الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » عصام القدسي : حكايةٌ للغد

عصام القدسي : حكايةٌ للغد

osam alkodsi 2بلا عمل ولا مال، اصرف الوقت جالسا في زاوية من المقهى المزدحمة بروادها. حيث اعتادت أن تضمهم تحت ســـقفها بثرثرتهم وصخبهم وهم يفرقعون قطـع (الدومينـو) و(الطاولي).اجلس بانتظار قادم لن يأتي، يدعوني باسمي إلى عمل أو صفقة توفر لي بعض المال .وما أن اتخذ مكاني فيها حتى اسمع صوتــه يناديني من وراء الحجب . وأتمنع طويلا ، ثم استجيب ،أغادر ملبيا ، ولكني بدلا من أن أتوجه إليه ، أغيـر رأيي لرغبة مشوهة تنبع من داخلي ، تصدني عنه . فتراني أهيم على وجهي كما لو كنت منقطعا عن جذوري . امضي بلا رجاء ولا هدف أو غاية انشدها . وأية غاية انشد وافقي مغبر والدروب جميعها مسدودة أمامي، فلا أرى غير أن أدور في شــوارع المدينة البائسة وأتأمل المارة :عمال أجراء بلا عمل ، تدل عليهم ملابسهم ووجوههم ، شحاذون يفترشون الطريق بهيـــئات مزريـة ، رجال مهندمون يرتسم الحزن على ملامحهم ، نساء أنيقات يخبأن وراء أناقتهن شعورا بالمرارة ، شباب يضحكون على كل شيء تقع عليه أعينهم .لقد ضاعت البلدة تحت أنقاض الترف الذي كانت تعيشه . وأتوقف أمام واجهات المحــلات ، أطالع البضائع الصامتة ،لأعود أواصل الدوران ..أدور أدور وأفكـــاري المتشائمة تدور معي كأنها أمواج بحر صاخب ،وأعود آخر النهار إلى البيت خالي اليدين . وأغفو موزع النفس بين كلمات اللوم والتقريع ، تعنفني بها نفسي . ومواساة زوجتي وهي تخفف عني ، وتصبر الأولاد وتمنيهم بأمنيات لن تتحقق.. كل يوم على ذي الحال . اخرج صباحا وأعود عند المساء ، وحلقة البؤس حول عنقي تضـيق وتضيق وتدفعني إليه ، كما كنت افعل قديما وكبريائي تحـول بيني وبينه .وأسـأل نفسي ما الذي جرى حتى أتأخر عنه وأجيب : لاشيء.ثم أقرر أخيرا الذهاب إليه..
هذا الصباح أستيقظ متعبا، امكث لحظات ساكنا في السرير ، القي نظرة على الكتاب الذي يرقد إلى جانبي على الوسادة . ثم انهض متداعيا أجــرجر قدمي . اغسل وجهي ، وارتدي ملابسي، واخرج..
في الشارع أحاول أن استرجع في ذهني كلمات قرأتها بالأمس، فتخوننـــي ذاكرتي . وابحث عن وجهه ، فأجده حاضرا يقفز إلى ذهني دون عناء..آه يا شاكر يا ناعور ، من غيرك ألوذ به وقت الحاجة ، وبم سأبادرك من القول لتصفح عنـي غيابي .أيكفيني أن اعتذر.؟ وهل ستقبل اعتذاري إذا ما قلت لك:
ـ لم أشأ أن أثقل عليك بهمومي، فآثرت الاختفاء..آخر مرة زرته فيها كانت قبل ثلاثة أعوام وأكثر، ورغم أن حديثه ساعتها كان يتضمن شكوى عابرة ، إلا أنني خلته يرمي بكلامه إلي . ثم عدلت عن وهمي، لاحتفائه بي وسروره البالغ بزيارتي . لقد رأيته كما هو ، قوي الشكيمة ، متفائـلا كعادته ، لم يهزه وضع السوق المرتبكة ولا غيرها. كان متجره (للإنتيكة) كالعـادة يصخب بكل ما يبهج العين من سجاد قديم وتحف وأثاث ، يعود تاريخها ، إلى زمن غابر مضيء . وزبائنه من أثرياء البلدة وعلية القوم لا يتأخرون عنه ، تصاحبهم كتفا لكتف حركة عمال المتجر الدءوب . ونفسه السخية لا تتأخر عن البــذل للقريب والبعيد ( اللهم زد وبارك) . وهذا ما يحصل حقا. ولكنها نفسي التي تتحصن بالأوهام والارتياب . من أجل أن تبقى عصية على موضع الذل .. سأقصده اليوم ، ترى هل مازال بحاجة لصداقتي..؟ ما زالت كلماته تتردد في سمعي:
ـ مهما ضاقت بك الدنيا فانا موجود..واقصده فأجده عند وعده ..
في المدرسة الابتدائية كنا في صف واحد ، وعلى مقعد واحد . كان أحدنا يكمل الآخر. فأنا كنت أبزه بالدروس . وكان هو يتفوق علي بالشيطنة والمكر . وكـان يستعين بي وقت الامتحان . واعتمد عليه ساعة تمتد يد الشغب ، وتجرني إلى لجته ، ويحتدم الضرب في الصف بين الطلاب، أوفي ساحة المدرسة . وأحيانا ساعـة الانصراف . وما أن نجحنا ، وانتقلنا إلى الدراسة المتوسطة ، حتى رأيته يتلكأ ويكثر من الغياب .ثم أعلنها ذات يوم أمامي بأنه سيترك الدراسة ، ويعمل مع أبيه فـي السوق . وافترقنا .. ومن يومها لم اعد أراه . وانقطعت أخباره عني . ثم التقينا مصادفة بعد سنوات طويلة . كان لقاء مشبوبا بالشوق والحنين ، لطفولة جميلة هانئة . وعدنا من جديد نمضي على درب صداقة تــاهت عنها خطانا ، في غفلة من الزمن، وكاد يطمسها شعث السنين، لنسبر عالما يسكننا ، ونفتح أبوابه العتيقة ، ونستكشف ما فاتنا قديما من فتنته. فعدنا نلتقي، حتى تخلفت عن موعده ، لمرات ثم توقفت عن لقاءه تماما، وكما ذكرت لشكوى عابرة لهج بها على سمعي. وظلت تـــرن بأذني . ثم جاءت أعوام الجمر ، ليفلت طائر صداقتنا في فضاء كالح بالمشـاغل والهموم..
وها أنا هذا الصباح ، في طريقي إليه يحدوني اشتياقي، وحاجتي . سأفاجئه فأراه في مجلسه المعتاد خلف مكتبه في نهاية المتجر ، يشمخ بعباءته( المقصبة) المزركشة ، بخيوط الذهب ، تنفرج عن كتفيه. فيبدو شبيها بالصقر الأشهب المحنط الذي يحتل الرف خلف ظهره ، ويقف شامخا على غصن خشبي ، ناشرا جناحيه ، متأهبا للطيران . بل يبزه شموخا ، فذلك الصقر يمتثل ساكنا يحدق بعينين زجاجيتين خلت من أي تعبير . أما هو فأراه صقرا حقيقيا على كرسيه العالي (الانتيكه) المصنوع من الصاج والمطعم بالمينا، تحوط به من حوله ،حــركة عماله على إيقاع دخول زبائنه وخروجـهم . سيبهت لرؤيتي وترتسم على وجهه ابتسامة كبيرة من الفرح الذي يتفجر داخله . وهو ما يفعله كلما التقينا. ويمد ذراعيه في الهواء ويعانقني بحرارة ثم يتأوه ويهتف :
ـ أين أنت يا رجل.. أين..؟
ويأمر لي بفنجان القهوة الجيدة ، المطعمة بحبات الهال . وما أن تحضر القهوة حتى تتنبه خياشيمي ، فأتمهل قبل أن تمتد يدي لأشربها ، لأترك لرئتي بهجتها وهـي تتشبع برائحتها العبقة التي تملأ الهواء من حولنا . ثم نشرع بالحديث . وكالعادة نبدأه بما آلت إليه الحياة من فوضى وبطالة، وفقر أثقل كاهل البلد ،وجــعل البعض يتساقطون على الدرب..
عند منطقة الميدان، يبدأ طريقي إليه . أمر بساحة (سوق الهرج) ، السوق الموغلة بالقدم ، فأرى كل شيء يحتضر : رجال تعساء ينتشرون هنا وهناك . يفترشـون الأرض ببضائع وأشياء لازالت صالحة للاستعمال ، هي مقتنيات أناس نال منهم الحصار ، فتخلوا عنها بعين تدمع مقابل ثمن بخس . إلى جانب الأشياء القديمــة ،عرف السوق ببيعها وشرائها ..لا بيع ولا شراء . الرجال يتطلعون إلى الأفق ألمدلهم بالغيوم ينتظرون زبونا يقلب بضاعتهم .. ويطول انتظارهم فيمضون الوقت بالشكوى من سوء الأحوال . إيه أيتها المدينة الكسيرة القلب ،التي يصعقك الجنون . أين أنت من الأمس الذي كان يظللك كالسدرة الوارفة ،لا تعرى على مدار الأيام والسنين .كانت هذه الساحة أهم جزء من السوق . حركتها لا تتوقف، الناس فيها تبيع ما لا تحتاجه وتشتري ما تريد بثمن بخس . أما الآن ، فحالها كحال البلد كله . فالجميع يتجرع من كأس المرارة نفسها .
وأصل المتجر ، قبيل منتصف النهار.وقفت أمامه ، كان الأفق ملبدا بغيوم واجمة ، ترنو من الأعالي إلى المدينة المثقلة بالأسى . وشعرت بالوحشة تباغتني ، وبأنفاسي تضيق . شيء ما تغير، بل كل شي . اللافتة التي كانت تشرق كغرة فوق واجهته ،انخلعت وتهدلت وتساقطت بعض حروفها الخشبية . ومنظره يبدو من الخارج سراجا انطفأ . سرت إلى الداخل بخطوات مترددة . كان المتجر قد تجرد من رونقه القديم ، وما ضم من آيات نادرة من التحف والسجاد والأثاث وأواني الخزف القديمة المطعمة بالفسيفساء اختفت . لاشيء إلا بقايا فخاريات ورسوم مهلهلة رخيصة تحتل أماكن متباعدة على أرضيته ، وعامل يقبع في قعره منشغلا بمعالجة شيء ما في يده .وتوجست مصيبة حلت بالرجل وتجارته . ولمحت مكتبه كما هو، فعاودني التفاؤل وأحسست ببعض الراحــــة . واصلت سيري واتخذت مكاني على المقعد الذي اعتدته ، بالقرب من مجلسـه . وجعلت انتظر أن يهل علي فجأة من عند الباب ، يسبقه صوته الجهوري مجلجلا بكلمات الترحيب ، فأسأله عما يجري. كان المكتب يكدره الغبار . والصــقر على الرف خلفه في حالة يرثى لها .وفي هذه الأثناء دخل شاب أنيق الملبس . حياني بلا اهتمام ، وجلس خلف المكتب . وقال يسألني بلهجة محايدة : ـ تفضل عمي..!!
كنت مشغولا بتأمل الصقر ، يقف مهملا وقد سقطت إحدى عينيه الزجاجيتين وكسرت جناحه ، فمال بوقفته ،وصدمتني صورة صاحبي معلقة على الحائط ، وشريط اسود ملصق عند حافتها وأعاد الشاب سؤاله:
ـ بم أخدمك..؟
أفقت من شرودي ، على صوت الشاب ونظراته المتعجبة . وحارت الكلمات فوق شفتي . فآثرت الصمت واكتفيت بإلقاء نظرة أخيرة على المكــان . ثم استدرت وسرت أتلمس طريقي إلى الخارج.
كانت الشمس في الأفق ، تحجبها غيوم رمادية .وفي شوارع المدينة عدت أدور وأدور . وانبثقت بقعة ضوء من فوقي ، سقطت على كتفي . رفعت رأســي إلى السماء ، فرأيت الشمس قد خرمت غيمة وأطلت بقرنها من وراء الحجب فتسلل إلى نفسي شعور بالبهجة . ابتسمت وأنا اردد : إنها حكاية للغد ، سأرويها لأبنائي حين يكبرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *