تابعنا على فيسبوك وتويتر

hadiya 5راسبوتين، هذا الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في حقبة مهمة من تاريخ روسيا، لم ينته بنهاية موته، لقد ظل مثيراً للجدل حتى الآن، بين أن يكون ضحية أو تكون له ضحايا لا يُعرف عددهم.. لكن المؤرخ الفرنسي بول موروزي يعيد لهذه الشخصية الجدلية حقيقتها في كتابه(اعترافات راسبوتين) الكتاب الذي صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بترجمة جان بشار جعفر.
اعتمد المؤلف على مصدرين في وضعه لهذا الكتاب، معرفته بالابنة البكر لراسبوتين والاطلاع على وثائق لم يسبق نشرها من إرشيف الشرطة السرية، وارتأى أن تكون الاعترافات على لسان راسبوتين نفسه، وحفلت بالمونولوجات الداخلية على شكل تساؤلات مغموسة بالحيرة والمرارة والغوص في أعماق النفس بأسلوب أخاذ.. وبما أن التاريخ يخبرنا أن راسبوتين لا يعرف القراءة ولا الكتابة الا في وقت متأخر باعترافه هو(لم أكن أعرف سوى القليل من قواعد اللغة، كنت أرسل هذه الملاحظات المليئة بالأخطاء الإملائية والانشائية الى زوجة القيصر..) لذلك فستكون الكثير من هذه الاعترافات بعيدة عن روح ذلك الفلاح الراهب الذي جاء من أبعد نقطة في سيبيريا لتفتح له أبواب القصور ويجد نفسه بين الأمراء والوزراء.. ثم إن المونولوجات الداخلية لا يعرفها أحد سوى صاحبها إلا إذا دونها بنفسه.. وما دام الكتاب سيرة وليس رواية تحتمل الخيال لذلك، لا يمكن أن تكون هذه الاعترافات حقيقية مئة بالمئة (وهذه وجهة نظر شخصية خرجت بها من قراءة هذا الكتاب وقراءات أخرى عن راسبوتين)
لكن ذلك لا يمنع من أهمية هذا الكتاب الذي أزال الكثير مما علق بشخصية راسبوتين خلال سنوات طويلة من إساءات مضافة الى إساءاته، خصوصاً فيما كتبته عنه الشرطة السرية، فأعطت للرجل صورة مشوهة حتى لكأنه لم يخلق الا من الشرور.
إن هذه الاعترافات تعد من السير المهمة التي أزاحت الغبار عن شخصية معقدة وعميقة ومضطربة، قرأتها بمتعة دون النظر الى دقة أو عدم دقة ما جاء فيها أو أضيف لها، إنها قصة رجل بسيط يعشق الخيول ويُتهم بسرقتها، وراهب مبجل امتهن تطبيب الناس دون الرجوع الى الدواء والجراحة، وبين الفلاح البسيط والراهب ثمة بحث دائم عن الحقيقة وصولاً للسلام مع النفس الذي لم يجده على الرغم من سفره الى أماكن نائية وتحمله الجوع والتشرد من أجل ذلك.
كان يمكن أن تطمئن روحه الى جانب أطفاله وزوجته، إلا أنه بدد طاقته في الشهوات والأماكن الرخيصة، وبرر أفعاله تلك بأنها أفضل مما يقوم به الأشرار من قتل للحيوانات في سبيل أكل لحومها أو التدثر في فرائها، وقد عاش طيلة حياته معتقداً أن في داخله شخصين(أحدهما يريد أن يلطخ جبهته في أرضية جميع الكنائس، في حين أن الآخر أسرع كفتى طائش الى ملهى ليلي لم يفكر الا بتسلية نفسه بالرقص والغناء الشهواني والتصرفات غير المحتشمة مع المومسات الفاتنات)ص140Raspotinkh pol morozi
لم يتعاط راسبوتين السياسة على الرغم من أنه عاش مقرباً من البلاط وتحت رعاية القيصر وزوجته، بل إنه لم يفهم شيئاً في السياسة، وهذا من حسن حظه كما يقول، وعندما حدثت اضطرابات وثورات صغيرة كان يعجب ويقول(ما الذي يريده هؤلاء الأشخاص الذين يلقي أحدهم بالمنشورات ويلقي بعضهم بالقنابل) إنه يؤمن فقط بالحب، وظل وفياً لهذا الإيمان، فبالحب وحده استطاع أن يشفي المرضى، آمن بذلك وطوّر قدراته بتركيز قواه الجسدية والعاطفية ليسحب من جسم المريض كل معاناته، وكان يعتقد بأنه مبعوث من قوى ربانية لهذه المهمة.
ولأن فلسفته في الحياة هي الحب فقد كره الحرب كرهاً شديداً حتى قال للقيصر عندما دخلت روسيا الحرب: إن كان ضباطك يشعرون بالملل، إن كانت سيوفهم تصدأ في أغمادها، ارسلهم إذن ليقطعوا الأخشاب في غاباتنا الواسعة، وهكذا يشعر الجميع بالدفء ويتمكن الفقير من أن يحمي نفسه من البرد.
وسواء كان راسبوتين شريراً كما يراه البعض، أو قديساً كما يراه البعض الآخر، فقد عاش الرجل حياته المضطربة مطارداً في أواخر أيامه ثم قُتل مسموماً، ليترك موته ألف حكاية وحكاية تلتقي وتتقاطع تماماً مثلما كانت حياته.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"