شوقي يوسف بهنام : كمال ناصر واحزان اخفاء الذات؛ قراءة نفسية في قصيدة “طاقية الاخفاء”

shawki yuosef 5*مدرس مادة علم النفس/ كلية التربية/ جامعة الحمدانية

اخفاء الذات self-concealment” هو عبارة عن ميل انساني شعوري وفعال لإخفاء المعلومات السلبية للذات بكل جوانبها عن الاخر ، لهذا السبب او ذاك . وهذا المصطلح او المفهوم هو النقيض او المعاكس لمفهوم كشف الذات self-disclosure . ويبدو ان الدافع وراء هذا السلوك هو النظرة الدونية او السلبية الى الذات او الجوانب السلبية لها . وقد دخل هذا المفهوم مجالات واهتمامات علم النفس المعاصر . أما في التراث الانساني فيمكن ان تعد ” عباءة التخفي ” هو الشكل البدائي لهذا الميل او الدافع الانساني . هو ” موضوع خيالي وجهاز يخضع لبعض الاستقصاء العلمي. في الفلكلور، الميثولوجيا والقصص الخرافية تظهر عباءة التخفي إما كأداة سحرية تستخدمها الشخصيات المخادعة أو كأداة يرتديها البطل ليحقق سعيه. وهي من الموضوعات الشائعة في الفلكلور الويلزي والجرماني وقد يرجع أصلها مع رداء التخفي إلى الأساطير الإغريقية القديمة ” (1) . ونحن لا يهمنا ، هنا ، في الاطر النظرية او الجوانب التطبيقية لهذا المفهوم ، لان هذا يقودنا الى دراسة هذا الموضوع دراسة اكاديمية ومنهجية صرفة. نحن هنا امام نص ابداعي لرجل ينظر الى ذاته نظرة يمكن ان تتطابق مع مفهوم اخفاء الذات الذي انطلقنا منه . ففي قصيدته المعنونة ” طاقية الاخفاء ” يكشف لنا الشاعر ” كمال ناصر عن هذه الرغبة الدفين لديه . لنرى كيف يترجم شاعرنا هذه الرغبة عبر مقاطع قصيدته هذه . يقول كمال ناصر :-
لو كان لي طاقية الاخفاء
من سحرها ، وسرها
وخلقها المرائي ، في المكر والدهاء
أبدعت في دربي جديدا ً عجبا
فرضت ُ فيه البذل أما و أبا
لونته بالكبر والإباء
بالحب ، بالحنان والوفاء
لو كان لي طاقية الاخفاء
(الاعمال الكاملة ، ص 76) *
************************
منذ البدء يعلن او يكشف لنا الشاعر ان عدم يقينه او ايمانه بوجود طاقية الاخفاء . يرتديها ويستحيل شخصا جديدا آخر .
لو كان لي طاقية الاخفاء .
*********************kamal naser
اذن هو مدرك تمام الادراك بأنه يعيش في اطار الحلم والرغبة والامنية . ومن الجلي هو انه الشاعر يرغب في تغيير دربه التعيس هذا الذي يعيشه او يحياه . انه غير مقتنع به . انه لا يتمتع بما يسمى بلغة علم النفس ” الرضا عن الحياة ” . وهو مدرك ايضا ان في هذه الطاقية ” المزعومة ” سحر ورياء وسر ودهاء . لكن واقعه المر .. المعذب اجبره على ان يمضي في التفكير نحوها . يريد حياة ملؤها الكبرياء والاباء . ان هذه الامنية انما هي رد رمزي على سلطة المستعمر الذي يهمن على بلاده . من جهة اخرى ، نرى ان تاريخه الحياتي ، كما يتجلى من نص القصيدة ، مفعم بالحرمان . بل هو الحرمان بذاته . انه يرغب في تغيير وضعه الاسري ، من وضع البؤس الى وضع العطاء والبذل . ان كمال ناصر ، هنا ، يوظف عبارة المسيح ” مغبوط هو العطاء اكثر من الاخذ “. هذا تأويل من عندياتنا . لا نزعم ان هناك قصدية عند الشاعر في هذه المسألة . يمكن القول ان الشاعر في هذا المقطع يرغب في تغيير معالم العالم الخارجي المحيط به . ترى كيف يرى ذاته على ضوء ذلك . هذا ما سوف نجده في المقطع التالي من القصيدة :-
لو كان لي طاقية الاخفاء
من سحرها وخلقها المرائي
عقدتها بالتّيه فوق رأسي
لأختفي عن نفسي
فلا أرى اسقامها
ولا أرى آثامها
ولا أرى الجراح تدمي كأسي
ولا أرى الغرور في عيوني
والذل في جبيني
(المصدر نفسه ، ص 76)
**********************
تلك إذن هي نفس كمال ناصر وتلك هي عيوبها واسقامها . ذلك هو جانبها المظلم والخفي الذي يرغب في ان لا يراه و لا يكشف عنه بل ان يظل تحت غياهب النسيان وفي سلة مهملات لا شعوره ان صحت العبارة . انه غير راضي عنها .. اعني عن ذاته . نحن هنا بإزاء نوعين او نمطين من عدم الرضا . عدم الرضا م العالم وعن عدم الرضا عن الذات . والقطة المهمة التي يركز عليها كمال ناصر في نظرته الى ذاته هو ذلك النفاق والرياء الذي يهب على تلك الذات . الغرور في العين والذل في الجبين . تعبير له دلالته النفسية العميقة والتي يمكن اختصارها بحالة خداع الذات self-deception . يريد ان يكون الجبين بمستوى العين . لنكمل الصورة التي يرسمها الشاعر عن ذاته :-
و لا طموحا عابرا يلهيني
عن رهبة الصراع في يقيني
وصرخة الحرمان في جفوني
و لا نفاقا في صميم ذاتي
ينساب في حياتي
فقد سئمت في الدنى بقائي
بين حطام الزيف والبغاء
لو كان لي طاقية الاخفاء
(المصدر نفسه ، ص 77)
*********************
تلك هي الجوانب المرفوضة من قبل الشاعر والتي ازعجت الشاعر وجعلته يشعر بالكدر وعدم الطمأنينة النفسية او الروحية على حد سواء . ان نظرته الى وجوده الذاتي نظرة مفعمة بالتشاؤم . لقد وصفه بالحطام . انه تعبير نشم منه روائح الفكر الوجودي العدمي او مقولة ” الوجود الزائف ” . وهي مفردة استخدمها الشاعر نفسه للدلالة على تلك الحالة من تردي الذات . في المقطع التالي والاخير من القصيدة يعيش كمال ناصر حالة ما يمكن تسميته وبلغة علم النفس ” اللعب الايهامي او التخيلي ” . وهو ذلك اللعب الذي يمارسه الطفل من سن الثانية من عمره حتى قبيل فترة المراهقة. في هذه المرحلة يتخيل الطفل أنه يقوم بأدوار وشخصيات خيالية ويتحدث معها ويقلدها كما لو كانت شخصيات حقيقية . ان شخصيات اللعبة هي غالبا افراد اسرته المقربين او اللذين لهم تأثير وجداني عليه . وهو لعب تعويضي او تنفيسي تفريغي . لنرى كيف سيوظف شاعرنا طاقيته للتعامل مع العالم المزيف الذي يحيط به فيقول :-
لو كان لي طاقية الاخفاء
وزندها الرهيف بالمضاء
عقدتها ، وسرت ُ في الايام
أسرح في معاقل الحكام
زرائب الهنات والاجرام
تحملني احلامي
شوقا الى أصنامي
(المصدر نفسه ، 77)
***********************
هنا عودة الى التفكير والسلوك الاطلاقي البدائي للشخصية . القابلية او القدرة المفتوحة التي لا يملكها ، بنظر الطفل ، الا الام ثم الاب ، وعند البالغ الا الله . الشاعر عاش تلك اللحظات من خلال ارتدائه طاقيته تلك . ارتدى الطاقية اذن . وسرح في معاقل الحكام وزرائب الهنات و الاجرام ساخرا .. متهكما .. موبخا …. يجول في الايام .. بمعنى انه خارج اطار المكان والزمان . انه عود للمفهوم الاسطوري والفلكلوري لمفهوم الطاقية . كمال ناصر يتقمص دور البطل المنقذ لحضارته ولخطابه ولقضيته . انه يريد ان يذل الحكام لانهم اذلوه . ويرغب في زيارة زرائب الهنات والاجرام لأنه لا يطيق الزيف او الخداع . نعم كمال ناصر يريد الانعتاق من حالة تردي الذات التي يعيشها هو او شعبه او خطابه او حضارته . تحمله احلامه شوقا الى اصنامه . قد تكون الاصنام رمزا لمعتقداته الماركسية التي تحلم ببناء انسان جديد في حضارة رثة ترزح تحت عبء الاوهام وهيمنة الخداع .

الهوامش :-
1 – مادة ” عباءة التخفي ” في الموسوعة الحرة ” ويكبيديا ” على شبكة الانترنيت .
* – ناصر ، كمال ، 2007 ، الاعمال الشعرية الكاملة ، دار العودة ، بيروت ، لبنان ، د.ط .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : الضياع والبقاء في “ظل منحن على مقعد الشمس” .

   حين حط في بريدي كتابين للكاتبة والشاعرة الأستاذة الدكتورة والباحثة جليلة الخليع من المغرب العربي، …

| هاتف بشبوش : لؤي عمران ، صوتانِ ، في السياسةِ ، وآخرٌ في الوجدان ..جزء ثانٍ .

  القرار الأخير ( القرارالصعب ) : القاص لؤي كان ذكيا في وصف التضحية والفداء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *