عصام القدسي : كائن “الخرابة” ..

osam-alkudsi1إنه وقت الظهيرة . وقد بدا مطعم الشواء المتواضع في المحلة الصغيرة ، مزدحما بالزبائن من أصحاب المحلات والدكاكين في سوق الخضار القريبة منه ، وعمال ورش النجارة والحدادة التي تقع بالجوار، جاءوا ليتناولوا وجبة غداءهم فيه . والمروحة الكهربائية القديمة المتداعية تنفخ في قلب نار المنقلة المصفوفة عليها أسياخ “الكباب” فيندفع منها إلى الطريق دخان كثيف مفعم برائحة اللحم المشوي. وينتشر فيملأ الجو بنكهة، يسيل لها لعاب المارة ، وينطلق إلى مديات أبعد من بيوت الزقاق..دخان الشواء هذا وكما وصفه أحد الزبائن الظرفاء وهو يقف أمام المنقلة متأملا شلاله بأنه “طائر ابيض” فهو يرحل في الفضاء بجناحين ويحط في أماكن لا يتصورها المرء. تلك الساعة من ظهيرة ذلك اليوم ، نبهت رائحة الدخان خيشوم كائن بوهيمي بدا بهيئة رجل مسخ . كان كث اللحية تعلو الأوساخ وجهه وملابسه ،أشعث الشعر متورم الأجفان والشفاه كما لو حرقتهما النار،يسكن أرضا مهجورة لمكب للنفايات في طرف بعيد عن حركة الناس،ولا يغادرها إلا حين يجوع . فتنبه وأزاح عنه ما علق به من قاذورات،واخذ يتشمم الهواء مثل كلب صيد يتفحص رائحة فريسة، سقطت بإطلاقة صياد في مكان ما من الحقل جاءت بها النسمات ، ليتأكد من وجهتها ..نظر بين قدميه ،فرأى سترة خفيفة بنية اللون ونظارة سوداء رمى بهما ليلة البارحة ـ وهو يهذي ـ أحد السكارى الذين مروا بمحاذاة المكب.تناول السترة وارتداها فوق قميصه الممزق ووضع النظارة على عينيه المتورمتين، وتطلع إلى حذائه الفاغر الفم والتقط عصا ثقيلة،وانطلق بخطى متلاحقة،فقادته الرائحة إلى المطعم . توقف عند عتبة بابه لحظات . كان الزبد يخرج من زاوية فمه . حين رآه الزبائن حسبوه بادئ الأمر شحاذا قبيحا لا يلبث أن ينصرف ،وحينما شاهدوا الشر في وجهه رأوا فيه شيطانا قبيحا . لقد قرأ في نظراتهم شعورا بالاحتقار وحين تهامسوا حوله اندفع كالريح إلى داخل المطعم مباغتا زبائنه المنشغلين بالثرثرة والأكل وصاحبه البدين،الذي يقف على مقربة منهم يتفقد مجرى العمل ويراقب بعض عماله الذين انهمكوا بإعداد الصحون،وصفها على حاجز معدني يفصل بينهم وبين الموائد ومن ثم توزيعها على الزبائن الجدد.باغتهم وهو يطلق صرخة وقد رفع العصا في الهواء..
شده الجميع وارتسم الخوف على الوجوه ووقف أحدهم متحديا ،ثم تراجع خائفا بعدما شاهد قسوة المقتحم ،ولمس إصراره على جريمة ما . تقدم الرجل المسخ مهوما بعصاه فوق أثاث المطعم ،وزجاج نوافذه وتقاطعت صرخاته وتهويماته مع صرخة استغاثة .وحاول صاحب المطعم أن يتدبر أمرا،ولكنه أدرك أن من الأفضل الاستسلام،فظل جامدا في مكانه ..
فقال زبون بصوت غير مسموع :
ـ هذا ابتزاز..
وبهت عجوز وتهالك فوق كرسيه ولم يجرؤ على مد يده إلى الصحن الذي أمامه على المائدة ..وتلفت الكائن الغريب يمينا وشمالا ثم خطى بحذر صوب الصحون وبلمح البصر اختطف صحنا ورغيفين ولوح بوجه صاحب المطعم بعصاه وغادر المطعم..حين خرج اصطدم بصره بسيارة للشرطة تقف قريبا من المطعم فأطلق ساقيه للريح باتجاه مغاير مهرولا كحصان نافر ،عبر طرقات جاء منها،عائدا إلى مستقره، متواريا عن الانظار .حين وصل المكب ودخله أحس بالأمان. جلس على الأرض لاهثا وقطرات العرق تنحدر من وجهه تحوطه النفايات والأنقاض والأشياء المهملة. وضع الصحن أمامه على التراب وخلع سترته بإهمال فتكورت ،ورمى بها على مقربة منه وطوح بالنظارة ومضى يتأمل الطعام ثم انفجر ضاحكا ضحكا ممزوجا بنشيج يشبه البكاء،وراح يأكل بعنف ويدمدم ،فيسمع صوت يحاكي هدير عربة ثقيلة تسير على الإسفلت. في هذا الوقت كانت صفارة سيارة الشرطة، تدّوم في فضاء متثائب كسول..

شاهد أيضاً

ارتجاح العشب الأخَضر
شعـــــر: عبـد الســـلام مصبـــاح

1 – سَيِّدَتِـي، مِنْ عُمْرِي البَاقِي جِئْـتُ إِلَيْـك، لِنُرَتِّـبَ أَوْرَاقَ الِبَـوْحِ وَنَرْشِـفَ مِـنْ سِحْـرِ الْحَـرْفِ …

توفيقة خضور: ضحكتْ دمعتين وشهقة

(1) لم تدرِ فاطمة أن الرجل الذي تربّتْ على يديه هو عمها وليس والدها إلا …

أضغاث رؤى
بقلم: منى شكور

شيء كحلم لا مرئي النوايا، لعبة خشبية ماتريوشكا ساكنة تحمل الف سؤال وسؤال، كشاهدة قبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *