عصام القدسي : ما حصل حقاً ..

osam alkodsi 2انتبه لنفسه ، فوجد صعوبة في إدراك ما حوله. لقد كان ذهنه مشوشاً، وعيناه زائغتين.لاشك انه تلقى صدمة قاسية .وأمعن النظر جيدا، فأصابه مزيد من الذهول ، انه في مكان يجهله ، ينام على الأرض في زاوية من غرفة صغيرة قذرة ، انتشرت على جدرانها المتسخة رسوم وخطوط مشوهة وكتابات ساذجة. ترى أين هو.؟ وما الذي أتى به إلى هذا المكان .ورمى ببصره نحو مدخل الغرفة ، فرأى بابا صغيرا من القضبان يقف عليها حارس متجهم ، إذن هو في زنزانة سجن .ورأى على مقربة منه رجلين لا يعرفهما .وتحسس لحيته فوجدها كثة و أدرك انه ها هنا منذ أيام . إذن هو لم يكن يحلم كما كان يظن .وحاول أن يجد تفسيرا معقولا لما يحصل . وجعل يشحذ ذاكرته عله يتذكر. انه رجل شاء أن يحيا حرا فارتأى حريته في أن يمضي وحيدا بلا أسرة ولا معارف ولا أصدقاء. ولكونه يختلف عن الآخرين ، فهو يتصرف دائما بما يمليه عليه هواه. فتراه لا يستقر في عمل حتى يهجره إلى آخر .ولا يحل في مكان حتى يغادره إلى نزل أو غرفة أو فندق ، وإذا ما حاصرته الرغبة فانه يعرف اين تأخذه قدماه. وقد يحس بالحزن أو الضجر، عند ذلك يمضى إلى حانة نكرة ، تقع في ركن خامل من المدينة يرتمي في أحضانها، فيشرب ويشرب حتى ينسى، ويعود آخر الليل إلى مأواه خلسة فلا ينتبه أحد لما هو فيه. ليستيقظ في صباح اليوم التالي متفائلا نشيطا ً، فيواصل عمله بهمة عالية . هكذا هو دائما ،منهمك في شؤونه ، حتى تراه غافلا عما يجري من حوله . يعترف انه يكون ، أحيانا عصبي المزاج .لسبب لايعرفه. ويعترف أيضا انه طالما اختلف مع البعض .ومع هذا فهو يلحق ما يبدر منه بالاعتذار. مثلما ينسى إساءة الآخرين له ، بسرعة. بالإضافة إلى أن خلافاته لم تكن سيئة للدرجة التي قد تدفع أحدا منهم أن يبغضه أو يكيد له لعلمهم انه طيب القلب، سليم النية. وانتبه تماما إلى الرجلين اللذين بالقرب منه ، فلاحظ أنهما يفترشان الأرض ويتحادثان بحدة وبكلمات مبهمة . أراد أن يسألهما إذا ما كانا يعلمان سبب وجوده هنا . ولكنه لم يتمكن لشدة انشغالهما . وتأمل الحارس الذي يقف عند الباب فتصور انه وجد الجواب لتساؤله ، هتف به من مكانه عند زاوية الجدار ثم نهض بسرعة واقترب من الباب حتى دس انفه بين القضبان لكن ثمة شخصا نادى على الحارس ، فغادر مكانه مهرولا حتى اختفى في الرواق ، الذي يمتد أمام ناظره .فعاد إلى الرجلين يسألهما ، فلم يولياه أدنى اهتمام وظلا يتكلمان بصوت عال. ولاحظ أن لغتهما غريبة لا يفهمها ، وحاول مع نفسه ان يتكهن بالموضوع الذي يشغلهما ففشل. و برغم الدوار الذي يشده إلى الأرض ، فقد راح يجهد ذهنه محاولا استعراض وقائع حصلت له بالأمس وقبل الأمس وقبل ، علّه يتذكر ما ارتكب من جرم . ومرق في هذه اللحظة من أمامه شرطي ، فترك الرجلين لشأنهما وهرع إلى الباب يناديه بإلحاح . انتبه الشرطي إلى ندائه، فالتفت اليه. سأله بضيق عن سبب صراخه :
ـ أرجوك.. اقترب قليلا.
دنا الشرطي منه وبلهجة ساخرة :
ـ ماذا تريد..؟
ـ أريد أن أسألك.
ـ تفضل.
ـ لماذا أنا هنا..؟
رد عليه الشرطي بسرعة ودون مبالاة
ـ لماذا أنت هنا..؟؟ سؤال غريب ..لاشك انك أدرى بذلك..
قال كلماته تلك، ومضى .عاد إلى مكانه في زاوية الغرفة وهو يراقب الرجلين وهما مازالا يتكلمان دون توقف .ثم رأى أحدهما يبكي ثم يجهش بالبكاء. بينما راح الآخر يحاول تهدئته وهو يشير نحوه مما جعل يتساءل عن علاقته بهما. ولم تمض دقائق حتى حضر رجل وقف أمام باب الزنزانة ، وراح ينادي بلغة مشابهة للغة الرجلين دون ان ينتبه لوجوده . هرع الرجلان وانضما إليه ، ومضى الرجال الثلاثة يتبادلون الكلام من خلال القضبان .أراد أن يتحدث إلى الرجل الذي قدم للتو بالإشارة. فرد عليه الرجل وهو يبتسم:
ـ مرحبا .. المعذرة لم انتبه لوجودك.
ـ ما شأنهما؟
ـ انهما غريبان جيء بهما بسبب دخولهما البلدة دون أوراق رسمية .
ـ أما أنا فلا اعرف سبب وجودي هنا.
ـ غير معقول..
ـ صدقني.. ليتك تستطيع مساعدتي..
ـ سأبذل ما بوسعي..
حالما انتهى الرجل من حديثه إلى الغريبين أشار له أن يمهله دقائق حتى يعود .ثم تركه ينتظر وتوجه نحو غرفة الضابط المسؤول .غاب طويلا مما جعل القلق يتسرب إلى نفسه وحينما عاد ، كان لم يزل يقف لصق القضبان واللهفة بادية في نظراته .فهو مستعد أن يدفع نصف عمره لمعرفة سبب وجوده هنا.
ـ هه ..ماذا تبين..؟
حملق الرجل فيه بحنق وهز رأسه وانصرف دون أن يتفوه بكلمة. أصابه الهلع فجأة. ترى ما الذي فعله؟لابد انه ارتكب جرما شنيعا يستحق عليه الموت وأسِف لأنه ليس هناك من يقف إلى جانبه في محنته.ولمح شخصا طالما ظن انه شاهده من قبل. رآه يحوم بناظريه في الرواق ،نادى عليه، فعرفه بسرعة لذا توجه نحوه سأله الشخص بقلق:
ـ ما الذي حصل بالضبط..؟
ـ ليتك تخبرني أنت بما حصل.. فقد تنبهت من نومي فوجدت نفسي هاهنا مشوشا ، مضطرب البال ، لا اعرف رأسي من قدمي.
ـ قبل أيام ، سمعت من أحد الأشخاص…
ـ وماذا سمعت..؟
ـ مجرد تخمين .
ـ وماذا قال .؟
ـ كلاما هراء .
ـ كيف..؟
ـ لا تشغل بالك ، فلا أظن الأمر خطيرا لهذه الدرجة.
ـ أرجو ذلك..
ـ تحتاج لشيء..؟
ـ لم أعد بحاجة لشيء ، سوى الخروج من هنا..
و تلفت الشخص ثم قال مستأذناً .
ـ سأعود إليك فيما بعد.
وعاد إلى مكانه عند زاوية الجدار ، بينما راح عقله يدور باحثا في كل الاتجاهات عن خطأ ارتكبه . ورأى شرطيا يحتضن ملفاً ، يمر من أمامه مسرعا. ثم لم يلبث ان دخل عليه الحارس الذي كان يقف بباب الزنزانة. وضع القيد في يده وقاده عبر الرواق المفضي إلى غرفة الضابط . كان الضابط يجلس منتصب الهامة خلف منضدة حديدية في الغرفة ، بينما جلس أمامه لصق المنضدة ، رجل يستند بذراعه على حافتها، وقد بدا أنيق الملبس تدل هيئته على الوجاهة ونظراته على الثقة والاعتداد بالنفس ، ما أن وقع بصر الرجل عليه ، حتى راح يتبادل مع الضابط نظرات ذات مغزى وهو ينقر وجه المنضدة برؤوس أصابعه . عندها أشار الضابط برأسه
فجذبه الحارس من يده واستدار به عائدا إلى زنزانته .هتف بأسى ـ ما الذي يحصل بالضبط..؟؟
فأجابه الضابط ساخرا: ـ بل قل ما حصل حقاً..
في الزاوية من غرفة الزنزانة ، على الأرض كان يغمض عينيه ويتذكر ما حصل شيئا فشيئا ، ويفزع. ليعود يحلم أن يتحول إلى نسر أسطوري يخترق سقف الزنزانة ويهرب إلى الفضاء البعيد.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| كفاح الزهاوي : مجلس العظماء.

    دخلت قاعة التهريج، رأيت القرود مجتمعين، متوضئين وملء أشداقهم أصداء ضحكات هازئة تتعالى مستهينة …

| حسين أحمد : ذكريات مرَة – المهجع رقم ( 3 )  ..!!

     يبدو للنزيل الحديث وللوهلة الأولى إنه عالم آخر مغاير عن الحياة الطبيعية العامة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.