طلال حسن : الخشف (رواية للأطفال)

 

talal hasan” 1 “

انصرف قطيع الغزلان ، وعلى رأسه الغزال الضخم، منذ الصباح الباكر ، إلى رعي ما تبقى من العشب، على امتداد السهل . والخشوف الصغيرة تحوم حول أمهاتها ، وتلتقم ضروعها ، بين الحين والآخر ، وترضع لعلها تشبع ، وأنّى لها ذلك وأمهاتها نفسها لا تكاد تشبع ؟
وتناهى إلى الغزال ، خفق أجنحة عديدة ، إنه سرب آخر من البط ، هكذا فكر . ورفع رأسه ، وقرناه الحادان خنجران متأهبان للطعان . وبالفعل رأى سرباً من البط ، تتقدمه بطة كبيرة ، متجهاً نحو الجنوب ، عبر سماء ترقطها غيوم متباعدة .
والتفت نحو القطيع ، رامقاً إياه بنظرة خاطفة . كان عدد كبير من الإناث ، منهمكات في رعي تلك الأعشاب الشحيحة ، حتى لا تكاد تلتفت إلى خشوفها الصغيرة ، التي كانت تحوم حولها .
وعلى عادته ، سار يتبختر بين الإناث والخشوف ، دون أن يلتفت إلى أحد ، وقرناه الخنجران يلمعان في الشمس. وكفت الغزالة العجوز عن قضم العشب ، عندما لمحته مقبلاً ، لكنها لم ترفع عينيها الشائختين إليه .
وتوقف على مقربة منها صامتاً ، ومرّ سرب آخر من البط ، فرفع رأسه ، وقال : منذ أيام ، وأسراب البط تتجه نحو الجنوب .
وتطلعت الغزالة العجوز ، بعينيها الشائختين ، إلى سرب البط ، وقالت : لا عجب ، فهذا موسم الهجرة .
وتلفت الغزال حوله ، وقال : العشب قلّ هنا كثيراً ، وربما علينا أن نتجه إلى الجنوب نحن أيضاً .
ولأن الغزال العجوز ، تعرف أنه يريد رأيها ، فإنها قالت على الفور : كلما أسرعنا كان أفضل .
ورمق الغزال بنظرة خاطفة ، غزالة فتية كانت تتشاغل برعي العشب ، على مسافة منها ، وقال : نعم هذا أفضل.
واقترب من الغزالة العجوز، وتساءل قائلاً : كيف حالها؟
وردت الغزالة العجوز : كما نراها ، مازالت حزينة .
ونظر الغزال بعيداً ، وقال : ستنسى .
فقالت الغزالة العجوز : إنها غزالة فتية ، وكان هذا صغيرها الأول .
وتأهب الغزال لمواصلة السير ، وهو يقول : الخطأ خطأها ، فلو لم تستغرق في النوم لما ابتعد صغيرها عنها ، واختطفه الذئب .
ومضى يتبختر بين الإناث والخشوف ، عائداً إلى مكانه في مقدمة القطيع . والتفتت الغزالة العجوز إلى الغزالة الفتية ، التي أطرقت رأسها ، والدموع تغرق عينيها ، فاقتربت منها ، وقالت : بنيتي .
وحاولت الغزالة الفتية ، أن تكتم بكاءها ، دون جدوى ، وهي تقول : لقد سمعته ، إنه على حق ، الخطأ خطئي .
واحتضنتها الغزالة العجوز ، وقالت : لست الغزالة الوحيدة ، التي فقدت صغيرها ، تصبّري يا بنيتي ، مازلت غزالة فتية، وسيكون لك الكثير من الصغار .
وأجهشت الغزالة بالبكاء ، وقالت : لم أنسَ صغيري ، ولن أنساه ، مدى الحياة .
ورفعت رأسها ، وفي عينيها الغارقتين بالدموع ،التماعة غريبة ، وتمتمت بصوت خافت ، لا يكاد يُسمع : لكن من يقول أنه ليس موجوداً ، نعم ، ربما هو موجود .
” 2 “

أوى أفراد القطيع ، منذ أن غابت الشمس ، إلى مضاجعهم . وجثم الصغار بجانب أمهاتهم ، مستمدين منهنّ الدفء والأمان .بينما جثم الغزال في المقدمة ، وراح يتلفت حوله ، منصتاً إلى ما يدور في الجوار ، فقد سمع البارحة ، عند منتصف الليل ، الذئب يعوي من بعيد . وأغمض عينيه ، حين تأكد أنّ الجميع قد استغرقوا في نوم عميق .
ومع تقدم الليل ، طافت أحلام كثيرة ، في مخيلات الإناث ، والخشوف، وحتى الغزال ، ولم تكن تلك الأحلام وردية كلها ، فقد كانت لا تخلو من منغصات ومصاعب ، ومواجهات عنيفة ، مع الأفاعي والذئاب والضباع ، والنسور الضخمة الشرسة ، التي كانت تخطف الخشوف ، من أحضان أمهاتها .
وفي وقت متأخر من الليل ، راحت الغزالة تتقلب مضطربة في مضجعها ، وبدا كأنها تعاني من كابوس خانق ، ثمّ هبت صارخة : خشفي .
وأفاقت العديد من الإناث ، وكذلك بعض الصغار ، لكنهم لبثوا في مضاجعهم ، ينصتون ويترقبون في خوف وقلق. ونهضت الغزالة العجوز ، وأسرعت إلى الغزالة، وقالت : بنيتي ، اهدئي ، هذا كابوس .
وتلفتت الغزالة حولها ، وقد اشتدت في عينيها تلك الإلتماعة الغريبة ، وراحت تتمتم : خشفي .. خشفي .
ورفع الغزال رأسه غاضباً ، وخاطب الغزالة بحزم : أيتها الغزالة ، أنت تقلقين القطيع بصراخك ، عودي إلى النوم .
ومالت الغزالة العجوز عليها ، وقالت بصوت هامس : تعالي يا عزيزتي ، نامي ، لعلك ترتاحين .
وثوت الغزالة في مضجعها ، وهي تتمتم بصوت محموم : خشفي .. خشفي .. خشفي .
وربتت الغزالة العجوز على رأسها ، وقالت : كفى يا بنيتي ، هذا قدرك ، لقد رحل خشفك ، ولن ..
وقاطعتها قائلة ، وعيناها تلمعان : كلا ، خشفي لم يرحل، إنه موجود .
وتمتمت الغزالة العجوز مذهولة : بنيتي .
وتابعت الغزالة قائلة : لا تقولي ، إنّ الذئب قد اختطفه ، خشفي موجود ، وسأعثر عليه .
ولاذت الغزالة العجوز بالصمت ، وقد بدا عليها التأثر ، ثم قالت : الأفضل أن تنامي ، يا عزيزتي ، وترتاحي .
وهنا ارتفع من بعيد ، ما يشبه العواء ، فرفعت الغزالة رأسها ، وعيناها تلمعان ، وقالت : الذئب .
وهزت الغزالة العجوز رأسها ، وقالت : لا يا عزيزتي ، هذا ليس الذئب ، إنها الريح ، تعوي من بعيد .
ثم أضافت ، وهي تتأهب للعودة إلى مكانها : الوقت متأخر الآن ، نامي يا عزيزتي ، نامي .
وجثت في مكانها ، ولم تستسلم للنوم ، حتى رأت الغزالة الفتية تغمض عينيها ، وتهدأ تماماً ، وبدا لها أنها استغرقت في النوم ، ومن أين لها أن تعرف ، أنّ الغزالة لم ولن تنام .

” 3 “

أفاق الغزال كالعادة ، قبل شروق الشمس ، وألقى نظرة على القطيع ، الذي كان يغط في نوم عميق ، ثم رفع رأسه ، وصاح : موووو .
وعلى الفور ، أفاقت الإناث ، وهبت من مضاجعها ، وراحت كلّ أمّ تحاول إيقاظ صغيرها ، فقد حان وقت البحث عن الطعام ، ليسدوا به بعض جوعهم ، ريثما يرحلون إلى الأرض المنشودة ، حيث الدفء والماء والطعام الوفير .
وفتحت الغزالة العجوز عينيها ، وتطلعت إلى حيث تجثم الغزالة ، وهبت واقفة ، وقلبها يخفق بشدة ، إذ لم تكن الغزالة موجودة في مجثمها . وتلفتت حولها ، ثم سارت مسرعة عن أفراد القطيع ، باحثة عن الغزالة ، لكنها لم تعثر لها على أثر .
ومن المقدمة ، صاح الغزال بأعلى صوته : تهيؤا ، لنبدأ السير ، ونبحث في الجوار ، عن مرعى مناسب .
وقبل أن يخطو خطوة ، أسرعت الغزالة العجوز إليه ، وقالت لاهثة : لحظة أرجوك ، لحظة .
والتفتت الغزال إليها ، وقال : الشمس ستشرق بعد قليل ، ولابد أن نبحث عن الطعام ، فالجميع جياع .
وقالت الغزالة مترددة : الغزالة ..
وحدق الغزال فيها ، وبوادر الغضب تبدو في عينيه ، فأضافت قائلة كأنها تعتذر : ليست موجودة .
وأشاح الغزال بعينيه الغاضبتين عنها ، وقال : لقد جنت هذه الغزالة .
وتطلعت الغزالة العجوز إليه بشيء من الرجاء ، وقالت : لعلها مضت تبحث عن صغيرها .
وردّ الغزال قائلاً : لكن صغيرها رحل إلى الأبد ، لقد اختطفه الذئب .
ومالت الغزالة العجوز برأسها منكسرة ، ثم قالت : نعم ، أنت محق ، لكن هذا ما لا تريد الغزالة أن تصدقه .
وأشاح الغزال بعينيه الغاضبتين عنها ، وقال : ليكن ، لا تصدق ، إنه شأنها ، لكن هذا لن يغير شيئاً من الحقيقة .
وصمت لحظة ، ثم قال : إنني مسؤول عن قطيع ، فيه العشرات من الإناث والخشوف ، ولابد أن أحميهم ، وأقودهم إلى حيث يرعون ويشبعون .
وأطرقت الغزالة العجوز رأسها ، فقال الغزال بشيء من اللين : لن نبتعد اليوم كثيراً عن هذا المكان ، لكننا سنرحل قبل شروق الشمس ، نحو الجنوب ، سواء عادت الغزالة أو لم تعد .
ولاذت الغزالة العجوز بالصمت ، فتقدم الغزال القطيع ، وهو يصيح بأعلى صوته : هيا جميعاً ، اتبعوني .
وعلى الفور ، تحرك القطيع ، إناثاً وخشوفاً، وساروا في أثره ، وسرعان ما تحركت الغزالة العجوز ، وسارت تتبع القطيع .
” 4 “

توقف الغزال ، قبيل المساء ، عن قضم بقايا العشب، والتفت إلى القطيع ، وصاح : توقفوا ، سيحل الظلام قريباً ، ومن الأفضل أن نقضي الليل هنا .
وعلى الفور ، توقف القطيع ، ولاذ كلّ خشف بأمه ، وهو يثغو أو يندس بين ساقيها الخلفيتين، ويلتقم ضرعها، ويرضع منه . وتسللت الغزالة العجوز إلى مؤخرة القطيع ، وراحت تبحث بعينيها الشائختين في ما حولها ، لعلها ترى الغزالة مقبلة .
وما إن حلّ الظلام ، حتى جثا القطيع في مضاجعه ، وسرعان ما استسلموا للنوم . وحاولت الغزالة العجوز أن تقاوم النعاس ، على أمل أن ترى الغزالة تعود سالمة، وتلتحق بالقطيع . وكاد النعاس يغلبها ، حين تناهى إليها من قلب الظلام وقع أقدام الغزالة مقبلة . وهبت واقفة ، وقد اتسعت عيناها ، فالغزالة لم تكن وحدها ، وإنما كان معها خشف ، يا إلهي ، أهو خشفها ؟ لا يمكن، فخشفها قد اختطفه الذئب .
وقبل أن تصل الغزالة والخشف مضجع القطيع ، حتى هبّ الغزال ، ومعه هبّ القطيع ، وسرعان ما أحاطوا بالغزالة والخشف ، الذي كان معها . وحدق الغزال في الغزالة والخشف ، وقد ساد الصمت والترقب والحذر جميع أفراد القطيع .
ووقفت الغزالة العجوز ، وقلبها يخفق بشدة ، تنتظر متوجسة ما قد يحدث . وأشار الغزال إلى الخشف ، وقال : هذا خشف غريب ، ولابد أنك سرقته .
وردت الغزالة محتجة : كلا ، لم أسرقه .
وتطلعت حولها مستغيثة ، ثم قالت بصوت متحشرج : إنه خشفي .
وأشاح الغزال بوجهه عنها ، وقال : أعيديه إلى أمه .
وانبثقت الدموع من عيني الغزالة ، وهي تقول : كلا ، لن أعيده أنا أمه .
والتفت الغزال إليها ، وقال بحزم : خذيه بعيداً ، ولا تعودي إلينا إلا وحدك .
ولاذت الغزالة بالصمت حائرة ، لا تدري ماذا تفعل ، فصاح الغزال : اذهبي .
وتململت الغزالة ، والدموع تغرق عينيها ، ثم دفعت الخشف برفق ، وقالت : هيا بنيّ ، لنذهب .
مضت الغزالة مبتعدة بالخشف ، وظل الجميع يتابعونها، حتى تواريا في الظلام . والتفت الغزال إلى القطيع ، وقال : الوقت متأخر ، عودوا إلى النوم .
وفي الحال ، تفرق أفراد القطيع ، وعاد كلّ منهم إلى مضجعه ، عدا الغزالة العجوز ، التي لبثت جامدة في مكانها . ونظر الغزال إليها ، وقال : أنت متعبة ، نامي الآن ، فعلينا أن نبدأ غداً ، منذ الفجر المسيرة نحو الأرض المنشودة .
ومضى الغزال إلى مكانه المعهود ، في مقدمة القطيع ، لينام هو الآخر . وجثت الغزالة ، وأغمضت عينيها ، لكنها لم تنم ، وكيف تنام وهي مشغولة هذه المرة ، لا بالغزالة وحدها ، وإنما بالخشف أيضاً ؟

” 5 “

نهضت الغزالة العجوز ، عند منتصف الليل ، وتسللت على ضوء الهلال الشاحب ، وبخطى لا تكاد تسمع ، إلى حيث اتجهت الغزالة والخشف .
وكما توقعت ، لم تمض ِ الغزالة بعيداً عن مضجع القطيع ، فها هي ترقد ، والخشف إلى جانبها ، قرب شجرة ضخمة .
وما إن أحست الغزالة بوقع أقدام مريبة ، تتجه نحوها من الظلام ، حتى هبت من مكانها ، ووقفت متوجسة متأهبة للدفاع عن الخشف . ولم تهدأ وتطمئن إلا حين تبينت الغزالة العجوز ، على ضوء الهلال الشاحب ، وهي تتجه نحوها .
وتوقفت الغزالة العجوز لاهثة على مقربة منها ، وراحت تتأمل الخشف ، ثم نظرت إلى الغزالة ، وقالت : بنيتي ، إنني بمثابة أمك .
وقاطعتها الغزالة قائلة : دعك من هذه اللهجة ، إنني أعرف من أرسلك إليّ .
وردت الغزالة العجوز قائلة : صدقيني ، يا بنيتي ، لم يرسلني أحد إليك .
وحدقت الغزالة فيها مترددة ، ثم قالت : بل أرسلك الغزال ، إنني أعرفه .
وقالت الغزالة العجوز : لو عرف الغزال إنني هنا لما نجوت من عقابه .
وتمتمت الغزالة : هذا الظالم .
واقتربت الغزالة العجوز من الخشف ، وراحت تتأمله ثانية ، ثم قالت : إنه رقيق وجميل ، لكنه لا يشبهنا .
ورفعت عينيها الشائختين إلى الغزالة ، وقالت : بنيتي ، صارحيني بالحقيقة .
وأطرقت الغزالة لحظة ، ثم قالت : مهما يكن فهو خشف صغير ، إنه بحاجة إليّ ، وأنا بحاجة إليه .
ولاذت الغزالة العجوز بالصمت ، فتابعت الغزالة قائلة : إنني أمّ ، وأعرف معنى الفقدان ، أنا لم أسرقه من أحد ، ولم أغتصبه من أحد ، وجدته وحيداً تائهاً ، وخفت أن يفتك به ذئب أو ضبع أو نمر أو ..
وصمتت الغزالة مغالبة انفعالها ودموعها ، فقالت الغزالة العجوز : إنني أصدقك ، وأعرف أنك حنونة ، لكن الغزال ..
ومن بين دموعها ، قاطعتها الغزالة قائلة : لا يهمني الغزال ، وليعلم أنني لن أتخلى عن هذا الخشف ، مهما كلف الأمر .
ولاذت الغزالة العجوز بالصمت ثانية، ثم تنهدت ، وقالت : لا أعرف بما أنصحك ، لكني واثقة أنّ ما ستفعلينه هو الصحيح .
ثم تراجعت متأهبة للعودة إلى القطيع ، وهي تقول : تصبحين على خير .
فردت الغزالة بنبرة ارتياح وامتنان : أشكرك ، تصبحين على خير .
ومضت الغزالة العجوز عائدة إلى مضجعها ، حتى تلاشت في الظلام . والتفتت الغزالة إلى الخشف ، تتأمله على ضوء الهلال الشاحب ، وهمست بصوت أمومي : بنيّ ، خشفي الحبيب .
لكن الخشف ظل جامداً ، فاقتربت الغزالة منه ، واحتضنته ، وقالت : الجو بارد الليلة ، تعال ونم في حضني .

” 6 “

استيقظت الغزالة ، قبل أن يستيقظ الغزال ، وعتمة آخر الليل تتأهب للرحيل . وتأملت الخشف ، وهو يغط في النوم إلى جانبها ، ثم مالت عليه ، ومست وجهه بشفتيها ، وهمست قائلة : خشفي الحبيب .
وتململ الخشف ، وفتح عينيه الناعستين ، ورمقها بنظرة خاطفة ، دون أن يتفوه بكلمة . وابتسمت الغزالة ،وقالت: بنيّ لم تقل لي ، صباح الخير .
وردّ الخشف بجفاء ، دون أن ينظر إليها : الصباح لم يأتِ بعد .
واعتدلت الغزالة ، وقالت : سيأتي عما قريب ، انهض ، يا بنيّ .
وبدل أن ينهض ، انقلب بعيداً عنها ، وقال : ما كانت أمي لتوقظني ، قبل شروق الشمس .
ولاذت الغزالة بالصمت لحظة ، ثم قالت : لم ترضع ليلة البارحة .
ونهض الخشف، وتطلع عبر الأحراش إلى أفراد القطيع، وهم يرقدون في مضاجعهم ، وقال : إنهم لم يحبوني .
ونهضت الغزالة بدورها ، وقالت : دعك من هذا ، تعال ارضع .
ونظر الخشف إليها ، وقال : ولن يحبونني .
وهزت الغزالة رأسها ، وقالت : الغزال لا يرتاح إلى أي غريب ، سواء كان كبيراً أو صغيراً ، أما القطيع ، وخاصة الإناث ، فرغم أنهنّ لا يخرجن عن طاعة الغزال ، فأنا واثقة أنهنّ سيحببنك ، فهنّ أمهات .
وصمتت لحظة ، ثم قالت : ستشرق الشمس بعد قليل ، ويستيقظ الغزال وأفراد القطيع ، ويبدؤون السير ، تعال ارضع .
وردّ الخشف ، وهو يتطلع باتجاه القطيع : ليس الآن .
وصمت مشيراً إلى الغزالة العجوز ، التي كانت تتسلل نحوهم ، ثم قال : تلك الغزالة الطيبة ، فيها ملامح من أمي .
وتطلعت الغزالة إلى الغزالة العجوز ، وتساءلت مازحة بشيء من المرارة : وأنا ؟
وهنا نهض الغزال ، ورفع رأسه ، ثم صاح بأعلى صوته : موووو .
وتوقفت الغزالة العجوز ، عندما سمعت صيحة الغزال وابتداء القطيع بالنهوض . وسرعان ما تراجعت عائدة ، وهي تلوح للغزالة والخشف .
وتقدم الغزال القطيع ، وهو يصيح : فلنبدأ السير نحو الأرض المنشودة ، هيا .
وسار القطيع في أثر الغزال ، كأنهم جنود يسيرون بصمت وانتظام وراء قائدهم . وحثت الغزالة العجوز خطاها ، لعلها تبلغ مؤخرة القطيع ، دون أن ينتبه إليها الغزال .
وتطلعت الغزالة نحو القطيع ، الذي راح يبتعد شيئاً فشيئا، وقالت : بنيّ .
وأطرق الخشف رأسه ، دون أن يتفوه بكلمة ، فاستطردت الغزالة قائلة : لنمض نحن أيضاً ، وإلا فقدنا أثر القطيع .
” 7 “

طوال ساعات ، سار الغزال بخطوات ثابتة قوية ، منصتاً بحذر إلى كلّ ما يدور حوله . وسار القطيع ، خشوفاً وإناثاً ، بانتظام في أثره ، دون أن يتأخر أحد لحظة ، أو يخرج عن المسار .
وعلى بعد سارت الغزالة والخشف إلى جانبها ، تتبع القطيع ، خشية أن يواجه الخشف ما قد يعرض حياته للخطر . وتوقفت الغزالة أكثر من مرة ، لعل الخشف يرتاح ، وكانت كلما توقف ، دعت الخشف قائلة : بنيّ ، تعال ارضع .
فيتقدمها مواصلاً السير ، وهو يردد قائلاً : ليس الآن .
ومن بعيد تناهى عواء : عوووو .
وتوقف الخشف ، وقد اتسعت عيناه خوفاً وغضباً ، وتمتم : الذئب .
واقتربت الغزالة منه ، فالتفت إليها ، وقال : لا تقولي إنها الريح .
وردت الغزالة تطمئنه : مهما يكن ، يا بنيّ ، فهو بعيد ، بعيد جداً .
وتقادحت عينا الخشف غضباً ، وقال : لابد أنه هو ، الذي قتل أمي ، تعم إنه هو .
وصمت لحظة ، ثم قال من بين أسنانه : سأقتله عندما أكبر .
ومن مكان قريب ، تناهى عواء الذئب ثانية : عوووو .
ورفع الخشف رأسه ، وأنصت ملياً ، وعيناه تشتعلان بالغضب ، بينما واصل الغزال سيره ، ينصت متوجساً قلقاً ، محاولاً أن يعرف مكان الذئب ، ومدى بعده عنهم . ودفعت الغزالة الخشف برفق ، وقالت : لنلحق بالقطيع ، قبل أن يبتعد .
وسار الخشف على مضض ، وهو يدمدم : لن أرتاح حتى أقتله .
ولحقت الغزالة به ، وراحت تسير صامتة إلى جانبه ، فتابع قائلاً : لقد تركتني حيث وجدتني ، تحت مجموعة من الشجيرات ، وذهبت ترعى في مكان قريب ، لكنها لم تعد .
وصمت لحظة ، ثم قال بغضب متصاعد : لم يسأل أحد من القطيع عنها ، كما لم يسأل أحد عني ، ومضوا في طريقهم يرعون ، وكأن شيئاً لم يحدث .
ونظرت الغزالة إليه ، وقالت : ما أدراك ، يا بنيّ ، لعلهم بحثوا عنك وعن أمك ، ولم يجدوكما .
وردّ الخشف بصوت دامع غاضب : كلا ، لقد تركوا أمي للذئب ، وتركوني لمصيري ، ولو لم تجديني ، ربما هلكت .
وصمت محاولاً تمالك نفسه ، ثم قال ، وهو يكفكف دموعه : يبدو أن أمي كانت مخدوعة بهم ، فطالما امتدحتهم أمامي ، وقالت أنهم من أفضل قطعان الغزلان، على امتداد السهل كله .
ولم تشأ الغزالة أن تقول شيئاً ، خاصة وأن الخشف كان في غاية التأثر والغضب ، فسارت صامتة إلى جانبه ، وعيناها تتابعان القطيع عن بعد .
” 8 “

توقف الغزال ، عند منتصف النهار ، ومعه توقف القطيع كله . ورفع رأسه ، وتلفت حوله منصتاً ، خشية أن يكون هناك ما يريب ، ثم التفت إلى القطيع ، وقال : لنرتح هنا بعض الوقت .
وانهمكت الإناث في إرضاع الخشوف ، والعناية بهم . وسار الغزال بينهم ، دون أن يلتفت إلى أحد ، حتى حاذى الغزالة العجوز . وتوقف عابساً ، ثم قال : يبدو أن الذئب يحوم في الجوار .
ونظرت الغزالة إليه صامتة ، ومال برأسه قليلاً ، ثم قال بصوت خافت : تعالي .
وتقدمت الغزالة العجوز منه بخطوات مترددة ، وقلبها يخفق بشدة ، فحدق الغزال فيها ، ثم قال متسائلاً : تلك المجنونة ، ما أخبارها ؟
ولاذت الغزالة العجوز بالصمت لحظة ، وقد اتسعت عيناها ، ثم قالت بصوت متحشرج : لا أدري .
فقال الغزال : بل تدرين .
وخرست الغزالة العجوز ، فتابع الغزال قائلاً : لا أريد أن يفتك الذئب بها ، وبذلك الخشف ، الذي لا أدري من أين جاءت به .
ونظرت الغزالة العجوز حائرة ، دون أن تتفوه بكلمة ، فقال : أعرف أنها تسير في أثرنا . هي وذلك الخشف ، اذهبي إليها ، بين حين وآخر ، واهتمي بها ، مهما يكن فهي واحدة منا .
وهزت الغزالة رأسها ، وهي تتنفس الصعداء ، فقفل الغزال عائداً ، ووقف في المقدمة ، ثم رفع رأسه ، وصاح بأعلى صوته : هيا ، فلنواصل السير .
وسار الغزال في المقدمة ، وفي أثره سار القطيع كله . وعندئذ دفعت الغزالة الخشف برفق ، وقالت : بني لقد سار القطيع ، لنسر نحن أيضاً .
ومن بعيد ، تناهى صوت عواء الذئب ، كأنه هدير العاصفة : عوووو .
وأنصت الغزال دون أن يتوقف ، أو يتباطأ في سيره . وتوقف الخشف متلفتاً ، ونيران الغضب تتصاعد في عينيه . ورفعت الغزالة رأسها ، وقلبها يخفق بشدة ، لكنها لم تتفوه بكلمة واحدة . وتباطأت الغزالة العجوز ، حتى صارت في مؤخرة القطيع . ومضت متسللة ، من دون خوف أو تردد ، إلى الغزالة والخشف .
وتوقفت الغزالة ، وكذلك الخشف ، حين رأياها قادمة . واقتربت الغزالة العجوز منهما لاهثة ، وقالت للغزالة بنبرة فرح : بنيتي ، الغزال سأل عنك .
وردت الغزالة بمرارة : لكنه لم يدعني للعودة إلى القطيع.
فقالت الغزالة العجوز : لا تتعجلي ، كل شيء في أوانه .
ومرة أخرى ، تناهى عواء الذئب ، فأسرعت الغزالة إلى الخشف ، وقالت : لا عليك ، يا بني ، إنه بعيد .
ووقف الخشف ، يتعاوره الخوف والغضب ، دون أن يتفوه بكلمة . وتطلعت الغزالة العجوز إلى الغزالة ، وقالت : مهما يكن يا بنيتي ، حاولي أن لا تبتعدي كثيراً عن القطيع .
وردت الغزالة ، وعيناها لا تفارقان الخشف : إنني لا أخاف على نفسي .
وقالت الغزالة العجوز : لا تستسلمي لليأس ، هذه أزمة وستمر .
وصمتت لحظة ، ثم قالت ، وهي تتأهب للرحيل : لقد تأخرت ، وعليّ أن أعود بسرعة إلى القطيع .
وقالت الغزالة بصوت مستسلم : لا عليك ، اذهبي ، صحبتك السلامة .
وذهبت الغزالة العجوز ، عائدة بسرعة إلى القطيع ، ولم تكد تبتعد عن الغزالة والخشف ، حتى ارتفع عواء الذئب، كأنه عاصفة تهدر : عوووو .

” 9 “

قبيل المساء ، ارتفع صوت استغاثة ، من مكان قريب : النجدة .
وتوقف الغزال ، ومعه توقف القطيع . وشهقت الغزالة العجوز صارخة : يا ويلي ، الغزالة ، إنها في خطر .
وارتفع صوت الاستغاثة ثانية : النجدة .. النجدة .. النجدة.
وبدون وعي منها ، اندفعت الغزالة العجوز ، صوب مصدر الصوت ، وهي تصيح : الذئب .. الذئب سيفتك بها .. وبالخشف .
وعلى الفور ، اندفع القطيع في إثرها ، دون تردد . ووقف الغزال حائراً ، وقد تملكه الغضب . ووصلت الغزالة العجوز ، وكذلك القطيع ، في الوقت المناسب ، فقد كان الذئب ، يتقدم نحو الغزالة والخشف ، وقد كشر عن أنيابه ، للفتك بهما ، لكنه توقف متردداً، حالما رأى الغزالة العجوز وأفراد القطيع ، يقفون في مواجهته ، ويهمون بالانقضاض عليه .
ووقفت الغزالة ، بين الذئب من جهة ، والغزالة العجوز وأفراد القطيع من جهة أخرى ، وقد احتضنت الخشف ، وفقدت القدرة حتى على الهرب .
وهنا تقدم الغزال ، عبر أفراد القطيع ، وقرناه الخنجران يلمعان في شمس آخر النهار ، ووقف إلى جانب الغزالة العجوز .
وتلفت الذئب في ما حوله ، ولا بد أنه عرف ، أن خسارته في المعركة مؤكدة ، فقد تقهقر إلى الوراء ، وقد لوى ذيله ، ثم مضى مبتعداً ، لا يلوي على شيء .
وأسرعت الغزالة العجوز إلى الغزالة ، وقالت : اطمئني يا عزيزتي ، لقد ولى الذئب ، ولن يجرؤ على مهاجمتك مرة أخرى .
وصمتت حائرة ، حين تقدم الغزال ، ووقف في مواجهة الغزالة ، وقال : أرأيت ؟ كاد الذئب أن يفتك بك .
ولاذت الغزالة بالصمت ، وقد احتضنت الخشف ، فقال الغزال : يمكنك أن تعودي إلى القطيع .. وحدك .
ثم نظر إلى الخشف ، وأضاف : أو تمضي بعيداً .. ومعك هذا الخشف .
ولم ينتظر الغزال جواباً من الغزالة ، فقد استدار على الفور ، ومضى يخترق القطيع ، حتى صار في مقدمته ، وصاح بأعلى صوته : هيا ، فلنواصل السير .
وسار الغزال ،وفي أثره سار القطيع ، وراحوا يبتعدون شيئاً فشيئاً ، ونظرت الغزالة العجوز إلى الغزالة ، وقالت بما يشبه الرجاء : بنيتي ، إنهم يبتعدون .
وردت الغزالة قائلة : اذهبي أنت .
وقالت الغزالة عجوز : تعالي نلحق بهم ، فالخطر مازال موجوداً .
ونظرت الغزالة إليها ، وقالت : أرجوك ، اذهبي الآن ، اذهبي .
ووقفت الغزالة العجوز مترددة ، ثم تأهبت للحاق بالقطيع، وهي تقول : لا تتأخري ، الحقي بنا ، أنت والخشف .
” 10 “

حلّ الليل ، وأوى الجميع إلى مضاجعهم ، لعلهم يرتاحون من عناء النهار ، ويتهيئون لمواصلة المسير ، في اليوم التالي ، قبل شروق الشمس .
ولاحظت الغزالة العجوز ، حتى قبل أن يخيم الظلام ، ويتوقف القطيع للراحة ، إنّ الغزالة لم تتبعهم ، وأنها ظلت في مكانها هي والخشف . وتملكتها الدهشة ، والقلق ، وتساءلت في نفسها : ترى ما الأمر ؟
ورغم تعبها الشديد ، حاولت أن تبقى مستيقظة ، على أمل أن ترى الغزالة ، تلحق بالقطيع ومعها الخشف ، لكن النعاس غلبها ، واستغرقت في سبات عميق .
وطوال هذه الفترة ، ظلّ الخشف صامتاً ، ينتظر ما قد تقدم عليه الغزالة . وحين خيم الليل ، نظر الخشف إليها، وقال : لقد ابتعد القطيع كثيراً هذه المرة .
وقالت الغزالة ، دون أن ترفع عينيها إليه : ليبتعد ، هذا ليس شأننا .
وتساءل الخشف : ما الأمر ؟
فردت الغزالة قائلة : لا شيء ، لقد خيم الظلام ، سنقضي الليل هنا .
وجثا الخشف ، دون أن يتفوه بكلمة ، فقالت الغزالة : نم الآن .
وأغمض الخشف عينيه ، وقد تملكته الحيرة ، فهي دائماً ما تقول له ، تعال نم إلى جانبي ، فماذا جرى ؟
وحاول أن ينام ، لكنه لم يستطع النوم ، إلا بعد فترة طويلة ، فقد كان يشغله ما جرى اليوم ، وخاصة بين الغزال والغزالة .
وفي اليوم التالي ، أفاقت الغزالة ، قبل شروق الشمس ، وهزت الخشف برفق ، وقالت : أيها الخشف ، أفق .
وافاق الخشف ، وقد انتبه إلى أنها لم تناديه ، هذه المرة ، يا بنيّ ، أو يا خشفي الحبيب ، لكنه تجاهل هذا الأمر ، وقال : الشمس لم تشرق بعد .
وردت الغزالة قائلة : لا بأس ، سنسير الآن .
وتطلع إليها ، دون أن يتفوه بكلمة ، فقالت : فتنهدت وقالت : تعال ارضع.
ونهض الخشف ، وقال : لستُ جائعاً .
وعلى غير عادتها ، لم تلحّ عليه ، بل تقدمت ماشية ، وهي تقول : حسن ، لنبدأ السير إذن .
لم يلحق الخشف بها ، وإنما هتف قائلاً : القطيع لم يمض ِ من هنا .
وردت الغزالة ، دون أن تتوقف : لن نلحق بهذا القطيع ، هيا تعال ، تحرك .
وتحرك الخشف ، مسرعاً في أثرها ، فقالت : سنلحق هذه المرة بقطيعكم .
وقال الخشف : عجباً ، لم تكن هذه رغبتك حتى يوم أمس.
فردت الغزالة قائلة : لا أريد أن تعيش غريباً في قطيعي مدى الحياة .
وحثت خطاها ، وهي تضيف : هيا ، فلنسرع ، لعلنا نصل قطيعكم ، قبل حلول الظلام .

” 11 “

طوال ساعات النهار ، سارت الغزالة ، والخشف يخب وراءها دون حماس ، لكنها لم تقع للقطيع على أثر . وتوقفت مراراً متلفتة حولها ، وكلما قالت للخشف : تعال ارضع . يسرع إلى ضرعها ، ويرضع ، دون أن يتفوه بكلمة ، وهذا ما أثار استغرابها .
وعندما خيم الليل ، قادت الغزالة الخشف ، إلى أجمة كثيفة الأعشاب ، ليقضيا الليل فيها ، رغم أنهما لم يتعرضا لأي خطر ، طول النهار . وجثت الغزالة ، وأغمضت عينيها ، وأحست بالخشف بعد قليل ، يقترب منها ، ويجثو إلى جانبها .
وقبل شروق الشمس ، أفاقت الغزالة ، وإذا الخشف قد أفاق قبلها . وما إن التقت عيناها بعينيه ، حتى هتف قائلاً : صباح الخير .
وردت الغزالة : صباح النور .
ولم ينتظر الخشف ، هذه المرة ، أن تقول له : تعال ارضع ، فقد أسرع إلى ضرعها ، وراح يرضع ، حتى تراجعت قليلاً ، وقالت : كفى ، الشمس تشرق ، وعلينا أن نواصل السير .
وسارت الغزالة صامتة ، وأخذت تحث خطاها شيئاً فشيئا ، دون أن تلتفت إلى الخشف ، وهو يخب لاهثاً في أثرها . وعند منتصف النهار ، لاح قطيع في الأفق ، والغبار يكاد يغطيه ، وقالت الغزالة ، وعيناها لا تفارقان القطيع : أظنه قطيعكم ، فلنسرع .
وردّ الخشف ، دون أن يسرع : أنت محقة ، إنه قطيعنا .
وحثت الغزالة خطاها ، وهي تقول : هيا أسرع ، لابد أن نلحق بهم ، قبل أن يبتعدوا .
ومرة أخرى ، ودون أن يسرع ، ردّ الخشف : لا داعي للسرعة ، سنصلهم خلال فترة قصيرة .
وتوقف القطيع للراحة ، لكن الغزالة واصلت سيرها ، والخشف يسير في أثرها ، حتى وصلت إلى مسافة مناسبة منهم ، والتفتت إلى الخشف ، وقالت : ها هو قطيعكم .
وتطلع الخشف إلى القطيع ، ثم أطرق رأسه ، فقالت الغزالة : سيفرحون بك ، حين يرونك عائداً إليهم .
ولم يرفع الخشف رأسه ، فصمتت الغزالة لحظة ، ثم قالت : إنهم قطيعك ، اذهب إليهم ، هيا اذهب .
ورفع الخشف رأسه ، ورمق القطيع بنظرة سريعة ، ثم أطرق ثانية . وقالت الغزالة ، وهي تتأهب للعودة : الوقت يمرّ ، وعليّ أن أعود إلى قطيعي ، وداعاً .
ومضت مسرعة ، دون أن تلتفت إلى الخشف ، وقد اغرورقت عيناها بالدموع .
هذا أفضل ، فكرات الغزالة ، وغداً أو بعد غد ، وحالما يندمج ثانية بالقطيع ، سينساها ، ولن يتذكرها إلا في فترات متباعدة ، ومن يدري ، فقد تنساه هي الأخرى ، و .. وبدل أن تجف دموعها ، أجهشت بالبكاء ، وكأنها اللحظة فقدت صغيرها ، وأدركت أنها لن تراه ثانية .
وخيم الليل ، فتوقفت الغزالة ، وأوت إلى جذع شجرة قريبة ، وأغمضت عينيها الغارقتان بالدموع ، وسرعان ما استغرقت في النوم .
وأفاقت بعد حين ، على وقع خطى تقترب ، فرفعت رأسها مرعوبة ، أهو ذئب ؟ أم ضبع ؟ أم .. وعلى ضوء القمر رأته ، نعم إنه الخشف ، فهبت واقفة ، لا تدري ماذا تفعل ، واقترب الخشف منها ، وقال وكأنه يستغيث: ماما .
وتساءلت بصوت متحشرج ، والدموع تنهمر من عينيها: وقطيعك ، يا بنيّ ؟
فرد الخشف قائلاً : قطيعي حيثما تكونين ، يا ماما .
ومن بين دموعها ، ابتسمت الغزالة ، وقالت : لابد أنك جائع ، تعال ارضع .
وقبل أن تنهي من كلامها ، إلتقم ضرعها الممتلىء ، وراح يرضع ..ويرضع .. ويرضع ، حتى غلبه النعاس، واستغرق في نوم عميق .

شاهد أيضاً

عهود عدنان نايلة: ضجرُ الشّواهدِ تَعِلّةُ الغيابِ

– كلّ نبضةِ قلبٍ وأنتَ مئذنةُ العيد في سماءِ روحي المتعلقةِ بكلّ تفاصيلك الصّغيرة والمتكاثرة …

إِرْسَالِيَّة قَصِيرَة و عاجلة لبيروت
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

صباح الْخيْر حبيبتي بيروت أُعْذُرِينِي إِذْ أَنَا غادرْتُ بَاكِرًا ذَاكَ الصَّباح لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُقَبِّلَكِ …

مروان ياسين الدليمي: اكتشاف الحب: اوراق من مدونتي الشخصية (ج/5)

لم تكن حالتها الصحية تسمح لها في ان تجيب على ما كان يدور في راسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *