الرئيسية » مقالات » علي إبراهـيم الدليمي : الذكرى الثالثة عشرة لإحتلال العراق.. قصة سرقة أعمال المتحف الوطني للفن الحديث

علي إبراهـيم الدليمي : الذكرى الثالثة عشرة لإحتلال العراق.. قصة سرقة أعمال المتحف الوطني للفن الحديث

ali ebrahim*الأمريكان حموا مصرف الرشيد وتركوا المتحف الوطني الذي يقابله للنهب

قبل إعلان ساعة الصفر لعمليات إحتلال العراق من عام 2003 اتخذت أغلب الدوائر الرسمية العراقية، وشبه الرسمية، والمنظمات الجماهيرية، إجراءاتها الوقائية الإحترازية للحفاظ على أبنيتها وأموالها المنقولة وغيرها. فكان مركز صدام للفنون، المسمى وقتذاك، يضم ألآف الأعمال الفنية المتحفية للتجارب النادرة، مابين اللوحات الزيتية، والكرافيك، والتخطيطات والمائية، ولوحات الخط العربي والزخرفة، والنحت بخاماته كافة، والسيراميك، ولجميع الأسماء البارزة، منذ الرعيل الأول للفنانين العراقيين وحتى بداية الإحتلال.
. ولكثرة الأعمال، التي تربو على الثمانية آلاف، بمختلف الأحجام، وأهميتها الفنية البالغة، التي كانت منها معروضة على مساحة طبقات المركز الخمس.. ومنها في المخزن الأرضي.. لم يكن هنالك مكان آمن للحفاظ عليها سوى (سرداب) البناية العملاق والمحكم جيداً من جميع الإتجاهات.. فكانت مهمة صعبة جدا ومستحيلةً أن ننقل هذا الكم الهائل من الأعمال إلى أماكن خارج بناية المتحف، كما لانستطيع فتح الكثير منها من إطاراتها، لانها كانت لوحات متعبة ومتضررة بسبب قدمها، مما يعرضها إلى التلف التام، وحتى لو كنا قد نقلناها إلى مكان أخر بعيد، لسرقت إيضاً، حيث تعرضت جميع الدوائر الرسمية.. وأماكنها البديلة للنهب والتخريب الفاحش!!. المهم، فقد كلفني الفنان مخلد المختار، مدير عام دائرة الفنون التشكيلية حينذاك، بتشكيل لجنة من موظفي الدائرة، والمباشرة بحفظ أعمال (الرواد) أولاً، وتغليفها بالنايلون والحبال، وإنزالها إلى زوايا السرداب الشاسعة والآمنة. وفعلاً أتخذنا الإجراءات السريعة، وحفظت أعداد كبيرة منها، وحكمت أبواب السرداب بشكل جيد، إلا ان أعمالاً كثيرة أخرى كانت معروضة في طبقات المركز، فضلاً عن (المخزن)، الذي كان يضم الآف الأعمال المهمة. كانت هناك الحمايات الآمنية من الجيش والشرطة، والزمر الخاصة تنتشر في جميع مناطق بغداد، ومن ضمنها الرقعة الجغرافية التي يقع فيها المتحف في شارع حيفا.. فضلاً عن خفارات الموظفين المتواصلة الليل مع النهار.. رغم هجرة الأهالي إلى خارج بغداد.. خوفاً من العمليات العسكرية، التي بدأت تتصاعد وتيرتها يوماً بعد أخر، وأصبحت بغداد عبارة عن مدينة للاشباح، والخوف، والذعر، والمستقبل المجهول، وبدأ نذير الشؤوم يدب في البلاد والعباد، ونحن نتلمسه واقعاً علينا لامحال.. وأخذنا نبحث عن لقمة طعام صغيرة تسد رمقنا الجائع، وأجسادنا المتعبة التي لن تذق طعم النوم ولا الراحة.. حيث إنعدمت وسائل النقل في الشوارع، وغلقت المحال والمطاعم..لم يبق في المدينة إلا مجاميع أمنية وعسكرية تجول هنا وهناك، وهم على وجل المرسوم على وجوههم، خصوصاً بعدما دخلت القوات الأمريكية إلى المطار الدولي وحدثت إشتباكات مسلحة عنيفة على محيطه. كان علينا نحن الموظفين داخل (المركز/ المتحف)، أن نبادل الواجبات للذهاب إلى ماتبقى من عوائلنا، والإطمئنان عليهم، وجلب بعض الطعام. قبل ما يسمى بالسقوط بيومين ذهبت للاطمئنان على عائلتي، مشياً على الأقدام من شارع حيفا إلى منطقة سكناي في بغداد الجديدة، على أمل أن أعود صباح الغد التالي، بعد أن وفرت بعض الأطعمة لزملائي. إلا أننا نتفاجأ.. بفوضى اللصوص وعناصر التخريب.. قد ظهرت عن بكرة أبيها وهم يسرقون ماخف وزنه وغلا ثمنه، وتتدمر وتحرق مؤسساتنا ومرافقنا الرسمية كافة من دوائر ومدارس وجامعات ومستشفيات ومصارف ..و.. و..، بالرغم من خطط الطوارئ والتحكيمات الصارمة.. لقد كان إنهياراً سريعاً ومفأجاً لم نتوقعه أبداً. وهكذا.. يخيم الظلام على العراق لنعود إلى القرون المظلمة فعلاً مثلما أرادتها وتمنتها لنا، وزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت اللعينة، قبل الأحتلال. على أية حال، تقطعت السبل، وكثرت الفوضى، وبرزت الثارات في القتل، والنهب، والسلب.. وتأخرت لبضعة أيام، بعد أن خربت بغداد نهائيا، وحرق الأخضر واليابس، وصلت إلى المتحف، وكان منظراً رهيباً، لم أستطع تقبله وهضمه حتى هذه اللحظة.. لانني لم أتصور في موجة سخيفة كهذه، يخرب ويضيع كل هذا الآرث العراقي العملاق، التي صنعته أياد وطنية نظيفة، أبهرنا به الكون..!!.

مواطن عراقي يبكي سرقة آثار المتحف العراقي
مواطن عراقي يبكي سرقة آثار المتحف العراقي

لقد أنتهى كل شيء .. سرق ما سرق، وحرق ماحرق، لوحات ممزقة وإطارات منزوعة من لوحات مسروقة، وفقدان سجلات وبطاقات الوصف المتحفي لكل عمل متحفي.. بالإسم والمادة والتأريخ والموضوع والسنة.. إلخ.. كنا قد عملنا عليها لسنين طوال.. من أجل أرشفتها وتبويبها وحفظها في أقراص خاصة. ناهيك عن حرق جميع ملفات الأرشيف التي كانت تضم كل شاردة وواردة من مسيرة الحركة التشكيلية في العراق، وفق تبويب مفهرس ودقيق جداً.. كذلك المكتبة المتخصصة بامهات المصادر والمراجع العربية والدولية، هي الأخرى قد حرقت عن بكرة أبيها!!. بينما كان نصيب الأعمال الفنية المتحفية البالغة أكثر من ثمانية الآف عمل فني، حسب السجلات الادارية الاساسية، التي فقدت هي الأخرى، فقد كان نصيبها مابين السرقة المنظمة، والأعمال الهمجية الاخرى، والتمزيق لعدد كبير منها، مع سبق الاصرار، والاضرارالبليغة التي وصلت درجتها 100 بالمئة حيث أصبحت هذه الاعمال خارج نطاق العرض الفني، بل أغلبها غير صالحة لأي صيانة أو معالجة وقائية فنية . لقد تم نقل ماتبقى من (اطلالات) الأعمال المتحفية، التي لايتجاوز عددها (الألف)، إلى المتحف العراقي للآثار، لغرض تأمينها وحفظها مؤقتاً لحين إنجلاء الظرف الفوضوي.. كون متحف الآثار وفرت له حماية خاصة. ورغم من مخاطبتنا للقوات الأمريكية التي كانت متواجدة بتوفير الحماية اللازمة على ماتبقى في بناية متحفنا الفني، إلا انهم رفضوا.. بينما مصرف الرشيد الذي هو مقابل المتحف قد وفروا له الحماية وتخصيص مدرعة!.
وبعد أن أستتب الوضع شيئاً ما تمكنا بالتالي مواصلة دوامنا الرسمي في مديرية التراث الشعبي في منطقة الإسكان، وقد عدنا أعمالنا المتحفية المؤمنة في غرفة ضيقة. ورغم من الظرف المؤلم جداً الذي حدث، ومأساة الكارثة الانسانية والثقافية التي ألمت بهذا الصرح المتحفي العملاق، لم نقف مكتوفي الأيدي، بل شمرنا عن سواعدنا، وبدأت جهودنا الحثيثة والواثقة، وبتأن من جديد، لاجل تأهيل وصيانة المتحف بشكله الطبيعي، وحسب الامكانيات المتوفرة، لاعادة بريقه ورسالته التربوية، حيث جمع ماتبقى من الاعمال المتناثرة على الأرض، في حالة يرثى لها جداً، فمنها المتضرر كلياً ومنها الممزق جزئياً . وتنكشف الحقائق لاحقاً.. بان أغلب الأعمال الفنية التي سرقت من المتحف، هي بفعل لصوص وتجار اللوحات، الذين يعرفون قيمتها المادية، وقد جاءني العديد منهم يعرضون عليًّ بيعها من أجل إعادتها إلى المتحف.. لأنهم قد أشتروها من الأسواق..!! لكني رفضت ذلك، لاني غير مخول بالتفاوض، ودعوتهم لتسليمها إلى وزارة الثقافة مباشرة.. عسى أن يشتروها منهم.. ولكن الوزارة والقائمين عليها كانوا أيضاً مشغولون بفسادهم المالي.. إلى أن تم تهريبها إلى خارج العراق.. لتباع باسعار باهظة.. ويسدل الستار عنها بشكل نهائي.. رغم مخاطباتنا إلى منظمة اليونسكو، والشرطة الدولية (الأنتربول)، والقاعات الفنية داخل العراق وخارجه.. إلا انه بلا جواب أو إهتمام!؟. وقد وجهت دعوات اعلامية شاملة لجميع الذين يحتفظون بأعمال متحفية، أو لديهم معلومات عن أماكن تواجدها، وفعلاً تمخضت هذه الدعوات الوطنية الخالصة باستجابة طيبة من لدن (بعض) المواطنين الغيارى وبعض المؤسسات الثقافية، داخل العراق، حيث استرجعت بعض الأعمال التي فقدت، وأدخلت قسم الصيانة، لترميمها ومعالجتها من الأضرار التي لحقت بها، ولو بشكل متواضع لأجل وقف الضرر الذي لحق بها ليس إلا، وقد نظمت بذلك معارض خاصة للأعمال المستعادة، بعد تهيئة قاعات العرض الفني بشكل لائق .

*عن صحيفة الزمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *