أ. د. نادية هناوي سعدون : الغواية في السرد النسائي القصير ؛ قصة الانتشاء أنموذجا

nadia hanawi 2*ناقدة وأكاديمية من العراق

الادب النسائي ادب يعلي من سلطة المؤنث ويجعل منه المبادر والمتسيد على صعيدي السارد والمسرود وليس على صعيد الكاتب او الكاتبة.
بمعنى ان كون الادب نسائيا لا يعني ان كاتبته امرأة دوما؛ بل المقصود ان يكون ميدان السرد وما بعده معليا من شأن المؤنث كمركز لا يستقطب حوله الاخر الا ثانويا او مهمشا..
وهذا ما لا يساير الادب الفحولي الذي لا يجد في المرأة ذاتا بل يراها موضوعا فرض عليه الرجل ثيمات خاصة ومنها ان المرأة رمز الغواية..
وقد ظل هذا المفهوم سائدا في الادب العالمي مستلبا حقوقها ملصقا بها تهمة لم تستطع الدفاع بها عن نفسها فهي دوما جالاثيا التمثال الذي خالف ارادة بجماليون فحكم عليه بالموت ..
ويميل السرد القصير عموما الى الاستثمار الافضل لفضاء الورق فنيا وموضوعيا تعبيرا ومحتوى لتنجمع خيوط السرد مع بعضها متواشجة متجانسة بلا تكلف او استطراد وهذا ما يزيد في جعل هذا النوع من الكتابة امرا ليس باليسير الا لمن ملك المران والدربة وشذب ادواته وهذب وسائله لتكون طوع بنانه ورهن مشيئته تكثيفا واختزالا .
يضاف الى ذلك امر اخر يمكن ان ييسر لكاتب السرد القصير الابداع وهو كيفية تطويع التقانات الفنية واستجلابها الى ميدان السرد ومن ذلك تقانة التناص
والتغريب والمفارقة والشعرية والعجائبية والسحرية والسيرذاتية والنسوية عبر مركزة المهمش او تهميش الممركز وهذه التقانة الاخيرة قد تم تطويعها في بناء قصة (الانتشاء) المنشورة ضمن المجموعة القصصية ( بيت جني) للقاص حميد الربيعي .
والانتشاء قصة نسوية ذات وظائفية تأويلية تستنهض همة القارئ وتدفعه الى المشاركة من خلال فك الشفرات وملء الفراغات وردم الفجوات، وفيها تتولى المرأة مسك زمام السرد بلسان المتكلم مؤدية وظيفة انفعالية .
وبوصفها فاعلا مركزيا فقد شظت الاخر/ الرجل واقصته جاعلة منه تابعا لا متبوعا ومهمشا ولا مهيمنا مخالفة خط السرد الفحولي الذي يعطي للرجل القيادة والمركزية حضورا وفاعلية اما المرأة فمجرد موضوع ادبي اثير وتابع.
والساردة لا تقدم الرجل الا معطلا عن العطاء اما هي فمهيمنة ومعطاءة وهي وان كانت مجرد لوحة معلقة على الجدار على المستوى الفني الا ان الاخر ظل سلبيا عاجزا وخاسرا على المستوى الواقعي.
وقوتها متأتية من داخلها في اشارة رمزية الى ان الارادة احساس داخلي بمجرد ان يمتلكه المرء يصبح قادرا على العطاء والتجدد ويمكنه عندذاك فعل الأعاجيب.
والقرف والاشمئزاز اللذان يملأن المكان من حولها وطبيعة الالوان والاصوات تجعل الساردة تنفر من واقعها المرسوم لها من قبل الاخر الذي سيغدو بسبب تراتبيته وسلبيته وبلادته ولا مبالاته وتخبطه مثل الثور الهائج متعريا من الداخل كاشفا عن حقيقته فهو بلا اسم ولا هوية.hamid 8
وهو ايضا البدوي الذي خسر ممتلكاته واجدا في المرأة/ اللوحة متنفسا ليداري فيها خساراته ليغدو من الداخل كيانا فارغا لا طاقة له بما حوله وهذا ما يمنحها قدرة الانقلاب على مالكها لتعلن وجودها وتظهر كينونتها تارة ب( ابتسامة متوارية) وتارة اخرى ب( حزر كلماته المتقاطعة) منتصرة لذاتها مالكة ما لا يملكه اعني الارادة التي بها تتمرد على معادلة الذات / الموضوع لتكون هي الذات ويكون هو الموضوع هي السيدة وهو العبد هو البدوي وهي الجميلة.
وهذه التناقضية دائمة لا تصالح فيها فأما الهيمنة تسلطا والسيادة وجودا واما الرضوخ قهرا والاستسلام قسرا ..
وبذلك تتأكد نسوية القصة التي اتقن القاص حبكها ، ليبرهن ان مفهوم الادب النسائي ليس هو الادب الذي كتبته النساء بل هو الادب الذي يجعل المرأة فاعلة تساير في مركزيتها الاخر قالبا المفهوم الابوي للمرأة ساردة ومسرودة جاعلا بنات جنسها منتفضات غالبات لا مجرد تابعات مهمشات
وهذه ما داومت الساردة بطلة قصة الانتشاء عليه فهي وان كانت لوحة الا انها شقت عصا الطاعة بجمالها الذي رأت ان من حقها اشاعته ليستمتع به الاخرون مطمئنة الى ان النتيجة ستكون في صالحها وهي بذكائها واقتناصها للفرصة ومهارتها في المساومة وامتلاكها المكر ستقلب ثيمة الغواية التي الصقها بها تاريخ السرد الفحولي جاعلا منها ضلعا اعوج اساسه الخطيئة بل هي الان ترى الاخر هو الغاوي واساس الخطيئة ولذلك يكون في انتشاء صاحبها الهستيري ندمٌ متوارٍ على ماض ضاع في حاضر، وحنق مبطن بلوعة..
اما هي فمشفقة على حاله بابتسام ومستنهضة بصيرتها بالحكي مقابل عمى الرجل الذي لم يعد يشعر بوجودها لانه غير قادر على استيعاب تحولها العجائبي الجديد.kh hamid alrubaie 5
وهو في الوقت الذي ما عاد متصالحا مع نفسه غدت هي مبتسمة قوية في اغرائها وثورتها وجذبها كل ما حولها من موجودات ادمية وغير ادمية( الاثاث الصباح الجدار الساعة) مضفية على ذاتها مزيدا من الثقة والنورانية .
وهذا التسيد السردي ياتي في القصة منسابا بعفوية لتتحول من تجريدية امراة في لوحة، الى فانتازية امراة اخترقت اطار اللوحة وأضحت خارجه، من خلال توظيف حاذق لتقانة المفارقة التي تجعل القارئ وبسبب خيبة افق انتظاره مصدوما بدهشة التحول الفانتازي .
فصوت المراة هو صمت الرجل الذي جعله القاص فاقدا قدرة النطق لكنه مع ذلك مصدر الغواية وهو مقترف الخطيئة..
وعندما تنتهك المراة حدوده لا يكون قادرا على الدفاع عن نفسه وهذا ما جعله في نهاية القصة يؤثر الاستسلام ويبقى حبيس قصره ملعونا الى الابد لان القرف ظل ملازما له..
وقد ساعد توظيف القاص للبناء الزمني في منح السرد القصير وتيرة تزامنية استمرارية تتمثل في المداومة على الفعلية المضارعة حيث زمن السرد =زمن الخطاب باستثناء بعض الاستباقات والمونولوجات القليلة ..
ان قصة الانتشاء بقصرها ، كبيرة في معطياتها وهي تتضافر مع قصص اخرى في المجموعة ومنها قصة صانعة الاحلام التي تسرد على لسان الشابة حيث الرجل غائب ولذلك تبوح قائلة:” قررت امساك زمام الامور لن ادعها تفلت من يدي” ص30
وكذلك قصة شغف التي بطلتها شابة ايضا تبحث دوما عن الاخر/ غاويا في هياة رائحة لا اكثر فضلا عن قصص اخرى.. الامر الذي يجعل المجموعة القصصية( بيت جني) ذات بعد مؤنث لتنضم من ثم الى خانة الادب النسائي.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : المنهجية النقدية عند الدكتور نبيل طنوس .

للدكتور نبيل طنوس جهود بحثية، استهدف بها دراسة أعلام من الشعر الفلسطيني، عدا ترجماته المتعددة، …

| صباح الأنباري : درب الحرية.

هاء، وأسفار عشتار: رواية جديدة صدرت قبل أيام للأديب الجزائري عز الدين جلاوجي وهي مزيج …

تعليق واحد

  1. مقالة جميلة ومبهرة للدكتورة نادية هناوي .
    في حال كان من حظي أن يصل تعليقي للدكتورة أتمنى أن تعلم أني في طور قراءة جميع كتاباتها واني أشعر بالانذهال والفخر من عقليتها الجامعة للحكمة والجمال والحقيقة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.