الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » كريم عبد الله هاشم : حين تطاير الرمل

كريم عبد الله هاشم : حين تطاير الرمل

karim abdullah hashemفي لحظة . .
ربما دقيقة . .
ربما ساعة . .
لايهم ، في أي وقت ، وأي مقدار من الزمن . .
انتفضت تلك المرأة السمراء بقامتها الطويلة وتفاصيل جسمها المكتنزة بما يتناسب مع طولها ، الممتلئة الخدين ، ذات الشعر الأسود الفاحم المتناثر بأهمال على كتفيها والذي تكور بعضه في فتحة ياقة الثوب حول رقبتها . .
شعرت بالغصة والأختناق . .
فأرتعدت ،
احتبست أنفاسها ،
وزمجرت . . زأرت كما اللبوة ،
اذ يستغيث زئيرها من جور اللحظة الراهنة ، أو وطأة الغفلة في زمن طويل انقضى وتسرب ، كبيت الرمل على بحر متقلب الأمواج الذي يتفتت ساعة بعد ساعة فتذروه الرياح ويتطاير . .
دارت بها الدنيا ، وتشقلبت جدران تلك الشقة الكائنة في الطابق التاني لبناية قديمة شبه متهالكة قد أكل عليها الزمن لتبدو جد عتيقة عما حولها من مباني . .
انتفضت فرائضها غضبا ،
أو ، سقما . .
أو ، جورا . .
حين شعرت للتو بالوحدة التي لم تشعر بها من قبل ، وانها منقطعة مع طفلتها على أرض جدا بعيدة ، بأنتظار حلم قد شعرت للتو بينها وبين نفسها بلا مقدمات ، أو ربما قد صحت للتو ، على ان هذا الحلم كبيت الرمل على الشاطيء اذ تطاير مع الريح وتلاشى . .
في دقائق . .
تأججت كل كوامنها ،
ضاق بها المدى . .
التهبت كل حواسها ، فأستنفرت بعد أن كان الخدر والخمول والرجاء يستولي عليها في مساحة ضيقة . .
بحثت عن منفذ تتنفس منه ،
أو ، رأس خيط لتمسكه . .
لافائدة . .
الرمل قد تطاير قبل الآن .
هكذا شعرت في أول ذلك المساء المتكرر من أيام الغربة والوحدة التي اغلقت عليها منذ
سنتين . . .
انتظار بلا فائدة . .
لاأمل يرتجى . .
لاشيء يستحق هذه العزلة والأنقطاع مع طفلة ترفة تم حرمانها من عوالم طفولية شتى لأجل غاية كانت ربما ستكون أفضل ، وربما اسوأ ، لم يعد ثمة من يعلم علم اليقين بعد الآن ، ووضعها كما المسجونة في هذه الشقة التي تآكلت بعض حيطانها في مدينة لم تألفها ، بأنتظار أن يأتي اليها من المدن القصية ويطير بها الى هناك ، ربما لتكون ككل زوجة حقيقية ، أو ربما كانت ستكون مجرد اضافة لديه بصفة زوجة يضيفها الى مايحوز عليه في تلك الأرض البعيدة ، حيث سيتاح لها أن تكمل مسيرة حياتها مع طفلتها في ذلك العالم البعيد الذي كما يقولون مليء بالراحة والأطمئنان والأسترخاء والحرية . .
لعله الحلم الذي لايستحق . .
ولعله الرجل الذي لايستحق . .
ولعلها وضعت نفسها في اطار لصورة رسمتها أيادي غيرها كانت باهتة اللون وضائعة المعالم ، بين ظلال كثيرة ظاهرة ولاتدري أين هي وسط تلك الألوان والظلال .
في أول ذلك المساء الشتوي من مساءات الأحياء الدمشقية ضاق الطوق حول عنقها ، واشتد الخناق على أنفاسها وخلجاتها ، وتداعت كل الرسومات والتخطيطات المتأملة أمام عينيها . .
فقررت كسر طوقها ،
وخلط رسوم اللوحة . .
العودة من جديد . .
سحب الأقدام ، والخروج من تشابكات الألوان المتقادحة على هذه اللوحة التي لم ترسم بصدق أو بعناية . . مجرد خلط ألوان وجمعها وان بتضاداتها وتعاكساتها داخل ذلك الأطار الذي قاد بها الى الركود مستكينة في تلك الشقة التي أكلت الرطوبة بعض أركانها ، بأنتظار أن تقاد بيده مستكينة الى الدنيا البعيدة ، لتفل له شعرها ، وتكشف عن جمال الأشياء المكتنزة لديها ، عل ذلك يثمر غدا أفضل على تلك الأرض القصية التي لاتعرف عنها شيئا ، وعلى أمل أن تجد نفسها وتجد لطفلتها الوحيدة الغد الأفضل الذي يتحدثون عنه ، ومستقر لحياة آمنة وهانئة . .
ولأجل ذلك المستقر الذي تتمناه وتنتظره بددت في غفلة ،
أو ، في ساعة صفاء ورضا . .
أو ، في ساعة المشي على أحلام رملية .
بددت مبلغ المال الذي كانت تحوزه من غنائم زوجها السابق المرحوم . .
لقد نفرت من برد أول ذلك المساء ، وشعرت بالنفور لبرد كل الأيام السابقة المنقضية هنا ، نفرت من صبرها وانتظارها وتساؤلات طفلتها الملحة :
– ماما وين راح نروح . .
– ماما متى نرجع ، آني ضايجة . .
– ماما وين بيتنا . .
– وين . . وين . . وين . . ماما ضايجه .
نفرت وشعرت بالملل وهي تقود بها يوميا الى محاولات الهائها والتنفيس عنها . . مرة ، اثر مرة . . حتى لم يعد بوسعها ، أو يتوفر لديها المزيد من الألهاء . .
في ذلك المساء ،
وجدت ان هذا الحلم كقبضة صغيرة من الرمل ، كانت تقبض عليها ، وسرعان ماتفتتت وتناثرت . .
ولأجله :
– عمي أبو عمار . . تعال الفجر رجعنا لبغداد . .
قطعت الهلوسات ،
والشك باليقين . .
اتصلت بمكتب النقليات واستدعت سائق تعرفه ، أبو عمار . . ونهضت تلم حقيبة العودة وهي تشعر بتمام الرضا والقناعة .
في أول هذا المساء ، وبينما الشارع يضج بالناس والأنوار والمارة ، بدأت بتوظيب حقيبة العودة . . وفي آخر هذا المساء ، عند أول خيوط الفجر ، بينما كانت هذه المدينة راقدة بهدوء وهناء ستكون قد غادرت عائدة الى حيث أول الخطوط ، وأول الألوان وبداية الأحلام التي كانت برسوم زاهية وقد تحولت كلها لأسباب متشابكة الى مجرد رمل يتفتت في قبضة اليد . .
العودة الى بغداد ،
حيث ثمة أم ،
وأخوات ،
وصديقات . .
متناثرات في بيوت بغدادية كثيرة .
وحيث توجد ، هناك ، في أفق المدينة البغدادية أعدادية المصطفى للبنات . .
أول الأشعار . .
والهمسات ،
والخلجات . .
كركرات الصبايا . .
وحياء العيون المقبلة على الدنيا بشهية ، أو ، طيش ، أو ، براءة . .
أو ، غفلة . .
رأت ان قرارها هذا كالصحوة من النوم ، بعد أن وجدت انها لم تأخذ من هذه الغربة غير الوعود المجردة غير الحقيقية ، والكلام الجميل المرتب الذي لاينفك أن يتبعثر عما قليل . .
– صبر . . بعد صبر . . انتظري أرتب الأمور وأجي آخذك .
هذا ماقاله لها غسان قبل سنتين ،
وقبل شهر ،
وقبل أسبوع ،
وقبل يومين . .
واليوم لايرد على تلفوناتها منذ الأمس .
فتناولت حقيبة العودة . .
لعلها الصحوة ،
أو الضجر، والملل من الأكاذيب التي تطفو من بين طيات الكلام المنمق .
خيبة أخرى من سلسلة الخيبات التي اعتادتها . .
قررت أن تقف الى هنا ، وتعود الى الوراء .
فأكملت رزم الحقيبة .
في ذلك الفجر الشتوي ، حيث يلسع البرد أطراف اليدين والأنف ويقرسهما بشدة . .
انحدرت سلمى راشد ذات الواحد وثلاثين عاما ، مع طفلتها ذات السبعة أعوام ، البيضاء ، النحيفة البنية ، بشعرها الأشقر الذي ينسدل حول رقبتها ، وعيناها السوداوان الدائريتان التي تغالب النعاس . . من شقتها في الطابق الثاني لبناية قديمة متهالكة .
حشرت نفسها مع طفلتها في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة التي استدعتها في أول هذا المساء ، بعد ان تم وضع حقيبة السفر الكبيرة وربطها في صندوق مؤخرة السيارة .
أيقنت انها نهاية هذا المطاف ، وخاتمة غير مرجوة للرحلة . .
لابد لها من أن تقطع مهزلة الوعود الكاذبة والتمنيات التي لم ترسم جيدا .
انطلقت بهم سيارة أبو عمار التاكسي الحديثة الطراز من منطقة جرمانا ، وهي تتهادى بين الشوارع والمدن الدمشقية التي لازالت نائمة بأتجاه طريق العودة المتجه الى بغداد .
هذه خاتمة الرحلة ،
والى هنا فليكف الضجيج عن رأسها . . وتتوقف المآرب الكثيرة التي تشابكت عليه .
شعرت ببعض الأسى وهي ترى طفلتها مرغمة على الأستجابة لها وتغالب النعاس الذي يستولي عليها ، فمدت كلتا يديها لتوسع لها مكانا وتزيح الحقيبة الصغيرة وبعض الملابس التي تتكوم بجانبهما على مقعد السيارة ، فتمددت الطفلة بعد ان اسندت رأسها الى فخذها ودثرتها بالثوب الذي كان الى جانبها :
– نامي حبيبتي رهف . . نامي ماما . .
فأغمضت رهف عينيها .
بعض من بقايا ظلام لازال يستولي على المدينة التي لازالت نائمة حيث كانت بعض الشرفات مضاءة والشبابيك موصدة مسدلة الستائر تنم عن هدوء تام . . لازالت الشوارع خالية الا من بعض السيارات التي تمرق بين الحين والآخر .
تهادت السيارة بين البيوت والبنايات المتراصة على جانبي الطريق ، وانطلقت تخرج شيئا فشيئا من المدينة نحو الأمتداد الطويل للطريق البري الخارجي .
انها نهاية الرحلة ، وخاتمة السباحة على الأمواج المضطربة التي وجدت نفسها في وسطها . .
موجة ترفعها ، وأخرى تضعها أو تنحدر بها الى محيط من الشكوك والهواجس والأفكار غير المألوفة .
كبحت صمتها وأناتها ،
انتفضت على السكينة والوحدة المملة المعبأة بالقسوة والأستسلام التي فرضت عليها بأنتظار طويل قد يقود في نهايته الى سراب ووهم . . كما الفرس التي ينتفض رأسها حين تستفز وتشهق نحو السماء ، فتترنح جدائل الشعر الكستنائي أو الأسود أوأي لون كان ذات اليمين وذات الشمال ، ثم تستكين الى قرار ما ، ودرب ما ، ترنو اليه بعينين كجيلتين واسعتين كالأفق الذي ستجمح نحوه عما قليل .
تطاير الغبار خلف عجلات تلك السيارة الحديثة المتجهة جهة العراق . . اتسع المدى وامتد الفضاء الخارجي ، ترامى الأفق المحيط بهم ، حين انسابت من بين الشوارع الضيقة للمدينة التي بدأت تصحو للتو وتمزق ماتبقى من الظلام وتهادت لتتوسط الطريق الدولي خارج نطاق المدينة .
كان الدفء المنبعث من مدفئة السيارة قد بعث لديهما الأرتياح ، اذ اغمضت رهف عينيها في نوم عميق .
أشرقت شمس الصباح في الآفاق المترامية التي يمتد فيها الطريق ، وبدت لها شاسعة ، فارغة الا من بعض أكوام حجر ونباتات متناثرة وشقوق ممتدة ودوارس متخلفة هنا وهناك على الجانبين .
تعالى صوت هدير محرك السيارة وهو يشق الهواء منطلقا في ذلك الطريق البري .
اتكأت سلمى راشد برأسها الى الخلف ، ولوت بعنقها صوب ابنتها . .
تعالى هدير المحرك أكثر . . الأنطلاق وشق الهواء صار أمضى وأسرع .
تطاير الغبارمن بقايا التراب الصحراوي على اسفلت الطريق الدولي العابر من دمشق الى بغداد ، وتطايرت معه بعض حشرجات الصدر الأنثوي ، وبعض الآهات الصماء المترسبة في الأعماق السحيقة التي كان يخرسها الأنتظار والأمل والصبر والتحسب بأناة وتفاني لأجل أن لاتكون العواقب مخيبة للآمال ، أو محل سخرية واستهجان . .
– أحسن أمرأة تضحك عليها بعلج وكلمتين حلوات .
هذه من أقوال غسان يوسف التي كان يطلقها بوقاحة وصلف منذ أيام كانوا في بغداد . . وهذا مايتردد صداه في أذنيها بين الفينة والأخرى ، وجل ماتخشاه انها التي أصبحت الأضحوكة والضحية للعلكة والكلمتين الحلوات وانها وضعت نفسها في الموضع الذي يثير السخرية والأستهجان . .
تتكيء برأسها أكثر ، يسري الدفء في مفاصل جسدها ، تسترخي على ظهر المقعد الخلفي للسيارة ، تضغط برأسها الى الخلف أكثر ، تغمض عينيها . .
تدفن خلف جفنيها المغمضتين مقبرة الروح والأشياء الضائعة . . سلسلة الأنتظارات التي لاتفضي الآ الى الفراغ ، والأنتظار المتجدد بوجه آخر . . ولعل هذا التراجع والعودة الى بغداد هي آخر الهزائم . .
آخر الأنكسارات . .
أو ، هزيمة أخرى ستتجدد وتأخذ وجها آخر . . تنحني ، تتعرج ، تتلولب ، لتأخذ شكلا آخر وتطل عليها برأسها من أبواب أخرى أو من نوافذ مختلفة . . لتأخذ منها أو تسلبها . . وهي تتدفق نحوها وتعطيها بسخاء . .
وعوضا عن أن تجني عيونا حانية مورقة اذ تتدفق لي عيون حبيبي ، يطل الخذلان من بين لحظات الغفلة والسكينة برأسه الأشعث من خلف العوالم غير المتوقعة وغير المحسوبة . . فكلما حاولت رسم الومضات الحلوة ووضع الرتوش الجميلة لها تتطاير وتذروها الرياح ، أو يجرفها الماء كبيت الرمل الصغير على حافة النهر . .
تضغط برأسها الى الوراء أكثر . .
تضغط على جفنيها أكثر . . لتقلب أوراق المقبرة . .
تعود أكثر ،
أبعد من هذا المكان المنطلق بها وسط تلك العربة الحديثة المتجهة صوب الماضي ، نحو الجذور .
تقلب بيوت الرمل في داخلها ، التي تطايرت أو التي لازالت تتطاير . . المقبرة . . أضلاع الرسم الذي وجدت نفسها وسط لوحته ولم ترسم أصابعها فيه غير تهويمات وايماءات من نعم ، ولا . . كلمات دميوية تنطقها وتسمعها للمحيط الذي يرسم لها . . وتقاد بعدها الى بيوت رملية .
ظلال المقبرة التي دفنت في صدرها ، خلف تجويفات الصدر والرأس والجفون التي تتكيء بهما على وسادة المقعد الخلفي لتلك العربة العائدة بها من حيث أتت قبل سنتين 000000000000
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000000 مبكرا تنطلق سلمى راشد مع جوقة الصبايا اللواتي يتهادين ناحية اليمين مرة ، وناحية الشمال مرة وهن يقطعن الشوارع الفرعية . .
يتلملمن من جوف المدينة ، ويخرجن من لب البيوت المتراصة في منطقة الصالحية بأتجاه اعدادية المصطفى للبنات في المربع السكني على الجهة المقابلة . .
يلتئم سرب حمامات صغيرة ،
فخاتي ، للتو ينبت أول الريش على أضلاعها . .
غزلان بغدادية صغيرة ، مبرومة الأطراف ، تورق الآن يافعة على أعتاب انوثة عراقية معبأة بالغزل ،
والنعاس ،
والرغبة ،
والحياء البنوتي العراقي الذي يشجي الصدور . .
يتلملم سرب القطا القادم . . يكركر بأنوثته المتبرعمة للتو . .
تتجه جوقة حمامات ذهبية صوب اعدادية المصطفى للبنات ، وتندس سلمى راشد وسط هذه الجوقة اليافعة ، بعينين مشرقتين بالأمل ، وصدر منشرح ، والفة انثوية شجية مع زميلات صفها ومدرستها . .
نحو شمس يسعين لتكون مشرقة . . . . . . .
السادس الأدبي في اعدادية المصطفى للبنات ،
بعد سنوات حلوة من رفقة الأعدادية مع بنات المنطقة والزميلات . .
اذ يتفرقن . .
ينتشرن في الآفاق ،
في الشتات القريب والبعيد . .
فيطل عليها والدها راشد الحساني في ذلك المساء الصيفي المشبع بالحر والصمت والرتابة ، يأتيها برأيه السديد :
– قحطان ابن يوسف ابن حلال . .
ينشق أفق الصمت . .
وكركرات الصبايا في اعدادية المصطفى التي تتحدث عن يوم مجهول لهن كهذا اليوم ، ودنيا قادمة لكل منهن . .
نهنهات الأنوثة اليافعة . .
أوان الخوض في هذه العوالم السرية . .
حان موعد القطاف .
فيتجسد من بين هذا الضباب وجه قحطان اليوسف ، وهو من أبناء هذه المنطقة ووالدها على معرفة وعلاقة بهم .
وتمتد آفاق القسمة والنصيب بعنقها من بين الأيام الخالية .
فيظهر قحطان ، ويصبح هو مودع ومحتوى تلك الأوزة الذهبية المبرومة الأطراف ، المتراصة بالأنوثة والعذوبة والأحلام . .
يقطفها . .
كانت سنوات هادئة ، حلوة ، رغم كل مافيها . . خضراء بشبق الوله والولع بالحديقة الغناء التي ازدهرت بين قحطان يوسف وزوجته سلمى راشد ، رغم فارق التعليم بينهما . فقحطان لم يكمل أكثر من مرحلة الدراسة الأبتدائية ، وتوجه للعمل مع أخيه غسان على سيارة
(( كوستر )) اشترياها بمساعدة والدهم وصارا يتناوبان العمل عليها في خط لنقل الركاب من باب المعظم مرورا بعلاوي الحلة ثم العامرية وبالعكس .
تورق تلك الحديقة بعد سنة عن وجه مزهر لطفلة جميلة ، رهف ، التي يتوسد رأسها الصغير الآن فخذ أمها وتغط في نوم عميق على اثر نعاس واجهاد ، متمددة فوق المقعد الخلفي لتلك السيارة المنطلقة من دمشق نحو بغداد . . . . . . .
يقفز قحطان من السكينة . .
يترنح عابرا حدود الحديقة ،
تتقد في صدره وذهنه آلاف الأمنيات التي لم تسنح لها الفرصة للتقافز والجري فيما مضى :
– سأعبر مرحلة وضيم هذه الكوستر . . التعب . . الرزق المحدود والكد والعناء . . حر تموز . . برد كانون . . لاشيء يستحق . . انها الفرصة الذهبية . .
فينطلق ،
اسوة بالكثير من شباب ورجال الحواسم الذين ظهروا فور سقوط الصنم .
تكونت مجموعة من مشتركي الرغبة والهدف بضمنها قحطان وأخاه غسان ، لفوا كل مايمكن لهم من الأشياء والمعدات والممتلكات من دوائر الدولة والأماكن التي أصبحت بلا حارس . .
قيل انهم حوسموا المعدات والعجلات العائدة الى دائرة الكهرباء القريبة .
فتغيرت بهما الحالة المادية بصورة مفاجئة . .
توفر بين أيديهم مال كثير يجري بصورة غير معتادة . .
وتوفرت مع هذا المال مشاكل واختلافات غير معروفة وغير معتادة ، قيل ان أطراف المجموعة قد اختلفوا بينهم ، وتناحروا . .
مشاكل مختلفة الوجوه ،
بين اعضاء هذه المجموعة ، وبين المحيط . .
تحدث بصورة غير معتادة . .
توفر مال ،
اعتلى ضجيج . .
اعتلى صراخ . .
تولد صداع . .
ركنت حافلة الكوستر مهملة على ركن من ساحة فارغة قريبة من البيت وصارت تحيط بها النفايات التي ترميها البيوت .
في ليلة ، أودع قحطان لديها ظرف مغلق في داخله رزم من دولارات وقال لها :
– ادفنيه . . هص . .
ودفنته .
بعد أربعة أيام لم يعد قحطان ، وجدوه بعد يومين متكوما على بعضه وقد انطوت يديه تحت جتثه وسط بحيرة دمه المتخثر في العراء البعيد عن منطقة سكناهم 000000000000 00000000000000000000000000 000000000000000000000000
0000000000000000000000 جاء سلطان الخيبة ، استولى على كل الأشياء . . ماأجملك مولاي وأنت تطل برأسك المشؤوم وعينيك الملونتين بالألوان الفاقعة المتبدلة بين الحين والآخر ،
كل حين بشكل ياسيدي ملك الخيبة ،
جندي الفشل والتدهور المطيع الذي يطاردني ويلهث خلفي . .
ينتزع مني بسرعة كل الساعات الحلوة .
يعبث بصدر انثوي مكتنز باللهفة ، وقلب مرهف بالرغبة للنسمة الربيعية ، تنتقل معي برفقة سرب من القطا من ذلك البيت في الصالحية الى أدراج صفوف اعدادية المصطفى لأجل أفق في الخيال ورسومات كثيرة ، لم تلبث الا أن تكون مجرد خيال مدفون في مقبرة الأشياء الكثيرة التي استسلمت بسهولة لدفنها منذ يوم ترك اعدادية المصطفى ومغادرة الدراسة الى الأبد للعيش في ظل قحطان يوسف وأنزوي مع ممتلكاته في تلك الحديقة الصغيرة التي بذلت كل جهدي وجاهدت في حمل نفسي على الرضا والصبر لكي تكون خضراء . .
ياسيدي السلطان الذي لم يتوقف عن العبث بي ،
الى أين تقودني . . ؟ . .
وأنا اليوم محمولة مع صغيرتي في هذه العربة ، على هذا الطريق البري الذي يشق الصحراء نحو بغداد 000000
00000000000000000000000000000000000000000000000000000000
0000000000000000000000000000000000 وأصبح غسان يتخفى . . يضيع نفسه بين الأقرباء والأصدقاء ، فعرفنا ان ثمة أمر كبير يخشاه ، قد يقوده الى حتفه كما قاد قحطان ,
فأنزوى غسان قليلا حتى فر الى خارج العراق .
صمتت الضوضاء ، وانقطع الضجيج عنهم .
فأستكانت سلمى راشد منقطعة مع طفلتها للأيام الرتيبة والفراغ . .
تأكل ، وتنام ، بعد ان عادت للعيش في بيت أبيها . وانقطعت عنها أخبار جولة قحطان وأخبار غسان . . .
بعد سنتين ونصف :
يمتد لها غسان بعنقه من الأفق البعيد . .
من مدن الضوء والراحة والبريق والسعادة والهدوء المتخيل . .
من مساحات الحرية والأحترام والسعادة التي كانت تتخيلها سلمى كغيرها في عنفوان الخيبة والصمت والركود والأيام الضائعة . .
اذ يكون الخارج انتشال . . الخارج منها مولود . .
ليهيئ لها غسان : انه وليد الضوء الجديد . . وليد النجاح المكلل في المدن القصية الجديدة التي سكنها وأقام بها في تلك السنتين . .
ليرسم لها رغد العيش والمستقبل الزاهر للطفلة . .
امتد غسان بعنقه أكثر :
– سلمى تصيرين زوجتي ، وأنا أولى بك وبالطفلة . .
كانت مفاجأة لها ، أمرا جديدا لأمرأة قد تعتقت كالخميرة في بيت أبيها . .
قلبت الفكرة لعدة أيام . .
لعله فجر جديد ،
شمس تشرق لها من بين الركود والأستسلام والبلاهة . .
لعلها فرصة لتتاح للطفلة آفاق جديدة أفضل في عالم أوسع . .
ارتسمت آفاق التخيلات ،
وأطلق العنان لتسرح بين مروجها . .
قالوا لها :
– أفضل لنا ولك ياابنتي ، ترتاحين ونطمئن عليك وعلى الطفلة ، غسان أخو المرحوم وهو أحرص من غيره عليها وعليك . .
وجدت من يحفزها ويؤيد الوتر الذي يدغدغ داخلها . .
وافقت . .
لن يتمكن غسان من الحضور الى بغداد ، فطلب منها تهيئة نفسها والسفر الى دمشق ، حيث سينتظرها هناك ويتممون كل شيء 0 0 00000000000000000000000000000
00000000000000000000000000000000000000000000000000000 0000000000000000000000000000 فكانت دمشق أول المدن في فصول الغربة التي تنتظرها ، وأول محطاتها . .
في نهاية شهر نيسان ، قبل سنتين جاءت سلمى راشد الى هنا ،
مدينة أخرى ،
ووجوه أخرى ،
تندس بينها ، منتظرة العبور من هنا الى حياة أفضل وغد أجمل .
كان غسان بأنتظارها في دمشق . .
احتفى بها وبالطفلة . .
استأجر لهما شقة مفروشة مؤقتا لحين ايجاد سكن ثابت لقضاء الفترة مابين وصولهم الى دمشق ومن ثم مغادرتها نحو أميركا عندما يكمل غسان أوراق دخولهما الى أميركا ،
تلك البلاد القصية . .
في اليوم التالي قادها الى المأذون الشرعي في المحكمة لأتمام عقد القران . . .
وجد لها بيتا في حي بسيط من أحياء دمشق بأيجار مناسب ، وهيأ لها المستلزمات البسيطة الضرورية ، فراش ، مستلزمات مطبخ واقامة قد تطول بعض الشيء :
– شكد . . شكد يعني . .
– شهرين ثلاثة ، بالزايد أربعة ، بين ما أكمل اجراءات دخولكم لأميركا . .
يخرج غسان كل صباح للمراجعات في دوائر لاتعلمها ، ويلتقي بأصدقاء خاصين به لاتعرفهم ، نادرا مايحدثها عنهم ، أو ترى أحدا منهم . .
كان لطيفا معهما ، يخرج معها ومع الطفلة أحيانا في أيام العطل وفي أوقات العصر للفسحة وزيارة أماكن متفرقة من دمشق لتذوق طعامها والتنفس بحدائقها وألعابها . .
فأستأنست سلمى راشد ، وشعرت بالأرتياح والأسترخاء للخطوة التي أقدمت عليها وهذا الباب الجميل الواسع الذي انفتح عليها من الأفق البعيد .
وضعت وراء ظهرها الحكايات التي تشابكت وانقضت في بغداد وأصبحت من الماضي الذي يجب أن يدفن بوجوهه وتفاصيله الجميلة أو المؤلمة ، ولتنظر الى أمام ، لتلتصق بوجه وتطلعات هذا الفتى المنقذ الذي سيقود بها وبطفلتها الى الشمس والضوء البعيد ، حيث مساحات الحلم الرغيد . .
كانت المدينة الدمشقية تتسع لأحلام سلمى وتمنحها المتنفس والهدوء لتقليب الأحلام والغايات في تلك الشقة الواقعة في الطابق الثاني لتلك البناية المتآكلة في القدم .
استقر غسان يوسف مع سلمى راشد لفترة تزيد على الشهر ، ثم أبلغها بنيته العودة الى أميركا لغرض تهيئة أمورهم هناك ومتابعة معاملة دخولهم في أميركا :
– بالسلامة ، بس لاتطول علينا . .
– أكيد ماراح أطول ، أكمل الآوراق وأرجع آخذكم .
وقد وعدها بحفل زفاف يليق بغربتها حين ستطأ أقدامها أميركا بين أصدقائه هناك .
غادر ،
بعد أن تناول منها ذلك الظرف الدفين الذي أودعه لديها قحطان في ذلك الزمان . .
– نحتاج ترتيب بيت لائق ومشروع عمل مناسب لوضعنا كعائلة .
ناولته ذلك الظرف المحشو بالدولارات المرزومة بعناية ، والذي كثيرا مادفنته وحرصت عليه .
حشر الظرف بين طيات الملابس في حقيبته ،
وأدار ظهره نحو جهة المغادرة . .
– بالسلامة . . لاتطول . .
ابتعد ذلك الظهر الذي تنتظر أن ينحني عليها في يوم قريب . .
لكن ذلك الظهر الذي كان يملأ الباب وهو يغادر صوب البعيد عن هنا ، لم يعد راجعا ويملأ الباب بوجهه صوب القادمين والمهتمين والذين يبحثون عن عظامهم . .
كثيرة كانت الوعود عبر أثير الهاتف . .
وكثير هو الكلام الجميل ، والرسوم المتخيلة . .
مرة أخرى ،
وجدت نفسها لوحدها ،
مع طفلة . .
لاأحد حولها ، في هذه المدينة الدمشقية التي تحنو عليها بالأمان ،
والصمت ،
والسكون . .
يتصل يوميا . .
يتصل كل أسبوع . .
تتصل به ، فيرد بأطمئنان :
– لاأتمكن من المجيء مشغول ، والمعاملة بعد ماخلصت . .
صيف ينقضي . .
وشتاء يحل ببرد يتسلل الى عمق روحها فيرسم لها ظلال هزيمة ربما ستأتي عما قريب . .
وصيف آخر يأتي . .
الأتصالات المتقطعة المتباعدة لازالت تحاول أن تبعث لها بعض رسائل اطمئنان .
وتبدأ بتلقط الأخبار من بعيد أو قريب . .
شتاء آخر يأتي ببرد يتسلل الى عمق القلق والتيه والحيرة . .
أخبروها :
انه لن يتمكن من تحقيق هذه الخطوة لهم ، لأنه فيما سبق كان قد حصل على اقامته في تلك البلدة الأمريكية بناء على زواجه من مواطنة أمريكية . . .
صدمها هذا الخبر الذي أخفاه عنها ، والذي لازال يكذبه وينفيه كلما واجهته به . .
لكن الطمأنينة قد غادرت ،
والوعود لم تعد تفي لخلق الأرتياح لديها . .
حتى ضاقت ذرعا بكل شيء . .
انتفضت لتمزق هذه الألوان المرسومة على لوحة من سراب . .
كان رأس سلمى راشد يتكيء ثقيلا ، مشوشا ، على المقعد الخلفي للسيارة المنطلقة بهم وسط تلك الصحراء . . كان صدرها يتحشرج بسحابة طويلة داكنة من الأسى والخذلان . . هل تجرأ غسان على حكايته الساذجة السخيفة التي يكررها فيما قبل . . ؟ . .
هل انطلت عليها خديعة العلك والكلمتين الحلوتين ، وكان الهدف من وراء كل هذا هو ذلك الظرف الذي رزمت فيه دولارات لاتعرف مصدرها . . ؟ . .
هل وصل غسان ابن يوسف البغدادي الى هذه المرحلة من الأستهتار والتهتك . . ؟ . .
فتحت سلمى راشد عينيها على اثر اغفاءة بسيطة بعد ان استولى الدفء على كل مفاصلها . .
– عمي أبو عمار وين وصلنا ؟ .
– بعد ربع ساعة ندخل الحدود العراقية ؟ .
مدت يدها ، تلمست صدر طفلتها ورقبتها الممتدة على فخذها ، فنهضت الطفلة برأسها الصغير كرأس قطة تنهض من تحت دثار . .
– ماما جوعانة . .
فمدت سلمى يدها الى الحقيبة الصغيرة القريبة منها وأخرجت (( اللفة )) التي هيأتها لها في فجر هذا اليوم .
كريم عبدالله هاشم
Kareem_pen@yahoo,com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *