يوسف علوان : “وحدها شجرة الرمان” أصوات وصور وأماكن اندثرت أو همشت

yusef alwanوحدها شجرة الرمان”، رواية للشاعر والروائي العراقي سنان انطوان، صدرت في العام 2010، وتتحدث عن مرحلة صعبة مر بها العراق، من خلال شاب يحب الفن التشكيلي ويتخرج في كلية الفنون الجميلة، لكنه مثل الشباب الاخرين لا يجد له عملا في اختصاصه، فيضطر بعد حين للعمل في مهنة ابيه، التي كان قد رفضها من قبل، لكن سنوات البطالة اضطرته للعمل فيها، وأي عمل هو! انه تغسيل الموتى، في محل يسمى “المغيسل”، ويمارس طقوس خاصة وقراءات معينة يرددها الذي يقوم بهذا العمل. انه سَفَر طويل، نرافق فيه شخصيات تخيلها المؤلف؛ الأب والأم وأموري الأبن الأكبر لهذه العائلة، الذي يتخرج من كلية الطب ليصبح طبيباً، لكن سنين الحرب التي أكلت الأخضر واليابس تأتي عليه فيستشهد في معارك الفاو، وجواد الابن الاصغر، الذي يأخذ دور السارد، وحمودي الذي يساعد الأب في عمله في “المغيسل”، وريم التي كانت مع جواد في كلية الفنون الجميلة، والتي تزوجت وتركت الدراسة، ثم عادت اليها بعد استشهاد زوجها في الحرب العراقية الايرانية. ويتعلق بها جواد ثم يخطبها، غير أنها تختفي فجأة من حياته.
في هذه الرواية استطاع الكاتب أن يصور العراق بكل همومه، ومآسيه، وظلاماته. فقد نجح في اعادة رسم الصور، التي تلاشت في ذاكرة العراقيين، في أيام الحرب اللعينة بين العراق وايران، وذهول العراقيين وخوفهم عند مشاهدة سيارات الأجرة التي كانت تنقل قتلى الحرب الى ذويهم، فكل رب عائلة يتوقع أن تتوقف تلك السيارة التي تحمل التابوت وهو مغطى بالعلم وبداخله جثة؛ ابنه أو أخيه أو أبيه!، يا لهول اللحظات التي يتوقف عندها الزمن. ترى أي عائلة لها الدور اليوم؟ حصتها من الموت والخراب. الكل كان يعتقد أن ذلك الزمن هو اسوأ الأزمان!، لكن ما شهده العراق والعراقيون بعد ذلك قد فاق ما كنا نراه الأسوأ! يا عراق ليس في سيئات ماضيك ما هو بحجم السوء في حاضرك، ولكن مستقبلك سيكون السوء فيه فوق ما يتحمله العقل.. “ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه…” موت وأي موت!
ومن خلال السرد الذي يقوم به جواد، الشخصية الرئيسة والسارد في الرواية، يصور لنا المؤلف بشاعة الموت الذي زحف على العراقيين، فحالات الخطف والمطالبة بالفدية باتت تحدث بشكل لا يخطر على البال، فما عاد ما يطلبه الخاطفون ليس لاعادة المخطوف بل لاعادة جزء منه فقط!
الأسلوب الذي انتهجه سنان انطوان في كتابة هذه الرواية هو التقطيع واستعمال اللغة الشعبية. فالرواية تتكون من 55 مقطعاً، وهذه احدى سمات الرواية التجريبية، واعتمادها على تجزئة العالم الروائي وتقطيع الحكاية؛ كل مقطع سردي يكون لوحده حكاية مستقلة، وتكون له غايته الخاصة به، وفي الوقت نفسه قادرا أيضا على الاندماج داخل حكاية أكبر توسعا، مؤديا وظيفة خاصة داخلها. إضافة إلى اعتماد عالمها على السارد “جواد”، الشخصية الرئيسة في الرواية، وعرض أحداثها من خلال ما يجول في أعماق هذه الشخصية وادماج العالم الداخلي له واحداث الخارج الذي تضج به الرواية وما يمر به البلد من قتل على الهوية وتفجير وخطف. ولم يكتف بهذا الأسلوب فقط بل انه لجأ الى جعل الكثير من هذه المقاطع عبارة عن أحلام، أو كوابيس كان يعاني منها ليلاً، وفي الأغلب لا تبتعد كوابيسه المفزعة هذه عن دكة الموت:”كانت دكة المرمر التي يُغسل عليها الموتى والتي يرتفع طرفها الشمالي قليلا، حيث يوضع الرأس، كي يسيل الماء وكي لا يسيل وكي لا يتجمع. كان عمر المكان أكثر من ستة عقود”.
بذل جهدا كبيرا لرسم الصورة التي أرادها للقارئ عن الوضع المؤلم الذي يعيشه جواد، بعد محاولته الفاشلة في الخروج من البلد وارجاعه من الحدود. “كنت أظن أن الحياة والموت عالمان منفصلان بينهما حدود واضحة، لكنني الآن أعرف انهما متلاحمان. ينحتان بعضهما البعض الواحد يسقي الآخر كأسه”.

الروائي سنان أنطوان
الروائي سنان أنطوان

في هذه الرواية يتماها عالمان مؤلمان؛ عالم الشخصية المأزومة التي تعاني العجز في تغيير الواقع الذي لا ترغب به وتعيشه مرغمة، وعالم الخارج، ما يمر به البلد الذي يفور بالموت والقتل والدمار. وترمز دكة الموت في المغسل الى الطريق الذي يعبر من خلاله الموتى الى عالمهم الأبدي. لذلك نشاهد في المقطع الأول من الرواية، يشاهد “جواد” كابوساً فيه ريم تدعوه الى أن يقترب منها وتطلب منه أن يغسلها: “- غسلني حبيبي حتى نصيرسويّة”.
أما لغة الحوار التي جاءت بالعامية فقد أسهمت في تقريب الصورة ورمزيتها للقارئ، وقد أجاد الكاتب في استعمالها وفي رسمها بالشكل الذي يوحي ويوصل صورتها الحقيقية للقارئ، من خلال التشكيل واستعمال الحروف التي تلائم لفظها في حوارات الاشخاص: “ليش تاكل أكل السوگ يا إبني؟ أكو أحسن من أكل أُمّك حطّيلك مرگة دجاج وبتيتة وتمّن”.
تثير رواية “وحدها شجرة الرمان” إشكالية دأب الكثير من النقاد الى التكلم عنها وهي علاقة المؤلف بشخصياته الروائية..؟ ويسعى الكثير من هؤلاء النقاد الى اثبات تماثل ما بين يطرحه بعض الكتاب في رواياتهم وما عاشوه على أرض الواقع، ويذهب بعض الكتاب أن الكثير من الروايات تحمل في أغلبها أحداثاً أو آراء أو انطباعات لمؤلفيها تترد في هذه الروايات من المحتمل أن كتابها عاشوها او كانوا قريبين من زمن أو مكان وقوعها، لهذا يجد القارئ تأثيرها أو تواجدها في أغلب الروايات التي يقرأها لهؤلاء المؤلفين فهي تتكرر في الكثير من هذه الروايات ولو بشخوص مختلفة أو بأزمنة متباعدة أو بأمكنة متباينة، لكن القارئ يحس بوجودها في أغلب أعمال هؤلاء الكتاب المعينين، ولذلك يعتبر البعض ان هذا التماثل فيما بين المؤلف والسارد والشخصية له علاقة بواقع الرواية أولاً من حيث الأحداث والوقائع والشخصيات ونوعياتها، وكذلك وقوع أحداث الرواية في مكان أو أمكنة جغرافية معروفة أو مفترضة وزمان أو أزمنة محددة تقع فيها تلك الأحداث والوقائع عموماً، والتي ترتكز عليها البنيةُ الروائية.
ان ما أريد أن أشير اليه ان كتابات سنان انطوان وبالأخص أعماله الروائية، التي تعنيني، في هذا المجال “إعجام، وحدها شجرة الرمان، ويا مريم”، كل رواية من هذه الروايات يحس القارئ بعد الانتهاء من قراءتها أن الذي كتب هذه الرواية مستحيل ان لا يكون قد عاش التجربة التي تحدث عنها، فهو اليساري، في رواية “إعجام” الذي تعرض لأسوأ عمليات التعذيب من أجهزة النظام القمعية لدرجة ان الكلمات التي كان يطلقها عليه هؤلاء المجرمون في سراديب التعذيب باتت تشكل له هاجساً مؤلماً لقباحتها وإيلامها له وإذلاله عند تذكرها. kh senan antwan 2
وفي رواية “يا مريم” التي تتحدث عن التسامح الذي يضرب جذورا عميقة في بلاد الرافدين، واستدعاء الذاكرة للتمسك بهذه القيم التي عاش عليها المجتمع العراقي، دون إغماضة عين عن الوقت الراهن، تجبرك شخصية “يوسف” المتشبث بجذوره والذي يرفض آراء “مها” التي تعلن له على الدوام ان المسيحيين باتوا غير مرغوب بهم في هذا البلد، والجميع يسيؤون لهم ويحاولون اخراجهم منه، بسبب التجربة المرة التي عاشتها عندما فقدت طفلها الذي كانت تحمله وكانت تنتظر ولادته بأحر من الجمر، لكن انفجار السيارة أمام كنيسة المنطقة القريبة من بيتها والتي سببت لها اسقاط طفلها قبل موعده ووفاته، وفقدانها لأجمل أمل كانت تنتظره وسط الحطام الذي كان يعيشه البلد، من التفجير والقتل والتهجير، وارغامهم على هجر البلد او ترك دينهم، كل هذا شوش تفكيرها وجعلها تحس أن الآخرين كلهم اعداؤها، وأن هذا البلد لا يرغب فيهم، عكس يوسف الذي عاش أجمل سني حياته، وله جذوره العميقة في هذا البلد، لذا يحاول أن يقنعها انها ظروف طارئة وستعود الحياة الى ما كانت عليه من تآلف. كان يهرب من الواقع المر الذي يعيشه بتذكر حياته الجميلة التي عاشها سابقاً، وبإيمانه بان الله سوف لن يتخلى عن مؤمنيه، لكنه يذهب ضحية اقتحام أرعن لارهابيين الى احدى الكنائس في بغداد.
ليس من المستبعد ان شخصيتي الروايتين “إعجام” و”يا مريم” قريبة من سنان انطوان أو أن شخوصهما هم أقرباء أو أصدقاء، شهد بعضاً من الذي حدث لهم، أو هم أخبروه عنها، لكن “وحدها شجرة الرمان” من المستبعد ان تكون الشخصية “جواد – السارد” والمؤلف تربطهما علاقة ما ببعضهما، فالحدث الذي يقوم السارد بالحديث عنه بصيغة المتكلم، بعيدة عن المؤلف بكل الصور، لكنه أجادها أفضل من أي شخص آخر، تكلم عن ما كان يعيشه جواد “باعتقادي انه يرمز الى العراق” الذي يفقد كل اسباب بقائه مستمراً في حياته، فهو الفنان الذي يحلم بان يعيش حياة يمارس هوايته النحت والرسم بعد ان درسها اكاديميا، لكنه لا يجد عملاً بعد تخرجه من الدراسة، ويرفض أن يعيش على خطى والده في عمله، تغسيل الموتى وتكفينهم، ويفقد اخاه في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، والأكثر أن الذي تسبب بموت عشرات الآلاف في هذه الحرب عاد وعقد اتفاقاً على انهاء الحرب مع غريمه، فذهبت أرواح الضحايا ادراج الرياح. ثم يفقد أباه مـتأثرا بفقدان ابنه أموري في هذه الحرب العابثة، بينما ترحل غيداء وعائلتها ليهاجروا الى بلد آخر بسبب قتل والدها وتهجيرهم من مناطقهم.
لقد أجاد تصوير ما يعيشه العراق بعد 2003 وهذا طبيعي لأنه يعتقد “أن الذاكرة الجمعية مهمة في أي مجتمع، وتصبح أكثر أهمية في مجتمعات مرت بتجارب صعبة ودكتاتورية وحروب وغزو واحتلال وخراب، حيث يتوجب على المثقف أن يكون ناقدا للسلطة السياسية والاجتماعية وصوتا ينادي بالحرية”، وهذا واجبه كشخص واع ومثقف تجاه بلده، لكن هذه الامكانية الرائعة، التي استطاع ان يصوغ بها هذه الرواية ورواياته الإخرى، ولغته الرائعة التي تستطيع ان تأسر القارئ وتجعله يعيش اجواء الرواية، التي هي بعيدة بأجوائها وغريبة عليه بتفاصيلها!، لكنه استطاع ان ينجح في الالمام بكل دقائق هذه المهنة التي لا يعرف أغلب الناس عنها شيئا. وان يوثق المرحلة التي يمر بها العراق من خلال كتاباته توثيقا رائعاً، فالأدب خير من يحفظ الذاكرة. “هناك أشباح وأطياف تعاودني وحكايات تؤرقني ورغبة الكتابة تدفعني نحو محاولة اقتناص ما يمكن اقتناصه. ليس حنينا ولا استعادة لأي مجد لم يكن أساسا، وإنما هو استعادة أصوات وصور وأماكن اندثرت أو همشت”.

شاهد أيضاً

د. أفنان القاسم: وليد رباح أورويل العرب

أولاً) مثلما هي لدى جورج أورويل في “مزرعة الحيوانات”، تنتمي قصة وليد رباح “فأر في …

شعرية العتبات النصية
قراءة في المجموعة الشعرية (سماوات النص الغائم) للشاعر عمار كشيش
أمجد نجم الزيدي

تمثل المتعاليات النصية والعتبات مداخل اجرائية، يمكن لنا الاستعانة بها في قراءة المدونات الكتابية في …

أحمد الشطري: تقنية الاسترجاع في رواية قصر الثعلب لإبراهيم سبتي

في روايته (قصر الثعلب) الصادرة عن دار الفؤاد للنشر في القاهرة عام 2019، اعتمد القاص …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *