فاطمة الفلاحي: ساعة الصفر

عزف عني كل شيء جميل ،حتى الحب امتهن الصمت والهرب بعيدا عني ،فهاجمتني كآبة سافرة حين استدرجت من قبل صديقه لموضوع الحرب . فلذت بغياب فكري عن واقع الحال .
أما ندى أخذت الموضوع على محمل الجد ، سينتظر أخوها دوره، ليطبق عليه فكا الموت ، هكذا تدمدم .
التقينا جميعا في بيت صديقه سعد إلا هو. قد جاء متاخرا بساعة عن الموعد .
قال : اغفروا لي هفوتي بنسيان الموعد . نافثا دخان سيجارته بتسلي ، غير مبالي بالاناشيد الوطنية التي ما ان تذاع يعني ذلك ان الموت قادم ، والحياة ستنقلب راسا على عقب .
سألته بعصبية واضحة : اما يثيرك ما يجري ؟
– وماالذي يحدث ليثيرني !
– انها الحرب
– وان يكن .. لنا ظهور جلدة ،لاتبتأسي فهي زادتني عمرا على عمري ، أما ترين الشيب قد غزى مفرقي . وانا على مشارف الاربعينيات ولم اتمكن من الزواج منك . أذن أضيفي سنوات الحرب القادمة .
تدخل سعد لينقذ الموقف : دعونا نفكر كيف سنحتفل بزواجكما قبل ان تغادرنا لجبهات القتال .
– اي زواج سعد! ، الامر مفروغ منه ، انه الموت المحتم .
كان نشيج بكاء ندى واهتزاز كتفيها ، يزيدني رعبا من القادم . التفتَ صوبها قائلا : ارجوك كفي ، لان البكاء يزيدني بؤسا ، انتبهي للامر لاتكرريه او تفتحي الموضوع امام والدتنا .. نظرت اليه وكانها تنظر له اخر مرة ، تريد ان تكتنز عينيها تفاصيله . عاد ليحدثني بصوت مسموع ، قررت اليوم ان نسترد الخواتم ، ولنبقى اصدقاء ، وان عدت سالما بعد انتهاء الحرب ، هذا ان انتظرتي رجوعي . سنلبس الخواتم مرة اخرى .

أثار الامر حفيظة سعد ، ما ان رأى تقاطر دموعي وامتهاني للصمت ، قائلا : مابالك لم ارك قنوطا بهذا الشكل؟ ، كلنا معك سنذهب وان اختلفت مواقعنا القتالية ، كونك طبيب سيكون موقعك اخطر منا .. لكننا سنعود بالاجازات لاهلينا .
لم ننتبه للوقت ، سرقنا وتجاوز بنا الساعة الثانية ، وكانت هي ساعة الصفر ، دوت اصوات الصواريخ ، خارقة سماء بغداد الجميلة
وكانها تعبرنا ، زاد اقترابها منا ، اصمنا صوت الانفجار وعفرتنا رائحة التراب ، بت لا اسمع صوتا لاحدهم . خفت ان امد يدي لاتحسس من حولي ،وان لزوجة قد أطبقت على شفتي وملوحة الدم تستفزني ، وملابسي مبتلة ، شعرت بقرسة برد وبقوة الهواء في المنزل.. لااعلم هل من شدة الانفجار ، اقتلعت الابواب ام كان استهدافاً لبيت سعد المجاور للمستشفى العسكري ؟ بقيت دون حراك هلعة ، لحين رؤيتي لاول خيط من الصباح .. تلمست جسدي لارى من اين انزف ؟ وجدت جثته هامدة ، وخاتمي بيدي ، وخاتمه يحتضن بُنصري، وشظية تستقي دم قلبه ، واخرى نحرت عنق سعد ، وندى تئن بصمت ، تحت جثة سعد.
___________________
المجموعة القصصية – حرائق حرب

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *