَسَه الكتبي هذه المرة بوحً المختلف بعبق المتخيل في لقائه المرتقب!
لا احد ينسى قائمة من الاقلام الخاصة تلك التي تتميز بقيمتها ومناسباتها التاريخية وفي امكنة مختلفة, حيث القلم الواحد يكون شاهدا حيا على ما نقوم به او نحققه في حياتنا العملية وسط الاخرين او بالنسبة لنا بالذات , وفي كل ذلك بداية ونهاية تكون الاصابع هي محمية القلم الواحد والذي يتكرر بشكله وماركته ولونه ومناسبته وروائحه والصور التي ترافقه او تعانقه او تنبثق عنه تخص الاخرين: أهلا واحبة ومعارف ووجوها عابرة لها نكهتها.
خلاف أمور كثيرة تخص صلة الأصابع بالعالم الخارجي جماليا ووجدانيا , حيث يمكن الاحساس والشعور بها, يبقى القلم في صدارة ما نحمله او نمسك به بطريقة خاصة,اذ يكون لكل قلم ذاكرته المختلفة او بابه الروحي المختلف عن سواه ونحن نطرقه لحظة استدعاء اللحظة المرافقة: فرحا او ترحا او مابينهما , وفي الحالات كافة يكون القلم السيال لنهر صريره : حرير صوته، دواته المحمولة او المجاورة له ، مرجعه المدادي والاعتدادي ، حاملنا الى العالم الذي يغدق علينا بما نشتهي او ما نرتئي , القلم الذي يتنفس بألهام اصابعنا بعوالم متخيلة او جار نسجها في صمت , لكم يتشوق إلى رؤيتها او التلاشي في نعيم المودَع فيها نظرا لطابع المغايرة الحُلمية او الغنمية كما يعلم بذلك اهل الفن وفي السينما تحديدا , فالقلم يشد آلة التصوير إليه, مثلما يحلق عاليا ، وهو نفاث أفق يتناسب طردا ودفق حرارة الأبداع وفذاذة الرؤية التي تستحيل كلمات بهمة الاصابع دون التذكير باليد المختلفة شأناً.
ان اقلام الاخرين هي حيواتهم التي تتراءى وراء ستائر وحجب , دمغات اصابع تعرقت , او نفثات رغبات يستحيل حصر حدودها , انها تستشرف بنا جوانب مما يثيرنا في الاخرين كتابا او ذوي صيت , وكأنما تؤدي أقلامهم أدوارا تتناسب وتصوراتنا عنها، تكون وسائط ومحفزات لخيالات تقربنا منهم ولو بجرعات وهمية احيانا, وكأننا  نضفي بعضا من المشروعية في تخيل وضع الذي يعنينا امره: سره وهو يحمل القلم للمرة الأولى, حيث أن الاخرين بأقلامهم يمكنونا هنا من العيش بطرائق اكثر تنويعا , ان حمل قلم  مشهور يعني تقمصه نفسياً ! ويمكن الحديث هنا عن العالم الأساطيري للقلم , او دنيا التخيلات الهائلة حيث لا يمكن لأي كان ان يثبت مهارته فيما هو اهل له فكراً وإبداعا دون الأستعانة بالذي لا يستحق ذكر وزن نظراً لخفتهِ , ولكنهُ وكما بدء بذكره التكوين واليقين بوجود ما يتجاوز عالمنا الحسي اهمية, يكون فيصل التفرقة بين وهم ويقين, بين عالم نعيشه وهو مستويات ، وعالم نتوق إليه نستطيع تجميله او تركه اثراً من بعدنا بمعيته , إنه القلم الذي يصلنا بأصولنا الأولى وان استحال علينا ثبتها تاريخا ومقاما ؛ يصلنا بما ينبض داخلنا روحيا من جهة المركب له اساسا , باعتباره من روح نبات شريكنا وتوأمنا الخلقي طبيعة يستعصي علينا سره ,  من ذات القصب والقصب نفخة روحية توغل في الاعماق مثلما تشمخ نحو فضاء قمة جبل لا مرئية , اي يحقق لنا ما يجيز لنا خلافتنا الارضية بامتياز اكثر.
القلم نَفَس الأصابع ، مصافح روحنا الأخرى ، سفيرنا اللامرئي إلى من نعرفهم ومن نجهلهم ، متعدد اللغات ، طوع أمر بناننا وفي الوقت ذاته عطوف في اصلاح ذات البين والوصل بين أقصانا وأدنانا وتلك حكمته التي لا تُنسى فهذا كله ما يمكنني أن أسميه :  القلم خربشة العالم .. ..

تعليق واحد

  1. هاشم معتوق

    اسم كاتب المقال ابراهيم محمود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *