الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » طه جزاع : ناظم السعود زعيم المثقفين الفقراء! (1)

طه جزاع : ناظم السعود زعيم المثقفين الفقراء! (1)

taha jzaaإشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر الكتاب الجديد للناقد والصحفي والمجاهد الثقافي العراقي الأستاذ “ناظم السعود” “لا صحافة أدبية في العراق” على حلقات. وناظم السعود مدرسة صحفية عراقية أصيلة ، وقلم نقدي بارع ، وسمته المشتركة الأهم في الحقلين هو أنه مبضع لا يهادن، ولكنّه مبضع جرّاح فيه الشفاء للنصوص والنفوس العليلة، فناظم لا ينسى دوره التربوي الخلّاق أبدا. في هذه الحقات دروس عميقة ثرة من تجربة السعود.. فتحية له وهو يبدع وسط لهيب محنته.

المقالة : 
اختار ناظم السعود أن يكون عنوان كتابه النقدي هذا،حادا،صارخا،صادما،وربما مستفزا للعديد من الكتاب والصحفيين والمثقفين العراقيين الذين كانوا يظنون إنهم يعملون في الصحافة الأدبية قبل أن يطلق السعود حكمه النقدي (لا صحافة أدبية في العراق!) الذي يشبه حكما قضائيا صارما غير قابل للاستئناف! واستطيع أن أتخيله كيف يراقب المشهد الأدبي والثقافي منذ أن هجر بغداد قبل سنوات يائسا من رحمتها وحنوها،وهو في منفاه الاختياري الهادئ نسبيا في ناحية من نواحي مدينة كربلاء،وكيف يلتقط مواضيع مقالاته الأدبية،بدراية ومهارة هي أشبه بدراية ومهارة القناص في التقاط صيده،وتوجيه السهام مباشرة إلى قلب الفريسة من دون خشية ولا رحمة ولا تردد!
ومذ عرفته منتصف التسعينيات من القرن الماضي،لم أجد ناظم يوما إلا فقيرا زاهدا،خجولا متواضعا،لا يحصد إلا الخيبات تلو الخيبات،بعد أن فشلت جميع الأنظمة والحكومات،بكل وزاراتها ومؤسساتها وثرواتها وخزائنها ومواردها ودنانيرها ودولاراتها في أن تمنحه سقفا في العاصمة يحمي أطفاله ويقيهم نائبات الزمان،بل لم أجده إلا مصابا بجلطة قلبية تلو الجلطة،مقاوما المرض والموت،متشبثا بالحياة بكبرياء عجيبة،مستعيرا من كولن ولسن قبعته الانجليزية الشهيرة،ومن توفيق الحكيم عصاه،وربما حماره،ومن السياب حزنه،وعذاباته المريرة،واستطالة البلاء،وعطاء الرزايا،واستبداد الألم،لذلك فهو مريض بلا حدود،وفقير بلا حدود،بل هو زعيم الفقراء المظاليم من دون منازع،ولو هبطت عليه فجأة ثروة من السماء،وسكن القصور،ولبس الحرير،وأكل لحم الغزال المطبوخ بالهيل والزعفران، لخرج إلى الناس بقبعته وعصاه وحماره ومرضه وعذاباته المزمنة،صارخا بوجههم : فقري بلا حدود،وأنا زعيم الفقراء!nadum alsod 6
والفقر عنده موقف،ورأي،وطريقة،ومنهج،وفلسفة،وقلم مبدع لا يشبهه قلم أخر،هو سيد المقال الأدبي في الصحافة العراقية،لغته سليمة راقية،عباراته رشيقة جميلة ممتعة،استدراكاته – وهي سمة من سمات مقالاته – قوية مؤثرة،التقاطاته ذكية عميقة معبرة،وأفكاره – لو طبقت – لانتعشت الحياة الأدبية والثقافية بلا وزارة للثقافة،ولا مؤسسات،ولا كتب واردة وكتب صادرة،ولا محسوبيات ولا منسوبيات ولا اخوانيات،ولا تهميشات ولا تعليمات ولا توجيهات ولا ايفادات ولا صرفيات ولا نثريات! أما روحه في الكتابة فهي روح ناقدة ساخرة صريحة،تذكرنا بمنهج سقراط في التهكم والسخرية من خصومه الذين يدعون العلم والمعرفة،وهم في جهلهم غارقون!
ولولا لوم اللائمين،وعيون وألسنة المتطفلين،ونزعة الكبرياء في نفسه المتواضعة،للبس ناظم الصوف دليلا على زهده،ومشى حافيا مثل الدراويش،والعشاق المجانين،في شارع المتنبي،طوافا بين مقهى الشابندر ومقهى حسن عجمي في شارع الرشيد،يحاجج المثقفين،ويجادل الأدباء،ويحاور العقلاء،ويلاطف المجانين،ويوزع السخرية والدعابات الثقيلة والإحزان بين المارة بالعدل والقسطاس! فالفقر عنده موهبة مثل الكتابة،بل قل إنه من أندر المواهب،وقد يكون الشاعر والروائي والقاص والموسيقار والرسام والناقد،غنيا في حسابات الماديات وانتفاخ الجيوب،لكنه في لحظة التوهج والإبداع يتجرد من غناه المادي،ليستثير في نفسه طاقة الشعور بالفقر من أجل أن تتجلى موهبته في أنقى وأطهر صورة،تماما مثلما تتجلى النفس وتتطهر من الأدران والخطايا،حين يصوم الجسد فترتقي من دناءة المادة إلى سمو الروح،على طريقة المتصوفة في أحوالهم ومقاماتهم وخلواتهم وعباداتهم وصلواتهم.

غلاف كتاب السعود. لوحة الغغاف للفنان المبدع مؤيد محسن
غلاف كتاب السعود. لوحة الغغاف للفنان المبدع مؤيد محسن

( لا صحافة أدبية في العراق! و30 مقالة منشورة في فنارات الدستور) إضافة نوعية لمكتبة النقد الأدبي والثقافي عموما،يطل من خلالها ربان سفينة النقد العراقي المعاصر،من دون كلمات مبهمة،ولا مصطلحات غامضة،ولا أساليب معقدة،فهو يدرك إن مشغله النقدي والثقافي والصحفي موجه إلى عموم القراء،فضلا عن المتخصصين،لذلك فهو يختار عن دراية وقصدية طريقة التعبير ومستوى اللغة،وهو المستوى الذي يصلح للخاصة والعامة،ويتمكن من خلاله الوصول إلى جميع القراء بمختلف مستوياتهم وادراكاتهم واهتماماتهم،فنجده يقدم الشهادات ويطرح الأسئلة،ويحرض المبدعين ويتابع الأعمال الروائية والنقدية،ويقوم النتاجات والأنشطة الثقافية،ويسأل عن المثقفين الغائبين أو المغيبين،بل ويجد متسعا من الوقت والمزاج النقدي،ليقدم شهادة صريحة في مسلسل تلفازي عراقي! وهو لا يتوانى أيضا في أن يبث صرخته بين هذه الكتابات النقدية عما سماه تبعية المثقف العراقي للاستبداد،ويعلنها بقوة وقسوة واحتجاج : بلادنا تحترق والمثقف العراقي يتفرج!
ناظم السعود لا يخشى على قلبه المتعب قدر خشيته على وطنه من الاحتراق،هو ما يزال مصرا على حلمه الجميل …سقف عظيم يحمينا من غدر الطبيعة ولؤم الإنسان ونائبات الزمان،ووطن واحد ينجينا من الغرق،والتشتت والضياع،اسمه العراق!

طه جزاع

* آذار / 2015

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *