أ.د.نادية هناوي سعدون : العنصر الأنثوي مباغتا في القصة القصيرة

nadia hanawi 2* ناقدة وأكاديمية عراقية

يمكن للنظام التشفيري قي البناء السردي ان يعيد الاعتبار للنسق الانثوي ليجعل منه معبرا لانثوية منطلقة في دلالة رمزية على اكتراث القاص بالآخر وعيا ووجودا اولا وكاستجابة لتداعيات الكتابة السردية وقصديتها ثانيا.
وتعد القصة القصيرة (زيارة) من مجموعة الوصية القصصية لهيثم بهنام بردى،والصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة، عام 2002 انموذجا حداثيا لذلك فمن العنوان المؤنث الى المتن الحافل بالحوارات الانثوية الى الخاتمة الجامعة لمعادلة مؤنث/مذكر..
ويمتد الحضور الأنثوي في حركة المرأة الزائرة ومقاصدها ، بدءا من المفتتح” دخلتْ دون أن تطرق الباب اندهشت لهذا الاقتحام الأنثوي المباغت المكتبي، فاح فضاء الغرفة برائحة الأنثى، وعندما أصبحت قبالتي تماما في الجهة الأخرى من مكتبي الأنيق، قالت :ـ أتسمح؟ “ص49
ومرورا بهيمنة الزائرة على الراوي الذي سيصف ملامح هذه الأنثى التي تركها بلا اسم” شعر أشقر مسترسل بتموج خفيف حتى الكتفين البضتين، وجه ناصع البياض انف مستقيم يوحي بالاستفزاز والخيلاء والمناكدة وفم صغير ملموم وعنق طويلة” ص50
وتعكس الافعال (تشد ، أنشأتْ، رفضتْ، تأففتْ ..الخ) نمطا من التشفير الذي يمنح النص امتدادات ايحائية اكثر مدى من مجرد البوح باسم الفاعلة فهي مجهولة بالنسبة الى الراوي وبالكاد لا يعرفها بينما هي تعرفه” يكفيني ان أعرفك أنا، تستطيع ان تناديني ندى هدى سميرة باسمة” “ص50
وهذا مما يستفز الراوي فتثور ثائرته ويرغب بطردها لكنه يتمهل رغبة في معرفة لماذا جاءت إليه ويكون في جوابها مفارقة فنية تسهم في تصاعد الحدث القصصي محققة وظائفية البنية السردية نفسها إذ يتبين للقارئ أن الراوي هو الكاتب نفسه وان هذه المرأة قرأت آخر رواية صدرت للكاتب وهي روايته الغرفة 213 وعندذاك تفاجئه بقولها:” لمَ جعلت زكريا يموت بهذه الطريقة؟” ص51
وعلى الرغم من انه كان متحيرا في الإجابة عن سؤالها الا انها كانت تتعمد زيادة حيرته وتوتره بمقاطعتها اياه وحين حاول ان يجيبها” انها الطريقة المنطقية التي عالجتُ بها خاتمة الرواية كان يجب ان يستشهد قاطعتني بصوت كحد السيف، بل يموت، استفزتني فتواترت لهجتي”ص51
ولعل من مزايا هذه الصياغة التشفيرية التي تتعمد الزائرة استعمالها انها تمنحها وثبة انثوية تحقق بها ثورتها ونقمتها حيال الكاتب الذي جعل نهاية بطل روايته موتا..
وهذا ما ولد مونولوجات تكشف لنا عن بوح شعوري داخل الذات الساردة وهذا البوح العاطفي الداخلي المفاجئ سيحمل صورا اليجورية دقيقة عن نظرات المرأة ونبرة صوتها(احببتها بغتة ببرود صقيعي اعتقد اننا خطان متوازيان..نبرت بصوت كزئير لبوة غاضبة … رشقتني بنظرة ازدراء..ولما غادرت تركت كلمات مؤثرة في نفسه …ستبقى تكتب نصوصا محنطة ما دمت تسكن هذا البرج، انزل ايها الاستاذ وتنفس هواء الواقع انزل..؟)
ولان لحضور المراة كزائرة تاثير نفسي على السارد فان مجرى السرد اتخذ مسربا نفسيا تعالت فيه التداعيات وظلت نظرة الازدراء حاضرة في ذهن القاص بما اعاد للمرأة هيمنتها ليغدو النسق الانثوي اسلوبا مكافئا في متوالية الحكي” هل كان حلما؟ احدق بذهول في الباب الموارب الى المقعد اتخيلها جالسة تكلمني بحنق افرك عيني واردد لنفسي ـ لا ليس حلما وتثوي الكلمات هذا الراس المصدوع لم جعلت زكريا يموت؟”52haitham bahnam 4
وتشفير الكاتب لتداعيات الزيارة الانثوية جعلت السرد منطقة قاهرة ضمنيا فالمرأة وان كانت قد غادرت الغرفة الا انها بقيت حاضرة في ذهن السارد، تاركة كلمات جارحة تقلل من منجزه وتشكك في ابداعه..
ويحيل تفكيك الترميز الذي توحي به تلك الزيارة على حقيقة اللعنة الانثوية المتمثلة في احساس الراوي بضمير الانا بالنقص الذي لن يتركه هانئا في ابداعه وليعتريه وهم مؤرق حيال قدراته الكتابية بما يحول بينه وبين الابداع “شعرت بصدغي يهمي ملتهبا وجسدي قنابل موقوتة زرعتها فيه هذه اللعنة الانثوية الشقراء” ص52
ويبقى الراوي الذاتي مذهولا بهول الزيارة التي صارت خيالا ينوء بحمله حتى غدا الشارع حوتا يبتلعه ووجوه الناس افاعي تلسعه بالنظرات الشامتة
ويوصل هذا الحال الراوي الى التوهم بان المروي زكريا الذي هو صنيع الكاتب هيثم بردى ياتيه مؤاخذا اياه قائلا:” كان بمقدورك ان تضع الاحداث في مسارها الصحيح لو كنت نبهت زكريا الى الحالة التي كشفها صوت ضميره حين كان يصلي اذنيه بالحقيقة المروعة ..انك وضعت نهاية غير موفقة حين جعلتني اموت مثل حشرة” ص56ـ57
وهذا التخيل الوهمي هو عمل تشفيري اساسه الحلم الذي يجعل القاص يتوهم الاحداث” واختفى من امامي انتشرت ملامح وجهه في سقف الجدران الارائك الصور واثاث الصالة صرخت برجاءـ زكريا زكريا مهلا يا رجل وادور حول نفسي صارخا زكريا زكريا والوجه يحاصرني من كل حدب اركض صوبه ينأى عني يتوارى ثم شعرت باسوداد يغلف رؤاي”ص57
ويملي المسرود على السارد تصحيحا سرديا ان ينتبه ان زكريا هو صوت ضميره كونه وضع نهاية غير موفقة حين جعل بطله يموت وضيعا مثل حشرة متسائلا من تكون هذه المراة؟ مستحضرا بطلة روايته واسمها هناء متعجبا” مستحيل انه بطلي الخيالي الذي صنعته انامل مخيلتي كيف استحال من شخص على الورق الى رجل حقيقي يزجرني كما زجرتني زائرة الصباح المجهولة” وبينما الكاتب يتوهم المشهد يخاطب حاله بان ذلك كله اوهام” ما الخطب ياصاح كن واقعيا انها فتاة لا وجود لها من صنع الخيال”
وفي اثناء القص اللا شعوري يتحاور السارد مع مسروداته والكاتب مع متلقيه عبر نظام تشفيري يكثر من التوظيف للافعال( استحضرت ،استدعيت) وتغيب الحدود بين ما يسطر على الورق وما يجري على ارض الواقع، وما كان ذلك ليكون لولا غلبة العنصر الانثوي.
ان تماهي الخيال والواقع سببه غلبة العنصر الانثوي الذي ظل متسيدا ماسكا الحبكة السردية من الوسط بشكل لم يجد الراوي بدا من الاعتراف بان الزائرة شخصية حقيقية اسمها هناء فما كتبه في الرواية انما هو مستوحى في الاصل من واقع حقيقي ليتخيل مجددا وفي خاتمة القصة القصيرة صورة امراة ورجل يمشيان جنبا الى جنب متشابكي الايدي وامامهما دائرة تشبه الشمس ص61
وهذا سنلمحه ايضا في قصة نورس من المجموعة نفسها اذ سيكون العنصر الانثوي محركا للحدث القصصي ودافعا به نحو التصاعد والتأزم باستعمال التشفير الحواري القصير الذي يجمع الشاعر/ الرجل بالقصيدة /الفتاة في صدفة بلا موعد.
ويكون النهر هو القسيم المشترك بينهما فتتوالى متعالقاته ومنها (النوارس ) التي ستشكل موضع اهتمام الانثى/ القصيدة التي عنوانها نورس سائلة :اتحب النوارس؟ ويكون انخذاله بمغادرتها له هو انعكاس لانخذاله بالظفر بالقصيدة التي افلت زمام قافيتها..
وفي خضم هذا المتخيل الحواري يستسلم السارد للامر الواقع ويعود الى الحلم مجددا حين تتماهى لحظة قتل النورس بلحظة قتل القصيدة بكلماتها وصورها في مشهد ضياع لحظة ابداع القصيدة فلا تأتي طائعة ولا يكون من السارد الا ان يهم بكسر مصيدة الطيور قائلا:”لم قتلت نورسي”ص78

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : المنهجية النقدية عند الدكتور نبيل طنوس .

للدكتور نبيل طنوس جهود بحثية، استهدف بها دراسة أعلام من الشعر الفلسطيني، عدا ترجماته المتعددة، …

| صباح الأنباري : درب الحرية.

هاء، وأسفار عشتار: رواية جديدة صدرت قبل أيام للأديب الجزائري عز الدين جلاوجي وهي مزيج …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.