الرئيسية » ملفات » علوان السلمان : عيسى الياسري.. الفكر.. القصيدة (ملف/21)

علوان السلمان : عيسى الياسري.. الفكر.. القصيدة (ملف/21)

alwan alsalman 4إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.
المقالة : 

يقول نابليون بونابرت في أواخر أيامه :
“أتعلمون ماذا أدهشني في هذا العالم ؟ ” أدهشني أن القوة مهما اشتدت لا تنظم أمراً ولا تخلد أثراً صالحاً لان الفكر يتغلب دائماً في النهاية على السيف ويهزمه “.
و” عيسى حسن الياسري ” الشاعر.. الفكر.. الإنسان… من الشعراء الذين مارسوا الشعر كطقس من الطقوس الخاصة.. إذ كان انعكاساً لتغيرات جذرية في التفكير,
وتعبيراً عن منازع ثورية لصناعة المجتمع بقوالب جديدة وتسييره ضمن حركة التطور.. فقد ارتبط شعره منذ بداياته الأولى بالالتزام.. فهو من أولئك الشعراء الذين حققوا ذاتهم ليس في الكلمة وحسب، بل في الحب الذي منحوه للآخرين عبر القضية الإنسانية.. فالشعر عنده ليس تعبيراً عن الهموم الذاتية وإنما تطغى عليه قضية الجماعة.. حيث يذوب الخاص بالعام والذاتي في الموضوعي.. لذا أوقف إبداعه وحياته دفاعاً عن المعذبين في الأرض.. فحين تنبش الذاكرة وثورة الكلمات..والموقف عند الشاعر الياسري.. فهو الذي دغدغ المشاعر حيناً وثورة النفس أحياناً.. ونحن نتأمله أنفاساً بعطر الحروف التي أبدعها فكانت قضية الإنسان همه الذي حمله على كتفه وراح يتنقل كالبدوي يبحث عن كلأ وماء …
وحين هاجر الشاعر إبداعاً مكتظاً.. متصارعاً.. كان النزف الفكري الذي عاناه ينز هموماً.. أملاً.. وظل هكذا لم يصافح يداً دموية أو اقترف ذنب المجاملة للوصول إلى غاية ذاتية ..
إنه الإبداع في العبور إلى مدن الفرح وفصول منaisa 10 رحلة طائر الجنوب وسماء جنوبية وشتاء المراعي وصمت الأكواخ والمرأة مملكتي وأناديك من مكان بعيد… فالياسري عاش الغربة غربتين داخلاً وخارجاً وكان يتنفس هواء القصيدة كمخرج من عالم الغربة الموحش الذي مد أرجله الأخطبوطية وحاصره.. لذا كان سفره الشعري مملوءاً بهموم الذات المنقوشة وشما على وجه الأيام الحبلى بمرارات لم تنس.. فهناك المقهى الشاهد وأرصفة شارع الرشيد وأكشاك الصحف اليومية والآخرون.. واليا سري الشاعر عندما يخرج من ذاته تنساب الكلمات المموسقة وتنتشر نقوشاً على أوراقنا البيضاء , وتغزو الأذهان مخترقة خط الشروع وهي تحفر أخدود الفكر, وتتراقص حاملة همه وهموم الآخرين.. إذ إنه يغوص في الأعماق بمأساته لذا عشقناه لأنه صورة لمأساتنا.. إذ كان سفره مرآة أحلامنا.. عشقنا.. آلامنا على امتداد الأرض.. فكان ينسج سجادة الوطن ويفرشها لنطير بها كبساط الريح في الرحلة ,فهو صوت دافئ بصوره الشعرية القصيرة التي تشد قارئه“.”السندبادية ” فصوره تستفزنا بمفرداتها ومعاناتها وتضطرنا لنبش الخزانة الفكرية للتأمل والوقوف على حقيقة المفردة.. الجملة.. الصورة.. الوحدة.. الموضوعية التي تشد القصيدة بمضمونها الإنساني المتألق دوماً..
الياسري الشاعر ـ الروائي ـ صاحب الرواية اليتيمة لا ولن ينقطع لأنه الامتداد اللا متناهي للإنسان بخروجه من الذات دائماً.. لأنه القصيدة الجنوبية المحلقة على ضفاف الماء كنور لا يهجر الفضاءات والأمواج.. فهو في تجربته الشعرية يحاول أن يوقظ التواريخ والأمكنة بأسلوب
بنائي مغامر يحتك بواقعه.. ومن خلال هذه الجدلية المتصارعة تتفجر القصائد عنده وتتشابك
الكلمات والأفعال والدلالات عبر.. ففي قصائده نقف على حقيقة تمكنه من
لغته مع غنائية جنوبية شفيفة و بناء فني يعتمد أسلوب التتابع.. حتى نصل إلى ما نريد من متعة ومعرفة بالصور الشعرية التيkh aisa 7kh aisa 8 يرسمها لنا الشاعر.. فالتعبير بالصورة كما يرى س.م. يورد في كتابه “التجربة الخلاقة” لا يروي فقط ما يدور في رأس الشاعر، بل بعكس كل ما يحس به من تداخل بين الفكر والعاطفة.. ويرجع سبب تأثير الكلمات إلى خلقها لحالة من الفكر يلعب فيها الإدراك دوراً كبيراً , إن لصور الياسري الشعرية قدرة انفعالية تتعايش في أحضان واقع تربطه علاقات إنسانية متحركة بالمعطيات الحسية التي يتفاعل معها الشاعر بايجابية ووعي كلي …
يقول الشاعر إدفار دوفسكي “إن أغنيتي هي أغنية الناس” وهذا يعني الجوهر الخلاق للشعر الذي تنبسط أمامه الهموم والأماني التي تحتضن العالم البشري بأسره..
لذا فان ولوج عالم القصيدة يجب أن يكون مشوباً بالحذر لأنه محفوف بالمخاطر إذ أننا قد ندرك المعاني والإيحاءات والصور ونحل المعادلات والرموز.. ومع ذلك نبقى يقظين متأملين للكشف عن المكنون..
إذ أن كتابة الشعر مغامرة جريئة تستدعي استنطاق الأشياء ونبش الخزائن الفكرية وتسطيرها بعد تحليلها إلى مفردات بعيدة المدى لتنسج عالماً فردياً محركاً لصورها ومخلوقاتها المتنوعة الخاضعة للموهبة الشعرية التي لا تحدها حدود….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *