الرئيسية » مقالات » ناظم السعود:وطن طارد وثقافة تاكل ابناءها !!

ناظم السعود:وطن طارد وثقافة تاكل ابناءها !!

في حوار عقدته مع الشاعر و الباحث خزعل الماجدي اوضح لي و لبقية القراء ان العراق اصبح صحراء ثقافية . و الحقيقة انه ارجع السبب الى الشان السياسي وارى ان هناك اسباب اخرى جعلت من هذه الارض صحراء مجدبة و رمال متحركة تبتلع المواهب و القدرات , و لكنه اشار بجراته المعهودة ان المؤسسة الثقافية في العراق تحولت الى حضن طارد عوضا ان تكون وسيطا حاضنا للاسماء و المشاريع البقديم منها و الجديد .
وتصديقا لما ذكره الماجدي يمكن لي ان اعود الى امثلة طاحنة او محبطة : السياب و عذاباته المتتالية حتى رحيله الفاجع في الخارج لان اهل المسؤولية من سياسين و ثقافيين في زمنه تعاملوا معه كمتمرد او منبوذ يحق عليه الاقصاء و التهميش و الفقر حتى الموت ! و الحال ذاته حصل لاحد رواد القصة العراقية و اعني به ( ذا النون ايوب ) الذي اقصي بشكل مبكر و منذ اربعينيات القرن الفائت حتى رحيله النهائي في مدينة فيينا النمساوية خلال التسعينيات , و ماذا عن الجواهري و البياتي و غائب طعبة فرمان .. !؟ و البقية الباقية ممن تهجروا قسرا و سكنوا المنافي صاغرين حتى رحيلهم المتتالي و هم يرنون النظر ارض سكونها و وطن جفاهم عنوة و غيلة و مكرا فاصبحوا عنه في جفاء جغرافي و انين روحي حتى ان الفنان الكبير فائق حسن يوم توفي في باريس ترك وصية يقول فيها انه يريد احراق جثمانه في باريس ووضع بقية الرماد في قارورة صغيرة ترسل بعد ذلك الى بغداد و هذا ما حصل فعلا !.
امثلة قليلة كهذه تخفي حقيقة رهيبة لن نتمكن بعد الان اخفاءها او تسويغها بغير مضمونها الواخز . هي ان حركتنا الثقافية العراقية تمتلك اكبر رحم ولود للاسماء و التجارب و الفعاليات و لكنها تمتلك ايضا قلبا طاردا وحضنا رافضا للمواهب و الكفاءات الاستثنائية حد ان توصف ثقافتنا بـ ( آكلة ابناءها ) و لكن مالذي دعاني ان اذكر هذا و بعضه ذكرته مرارا؟ يعود المحفز الى ان السنوات الاخيرة شهد عودة مفاجئة لعدد  من الادباء المعروفين الذين ملوا الشتات و الاقصاء و الابعاد غير المباشر و حملوا حقائبهم من قلب اوروبا و جاؤا الى ارض الفخاخ و التفجير و الطفح !.
واذكر بكثير من الاسى عودة شاعرنا الكبير عيسى حسن الياسري من كندا حيث يقيم منذ عشر سنوات وقد جرّه الشوق الجنوبي الى بغداد من جديد ( لا استطيع مفارقة هذه الارض حتى لو كنت في الجنة! ) كما همس لي الياسري حين التقيته في بيته بالطالبية . اما الشاعرة و الصحفية نجاة عبد الله  فقد عادت هي الاخرى يحفها حنين و انين لم تستطع امساكهما و هي في غربتها الجغرافية في نيوزيلندا وكانت نجاة قد ذكرت لي في مراسلات الكترونية انها ( جائعة الى العراق و لا بد من ان تحل به روحا و جسدا حتى تشفى من امراضها المتتالية وخاصة الهومسك !) .
كما انها ذكرت  لي انها شعرت بغربة روحية هناك لكون بلدها يتناقل حروبا و ازمات و حصارات و اشداقا مفتوحة للموت بين اسماء و عناوين داخلية و خارجية مما يصبغ المستقبل بالوان الاحتمال و المفاجأة  ، ولكن يا للاسى فبعد كل هذه الاشواق المسفوحة والامال الوطنية الصادقة تابعت عن قرب شحنات النبذ والاقصاء تحيط الاديبين الشغوفين بوطنهما وتدفعهما دفعا الى النكوص الى الشتات مججدا وكأني بانظارهما تلتفتان الى النهرين السادرين
ويطلقان سؤالا مخضبا : لماذا ؟!.
هذان المثالان هما من الامثلة العديدة على حسن تعامل المثقفين العراقيين مع محن وطنهم و قدرتهم على اثبات موقف بطولي في زمن اللابطولة ، ولكن ما حصل لهما من فصول الخيبة والغربة والتجهيل المتعمد اوصلهما الى اختيار اجباري وهو ان ينكصا عائدين الى بلدان كانت غريبة واصبحت ملاذا ووطنا في الوقت الذي اجبرا فيه على هجرة وطن اصبح طاردا!.
و الاغرب من هذا ان من يعود فعلا من احضان الدفء الى جمرات الانتظار و الفقر و ضياع الكرامات هم اكثر الناس احساسا بفجيعة ( انهم عائدون الى حيث اغتيلوا اكثر من مرة و الى ثقافة تشبه القطط ) !!.
* nadhums@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *