شاكر سيفو: أطياف سريانية قراءات في المشهد الشعري السرياني المعاصر

إشارة :

تدهشك وتنعش روحك مثابرة العزيز المبدع الشاعر والناقد ( شاكر مجيد سيفو ) ، فبين وقت وآخر ، وهو وقت طويل في حسابات الإبداع يختصره سيفو بمثابرته العالية ، نسمع عن كتاب أو بحث جديد يصدر له . الأهم في جهد هذا المبدع هو تأسيسه للروح العراقية الإبداعية من خلال الطرق على الهوية المحلية التي له الفضل في جعلنا نكتشف لآلئها الباهرة يوما بعد آخر .. تحية لشاكر مجيد سيفو .

مدخل اول
في عملية الدخول إلى عوالم الشاعر وتجربته الشعرية من زاوية نقدية قراءاتية حديثة, يهتم الناقد بالتركيز على تفاصيل المتن وجماليات الخطاب لإظهار مساحته الإبداعية , ثم يعكف راغبا” في الكشف عن أسلوبية النص ومقوماته البلاغية والتعبيرية ، وصولا إلى فتح مغاليق رؤاه أشاريا وعلاماتيا  للوصول إلى أفاق تمظهراته الجمالية واستنطاقها ، واستقراء مكوناتها واستجلاء خفاياها .
إن النص الشعري المعاصر هو ثمرة عقل ومخيلة الشاعر ، ومن هنا كان لابد للنقد أن يرسم سياسته الأبداعية لتوجيه القراءة إلى مرتبة عالية في سياق الكشف والإنتاج , وتوسيع مجال الأشتغال للعبور بالكتابة إلى أجواء الرؤى المغايرة والغوص في متاهات الذات المبدعة وإنتاجها الادبي .
يسعى الناقد إلى الوقوف عند متعة النص في منحنيات القراءة , حيث أصحبت المتعة من نقاط الذروة في شبكة الإيصال والاتصال بالأخر، وتم إدراجها كمحصلة للكون الثقافي والاجتماعي لوظيفة الأدب ، ومنه طراز الشعر .
ويظل هاجس الناقد في البحث عن المظاهر النقدية والجمالية والأسلوبية المغايرة، كتقصي العلامة والإشارة وأتباع أسلوب الإيجاز والتكثيف والسرد والحذف والكشف عن أسرار العملية الشعرية الغائرة في أعماق النص .
إن الكتابة النقدية ليست كتابة هامشية أطلاقا, أنها كتابة قد تتعالى على النص ، وهي رسالة ثانية ، إنتاجية تقوم بين المرسل والمرسل إليه ـ الرسالة المنتجة التي ترسم حدودها بنفسها ، وترهن شخصيتها في ترتيبها لأنساقها الإبداعية الإنتاجية ، إن الناقد هو المنتج المزدوج لمشروع النص فهو الذي يفتح فضاءه الأسلوبي بين زمنين، { زمن النص وزمن القراءة النقدية } وأنا شخصيا أميل إلى كلمة القراءة كصفة ثانية في قراءاتي للنصوص التي سأتناولها في هذا الكتاب أكثر من ميلي الى كلمة النقد.
لأنه قد يكون الشاعرالقارىء الحاذق الأصيل الحقيقي قارئاً ناقدا” ذكياً في استشراف وكشف كل فعاليات العملية الشعرية .
إنني أسعى في هذا المجال ألى كشف وقراءة آليات صيرورة النص الشعري وأسلوبيته إلي جانب تبئير ما تقترحه اشتغالات الشاعر و معطيات الفهومية الجديدة لكتابة نص شعري معاصر ، وما تفرزه هذه المعطيات من سبل إنتاجية جديدة ومناخات ورؤى وفضاءات جمالية وألوان خالصة تقترحها قراءة النص ، الى جانب كل هذا ، أرى إلى مرونة وتموج وتمظهر مدخرات النص الشعري المعاصر ومرجعيته الزاخرة بالموروث والرمز والأسطورة والفلكلور وتموين اللغة الشعرية في جزالتها وعمقها وكثافتها وتغذيتها بأنساق الأعجاز والمغامرة ومعامل الانزياح ، لارتياد مناطق خلاقة في فضاءات الإبداع .
وتجسيدا لكل ما جاء ، فبالأمكان القول بالقارئ الناقد و الشاعر القارىء الناقد ، لأن القارئ الناقد هو ذلك السائح الذي يسافر إلي منطقة الكلام الإبداعي بحرية دون أن يلتزم صيغة منهجية أو مذهبا نقديا ما ، فهو القارئ الذي يتعاطى مع مناخاته الرؤيؤية الخاصة . مناخات تزجية المتعة وكشف فعاليات قرائية جديدة ، تشريحاً وتفسيراً وتحليلاً وتأويلاً ,، وهكذا يتموضع الناقد القارئ والناقد الشاعر في إنتاج نص جديد يتوفر منه خصب النص الأصلي ، وبالتالي يتحول إلى أثر أبداعي جديد.. وهنا سنتناول تجارب شعرية سريانية جديدة منها تحققت في مجموعات شعرية ، ومنها نشرت نصوصها في مجلات أدبية ، وبالتحديد مجلة بانيبال ، ومنها نشرت في كتب مهرجان برديصان الشعري السنوي, أملنا أن نحقق الفائدة المقصودة ونثري المكتبة  السريانية نوعاً وإبداعاً  خلاقا ومغايرا……….
شاكر سيفو
بغديدا 5/6/2009م


ألفصل الاول
أطياف أولى

ألحاقا بالمدخل الاول
جماليات الخطاب الشعري السرياني المعاصر

روبين بيث شموئيل: العلاقة الجدلية بين بنية الغياب وبنية الحضور
بنيامين حداد: الجهاز اللغوي الصافي والهيكلية البنائية الرصينة.
نزار حنا الديراني: تجانس الحسّي والفكري للرمز.
الياس متي..شعرنة الانساق التاريخانية
أديب كوكا..ميتاجماليات الصورة الشعرية الرؤياوية
نمرود يوسف…………الملفوظ الشعري والعلاقةالسياقية بين الترميز والايحاء
عادل دنّو: إشعاع المفردة واتساع الرؤية الشعرية. يونان هوزايا : دينامية الحلم الشخصي التاريخي…
ظلت القصيدة السريانية التقليدية في اشتغالات شعرائها على أسانيد تاريخية موروثة، ظلت محصورة في قوة موسيقاها المتمثلة في وحداتها الوزنية وقافيتها المتسلطة على مسامع القراء لفترة طويلة، وكان لا بد بعد زمن طويل أن تُجترح أساليب جديدة تساوقاً مع حداثة النص الشعري الغربي والعربي وتسابقاً مع حاجات العصر وتلبية لها، فكان أن برزت كتابة شعرية جديدة متحررة جزئيا من قيود الوزن والقافية،واخرى متحررة ومنفلتة كليا من هذه القيود     واحتضنت هذه الكتابة منظومات فكرية وإيقاعية عالية في ضخها الموسيقي الداخلي كنتيجة حتمية للضخ الفكري الراسخ في المخيلة الشعرية الشخصية والاستفادة من موجّهات النقد الغربي الحديث المتوج في المنجزات التنظيرية لأعلام وفلاسفة كبار، أمثال: كلود ليفي شتراوس ورولان بارت وتودوروف وأمبرتو إيكو وهيدجر وهوسرل وميشيل فوكو وجاك دريدا وفو لفغانغ إيزر ونرو ثروب فراي وريفاتير وعشرات آخرين. إن قراءة متأنية للمشهد الشعري السرياني المعاصر تأخذنا بقوة إلى البدايات ومن ثم إلى فجوة كبيرة وعريضة من السبات، ولست هنا في استعراض تاريخي للحقب الزمنية التي مرت بها القصيدة الشعرية السريانية، لكنها فقط إشارات تقتضي التلميح والتذكير.. لقد انعطفت القصيدة السريانية، منذ نهايات القرن العشرين باتجاهات التحديث على مستوى الشكل والتشكيل واجتراح مضامين عريضة وكبيرة حيث أضافت لبنات كبيرة على بناء المضامين القديمة الاجتماعية والروحية والوجدانية  والتاريخية التي ظلت متسلطة على حفريات القصيدة السريانية منذ بداياتها وحتى أفول نجومها من الآباء الأوائل، ومن هنا، من هذا الأفق التحديثي للقصيدة السريانية، كنت أود أن أعرّج على قراءة نقدية لحفريات نصوص شعرية تشتغل في بنيانها النسيجي واللغوي ومركباتها العضوية على محمولات الحداثوية ومنظومات التخييل والتأويل,  ومنها نص الشاعر الصديق روبين بيث شموئيل الموسوم (أحلام ظلّي) “خلما دطلي ” الذي ألقاه في مهرجان آشور بانيبال العاشر في جمعية آشور بانيبال ببغداد يوم 28/ 5/ 2002 والمسجل ضمن شريطه الشعري الموسوم ” مزمورا عل شلدا دةشعيت ” “مزامير على جثة التاريخ”   والمنشور ضمن مجموعته الشعرية الجديدة- دلوبي- يستهل الشاعر – نصه الشعري – بإقامة علاقة ثنائية تقترب من التشبيه كمقوِّم بلاغي شائع يتسِّع لاشتغال موضوعاتي عريض، فالمعادلة التي يقيمها الشاعر هي، أنه يشبه أحلامه بعيون حبيبته “فكلاهما سوداوان”، لكن تظل هنا دلالة الاستلاب والاندحار مسنده إلى أحلامه، ودلالة الجمال والقوة والسحر والجاذبية موكولة إلى عيني حبيبته، من هذا الاستهلال نقتطف الموجزة الشعرية الصورية في جناسها المتنافر يقول الشاعر
(طلي وخلمي .. كا دمي لعينْا دموخبةي ـ بىي ةرويىي كومْا يلىون..) ص1.
إن الشاعر يحرص على الاشتغال على امتداد مساحة نصّه عمودياً وأفقياً على سيل من العلاقات المركبة والثنائية المتضادة وتقوده لغته الشعرية إلى استدعاء الكثير من الأسئلة التاريخية وتشظياتها عبر بنيات الإشارة والرمز وتفكيك الحدوس وتدوين الوجد المعرفي والفلسفي التاريخي من خلال إرساليات نصية توجهها منظومة لغوية ساخرة وناقدة تارة ومريرة نشيجية تارة أخرى لنقرأ هذا المقطع:
(مسكنت كوكٌا .. لةلى شروكا دفرخا لشيكُجٌو !وقطرا كنوشيْ عل ايةوةا دفرةوخْا !) ص2.
تتمظهر اشتغالات الشاعر على تدوين الحس الشعبي الجمعي والشخصي في هذه المدوّنة الشعرية بسيمائيتها وأركيولوجيتها الناطقة والمستنطقة لرموز تاريخية تتجاذبها لغة الشاعر وتراكمات صوره الشعرية:
(كليىي نشمت دمدنخا مؤعيا ـ فذيٌخاينْا بجو لفا  دلشنيٌ ـ الا لما عةقْا نىرينيْا كةيبْاينْا بلخود بؤؤْا دبلوعةي ..؟) ص3.
إن لغة الشاعر تعزف بتنويعاتها على الوتر التاريخي والموروث الأسطوري الجمعي والفلسفي الحياتي الحاد بطريقة تتناغم فيها علائق الحياة مع إيحاءات الأسئلة الأزلية المثوَّرة حلمياً وحوارياً بحيث شكلت هذه الأسئلة بنية أسية لمرتكزات النص وتمشهدات صوره المنشرحة والمتحاورة والمنفلتة بين علاقات المرارة والتراجيديا واستحضار الأمل وتركيب أفقه الغائب عن المشهد التاريخي والروحي والاجتماعي الجمعي، إن دلالات الغياب تتمشهد بقوة في نص الشاعر روبين بيث شموئيل في انفلات اللغة من مباشرتها إلى غرائبيتها ، حيث أن كل مفردة تتحول إلى أسطرة شعرية تتفاعل بشكل متضاد دلالياً وذلك عندما تنزع إلى الاشتباك مع البعد الوجودي القومي المجسد في مسافته الزمنية التاريخية, ويظل هذا البعد مأهولاً بالحيز الزمكاني بدلالة المرموزات اللفظية الصورية والرؤيوية: لنقرأ هذه المقاطع:
(بينة العْا دةشعيةي … دميكٌا ينْا خلمنيٌ وطعينْا عل سفديت دشوذنيٌ ـ وطلي ايك فسوعيةي برخطا يلى بةري دلا كلين ـ وانةي ىلا مفىورا يوةي جو شنةي من نوجىا دشًمورًمة ..) ص1.
إن مشهدية نص الشاعر تتشكل بوساطة محمولات الدلالة الكلية التي تنشطر إلى منظومة معانٍ دالة من خلال تموجات الجهاز اللغوي واللحظة الشعرية الحرجة المعاشة والمحايثة للحظة الفنية المتشكلة. ومن تجربة الشاعر بنيامين حداد نطّل على نوافذ قصيدته الموسومة (زمرا يون)، حيث تقوم هذه القصيدة على هيكلية رصينة في سقفها الأسلوبي – التركيبي اللفظي والموضوعاتي الذي تتراسل من خلال مفرداته المعاني المتجاورة في شروحاتها وإرسالياتها الحسيّة والذهنية والحلمية وتتعانق منظومة الموضوعة الكلية في بؤرة القصيدة من خلال المفردة المكررة (زمرا يون) وتنهض بنية القصيدة على محاور تتشاكل في أعمدتها اللغوية الصافية جداً، إلى الانضباط الكلي للوحدات الوزنية الموسيقية ومتانة التركيب والجرس العالي للقوافي الخارجية، ويتمكن الشاعر من اصطياده الكبير لصور الحياة متصاعداً بالمنظومات الدلالية من مقطع إلى آخر، فهو يؤكد حضوره الذاتي الوجداني الفعلي في ترسيخ مهيمنات الزمن والفكر والعاطفة والعقل, والمناورة فيما بين هذه المقتربات الذهنية والحسية كجسور إلى جسد المعنى لنقرأ هذا الاستهلال الجميل من القصيدة:
(بشوذنا دلبيٌ / بفةخن كوْت / ومخلن بخمرا عةئقا / دلبي سقوفيْت / ومبلوعت دؤفذا / بعبٌدن قنيْت / واديوم بد زمرن / بخد قلا خدت ..) .
إن الشاعر بنيامين حداد يؤسس له يوتوبياه الشعرية المتفردة من خلال بنيان النسق الجمالي واللفظي لهذه القصيدةبارتكازها على أسية العنونة الرئيسية بما تحتضن من تنويعات رومانسيةو ذهنية بصرية في آن واحد ، فثمة وعي كبير بالعملية التراتبية التشكيلية لمعمارية القصيدة التي تقف فيها الذات الإنسانية في مواجهة العالم والأشياء والكون، هذه المواجهة التي تضرب بعمق في النفس، لتتسابق الحواس في تشكيل أنساق الخطاب الشعري الذي ترشح عنه وجدانية غنائية عالية تارة، وصوفية جمالية حسية داخلية مسنودة إلى قول لـ(هيغل) في (داخلية تخاطب داخلية)تارة اخرى, أي أننا نحسّ بأن هناك تراسلاً حسياً باطنياً بين مكونات الفكر والعاطفة داخل خطاب القصيدة الشعري، لنقرأ هذه المقاطع:
( زمرا يون .. / من عومقا دلبي كنبعا زومرت / ايك ارعا طبت / بطنت بخطيت …) .
وتستند قصيدة الشاعر على أعمدة لغوية ترشح عن كثافة الأفعال وخاصة – الفعل المضارع – الذي يبني به الشاعر مقومات الجمالية الشعرية ويلاحق به مكونات الصورة والتوالد الدلالي وتقترب الأفعال الداخلة في معمارية القصيدة من اليومي الحسي والدرامي والمثيولوجي الشعبي ,حيث تنزع الصور إلى موجهها الشخصي الأنا الشاعرة, وتبقى الصور المركزية تشع من داخلية الخطاب بقوة, لنقرأ هذه المقاطع:
زمرا يون .. / ايكٌ طيرا دشلما / بد نفلن بجو خقلت / ومكيبن بايقرا / وبد نشقن زندْا فقيعْا وانيْ مشولقْا / وقيدْا بشمشْت / دانيْ حونقْا وانيْ خمْت / خؤدْا ومجدشنيْت / بلخما دةموز / قدّم زرعا خدت ..) .
إن تنويعات القول الشعري جسّد أثرية الفعل الشعري داخل خطاب القصيدة. ومن تجربة الشاعر نزار حنا الديراني نطلّ على حفريات قصيدته (نيسان) “نيسن” ص49 من ديوانه (صراع الوجود) (كوةشا دايةوت)، تشكل منظومة الأنساق الشعائرية والطقسية والميثيولوجية ,البنية الكلية لقصيدة الشاعر حين تنشطر رؤياه إلى أبعاد زمنية الحسي والفكري لتشكيل استراتيجية نصية تتحرك بدينامية الجهاز اللغوي بين هذه المكونات التي تجمع بين الإنسان والزمن والأرض والآخر في معادلة إشراقية ذات قيمة عليا تكمن في الإشارة الشعرية والروحية في ملفوظها العلاماتي إلى صلب المسيح وقيامته– لنقرأ هذه المقاطع:
(نيسن .. / جو قشيوةى ؤلبلىون بىرا / دفرس بارعا ىو عمطنا / واف جو سةوا بذقا رعما / وىي ججٌولت ارعا شجٌشا / ومن عل رومت ىي ققبٌنت / شمعا بكٌيا وسيًكا دكًكْا ..) .
وينتقل الشاعر من هذا المشهد الوصفي الفوتوغرافي في حركة الأفعال وتضاداتها وتجانساتها إلى حركة الزمن الشعائري حيث نيسان الخير والعطاء والخصب.
( نيسن جو قشيوةى فشلى طلن يرخا بريكٌا / ىا جو نيسن مشيخا ميةلى / ويوما دةلت منّ بةر موت /  زلجٌا دخوبا قرقوشْا يلى لمدعا داّنشا …) ص29.
لا تنفصل الذات الشاعرة عن حضورها في تأسيس بنيات النص حيث تعبر الحواس بكليانية راغبة في استدراج المعاني بوساطة الملفوظة الحية القريبة من قاموس الآخر والقاموس الشخصي والجمعي للوصول إلى حيز الكلمات مع حيز “الزمان والمكان”.
إن رغبة الشاعر تكمن في إيصال المعاني كما يراها الآخر في (القيامة) ذلك هو تأكيد الشاعر على حدثها كما هو منصوص عليه في كتاب الحياة ,ومن كونية الكلمة يؤسس الشاعر لصورهِ الشعرية التي تتجاور في محمولاتها الدلالية، فكأنه يدخل إلى نسق واحد, لكنه سرعان ما ينتقل إلى حاضنة الأسطورة لكسر رتابة المعنى المنجز في الذاكرة الجمعية، الأسطورة التي تتأرخ عبر ملفوظات الشاعر القريبة من ذاكرة الآخر، ولربما الراسخة، لذا يضفي الشاعر عليها نثارات من فكره الشخصي لتشعير العبارة واتساع أفق الرؤية:
( يا جلجمش  / امور لانكيدو دفيش جودا بةخوم اةريٌ / امور لبنافل ونبونؤر دطعنيْ شرجا دفيشي ْ عدذا وقربٌةنْا ..) ص31
أتمنى، لا بل أود أن أذكر صديقي الشاعر نزار الديراني بأنه نسي ، وأقول له ، كيف نسيت أن تُدخل نيسان إلى حاضنة العيد البابلي الآشوري (أكيتو) في استهلاله.. هكذا؟ لكانت القصيدة تتكامل وتضيء أكثر..
ومن تجربة الشاعر عادل دنّو ندخل إلى المنطقة الساخنة لقصيدته (ةشرين اخريا سبري) تتحول المفردة إلى نسق تشكيلي حين يختلط الواقعي بالتركيب الخيالي ليتراءى لنا تشاكل الجملة الشعرية في النسقية الذهنية  والحسية بإيحاءات تجاذب وتنافر، تنافر النسق الكلي ليتحول إلى جمالي يثير حساسية الآخر, اذ تشترك في رصد هذه العملية الشعرية وإثارتها عناصر دينامية خفية بين مكوّنات البنية اللغوية لنقرأ هذه المقاطع:
(فقيذا .. سبرا ةشرين .. أخريا / سبرا شخنوت دمدعرت دشمكٌي / وشمكٌي كةيبٌا بكل ركٌنا دركٌن بلبي ولبكٌي ..)
يقع هذا التبادل اللفظي في حركة المفردة على فضاء شعري بمداره الصوفي والوجداني, ويرى الشاعر فيه إلى تنويعات الموضوعة الكلية لخطابه الشعري في كثافة الدلالة واتساعها في حركة الملفوظات التي تؤسس لبنيات خطابه، ويتمظهر حضور النسق الميثولوجي والروحي في بؤرية الصورة من خلال مفردة (قَشةِا مًرٍَن)، وتنشق عن هيكليتها بالانتصاص على محمولات الرمز الحياتي الكوني وفضاء دلالته الكلية على امتداد التاريخ والمعرفة والمكان والزمن في تموقع مفردة (ةِشرئن) عبر مقاطع النص، وتتراكب دلالات الشعر حيث تتنوع رؤى الاشتغال بمهارة وانفتاح على المداليل والحلم الجمعي لنقرأ هذه المقاطع:
( وبىرا قشت مرن عينْا من عينةكٌي / وشمكٌي وشميٌ  دذيا رش قشت / وقشت دمرن لبية جبٌينكٌي / موكليت مسكٍنْا لةرعكٌي / سبرا ةشرين أخرينا  ..) .
إن علاقات الغياب والانتظار تتشاكل مع علاقات الحضور في التراسل الحسّي لكلمة الانتظار (سبٌرا ) ، حيث تشمل في بعدها الحضوري – مسافة الانتظار والفجوة حسب   الناقد العربي المعروف د. كمال أبو ديب – وأفق التلقي كحضور الأنا الشاعرة في توجيه إيقاعات الجملة الشعرية إلى فضاء المعاني واشتباك الأنا الشاعرة مع دلالة الزمن واقتسام الأمل المنشود مع الآخر المتجسد في هذا النص ب(المرأة).. إن مركبات النص ترشح عن علاقة تناص حياتية ثرة.. وضمن هذه الاشتغالات وحركة الرؤيا الشعـرية والأنسـاق اللغوية المتعددة.وننتقل الى مشغل الشاعر اديب كوكا,حيث يستهل الشاعر– قصيدته – (وبفاةن كشفرا خدوت) باستفهام حقيقي يقص ضمن مستويات الأسئلة الجمعية مقابل الآخر – السالب، إن بنى الأسئلة القائمة على منظومة الأفعال في سيرة إشراقية لحياة انموذج بشري خلاق يسعى فيها الشاعر إلى الانفتاح على فضاء جمعي من خلال التصريح باستخدام منظومة الأفعال بإسنادها إلى نسقية لغوية على صعيد الجملة الشعرية لخدمة أطروحة النص في إشاعة قدر عال من التوتر والتأزم داخل حدود المشهد الشعري والفكري بمكوناته اللغوية والصورية والإيقاعية ويتلون الخطاب الشعري بمظاهر الزمان والمكان وتتمظهر الذات والجماعة في موجزات سرية جوانية يوهم بها الشاعر تصريحاته في لغة موحية، مثقلة بشعرية تتخلق بحساسية الكتابة الشعرية الجديدة . أن حضور الشخصية الجماعية في النسق اللغوي منح الشاعر رؤيا عالية في الفكر والشعر معاً، وبهذا تحققت ثنائية الميتاجمالية (الذهنية والحسية)، إن رؤيا الشاعر تعتاش على الميتافيزيقيا الجمعية الثائرة ومنتجاتها التراثية، حيث اعتمد الشاعرعلى الأفعال التوكيدية في تأسيس لغته وتشعيرها وبناء موقف فكري متجسد في ثلاثية أيقونية يقينية هي (الأفعال + العاطفة والتأمل) لكي يدفع بقصيدته إلى حيوية وتوتر وتجسيد جزئيات الرؤيا والوعي والجمال والحلم والأمل الذي يؤسس به ومن خلاله, كينونات شعرية، ويتحقق الحلم والأمل في إصرار الشاعر وتأمل التجربة الإنسانية الحياتية المتجوهرة في وعي معلوماتي ومعرفي لقضيته الشخصية والجماعية :
وسبرا يوخ واخنن مولخملن قينْت
لمزموذا دسبٌرا
ودايك لا ىوخ سبذنا ،
ما لا بطوذنن كللىُ جميا دنوخ
وطرفا قدميا دزيت ،
دشقلى يونا دنوخ ما لا من كرمنن ..؟؟
إن البناء النصي الذي يقوم على إشعاعات منظومة الأفعال وحركاتها وفاعليتها يؤكد قدرة الشاعر الاستثنائية في تحويل مكوناته الصورية إلى مشهد شعري وفضاء مخيلاتي شفاف متوتر وحاد منبثق من رؤية الشاعر الكونية واستدعائها للموروث الحلمي والتراثي الميثولوجي والأسطوري، إن صوراً مشعة تتراسل داخل مشهد الشاعر وفضائه في سلسلة مرجعيات غنائية عالية، في مستويات حياتية تشدها علاقات بنيوية تهيمن عليها قوة الفعل اللغوي المنبثق من المركز اللساني التأسيي للذات الشاعرة، إن قوة الأفعال تفصح عن دينامية استثنائية في اشتغالاتها النصية لتركيب الخطاب المشع من الداخل بمستوياته الدلالية والإيقاعية، المتشعبة في بنى الأسئلة المتلاحقة والمركبة:
وةمىا لا خدخ وفؤخخ
اخنن رشملن الف بية قدميت
ودذالن زوعْا لاةوْت
ومبقرون لاشور بنافل
كما لوخْا بد مخزالوكٌون …؟
يتجه الخطاب الشـعري إلى اكتسـاب بنية الجماعة عبر منظومة لغوية مؤسسة على النحن – (الضمير المنفصل) – (اَخنَن)، واجتراح بنية الموروث الشعبي المتأصل في الذاكرة الجمعية من خلال هذه الصياغات الجمالية التي تشير إلى الضمير الجمعي التاريخي والكوني المتجذر في الرمز التراثي والرمز التاريخي والموضوعي الهوياتي وعبر هذه السلسلة الضميرية يتأسس خطاب الشاعرحيث يصرح.
واخنن لا يوخ اذخا
اخنن مذوت يوخ
وبريشن كشفذا ةجٌْا
ص    ص    ص
وقي لا ىوالن سبرا
موزلت دخيْا ىدكٌا يلى
ةشعيت ايا يلى
دعبرىُ واةيا
واخنن فيشْا ىوخ وبد  فيشخ
وطلن لى خشخت يلىُ خدوت
وتترسخ الرموز التاريخية الكبيرة لتجسيد شعرية المعنى ومعنى الشعرية في علاقة ثنائية تقوم على بنية الزمان والمكان وجماليات الأثر ومرجعياته المؤسسة في الذاكرة الجمعية..!.
… وانكيدو دفلشلى من خيْا
وخدرلى لمةوميوت
قدم وبةر جلجمش
وكليىي الىْا اخذنا
ما لا مايةيىوو قوذبنا
وسجدين ىوو قدم الىْا داشور …!
ومني كمشفرىّوا لايةوت
بش كبيذا من عشةر
إن قصيدة الشاعر أديب كوكا تأسست  على ركام كبير من العلاقات التذكرية والصورية عبر نسيج لغوي توزع بين الإشارة والرمز والعلاقة والصورة العنقودية التي تناثرت وتوزعت على فضاء النص وتجمعت لتكون البؤرة المركزية للخطاب الذي تأسس على فعاليته الضمير الجمعي، – نحن – والذي كان بؤرة النص ومحرقه ,لتغدو القصيدة خطاباً حياتياً شاملاً داخل منطقة حرجة من مناطق التاريخ بفعل إشراقات المنطقة والحقبة, ليتوزع أدوارها الشاعر، الباث والموجّه ومنظومة الأفعال الانتقالية من حالة شعرية إلى أخرى يقود خطاباتها الضمير الكلي – نحن – وإذا دخلنا إلى المختبر الشعري للشاعر الياس متي منصور سنجد مداليل من مستحضرات البنية التاريخية تتجوهر داخل منظومات لغوية بمكرسكوبه الشعري الشخصي ويتخذ الشاعر من السياق المركب في العبارة (الفيْا دشنْا) سقفاً زمنياً مفتوحاً بانشراحه في الزمنية اللامحدودة، واتخاذه إياها موجهاً لقصيدته والموجه في القصيدة هو بمثابة الثريا أو العنونة الكليةو الثريا العنوان, فعلاً عندما تتشظى محمولاتها داخل مسار السياقات التركيبية، وحركة الفعل الشعري في ديالكتيك رؤيوي ووعي فني وفكري في توجيه عناصر البنية التاريخية برموزها وقوتها إلى منطقة الشعر، إن الشاعر يسعى بجمالياته اللغوية إلى تشعير البنى التاريخية وتتسلّط الأنا العليا في قيادة العملية الشعرية وحالاتها من مركب سينمائي وخيميائي إلى صور شعرية تتدفق وتتلاحق وتلتقي وأحياناً, تتضاد وتتقاطع في بؤرة المركب الزمني (الذي هو الموجه الأساس للقصيدة)، وتلتقي مكونات التشعير في بؤرة الضمير الجمعي (نحن) عبر أفعالها المحررة داخل العبارة الشعرية:
الفيْا دشنْا ـ ودميٌ ودمعيٌ وشميٌ ـ
الفيْا دشنْا وقيةرا دشوميذيا ـ برقلا دأنشوت
ومدينيوت ـ اكد وملكوت ـ ببل ونموسا
اشور الىا ـ يشوع فروقا ـ لمسو نطورا
واخيقر خكيما ومىدينا
إن تدرج البنية التاريخية في إشعاعات رموزها تقوم على سياقات الجملة الاسمية وصفاتها المشعة، وتتصاعد شفرة السياق الشعري بوساطة لغة الانفعال والعاطفة والحلم والاستذكار، فالشاعر يلازم مناطق التاريخ ليؤسس خطابه الشعري، ففي هذه الصورة ينتقل من حالة إلى أخرى ليؤكد حالة الإصرار والبقاء ويسرد ضمن هذه المنطقة التاريخية انتقالات الـ(نحن) الضمير الجمعي الذي يشيرالى الحالة الانتقالية من وإلىالمعنى الكلي يقول الشاعر:
الفيْا دشنْا ـ لما بشبًٌقا وبعرقا ـ نفلت دنينوا وفيشلن ـ ردوفيا دشىبور ورخشلن ـ ىولكو وةيمور ؟ وكفشلن ـ سفر برلك ورعشلن ـ اخذنا وفشلن ـ وجرج فيشخ وما برالى ديوة بشبًٌقا وبعرقا ـ ومبةر ما دموزنجر ليٌ سيفا دردوفيْا بدمن زكٌيا ـ وخنقلن خبلْا دشونقا بقدالن طعينا ؤليبٌا خيا
في هذه السرود الموجزة الشعرية يقدم الشاعر صورة تاريخية جمعية في مكونات لسانية ثخينة بوساطة الضمير الجمعي واستثماره لقوة بعض الأفعال الموجهة نحو بؤرة القصيدة لتضخ شعريتها عبر مديات ومناطق النص بكليتها، إن قصيدة الشاعر في تشكلاتها الرؤيوية وبناها الإيقاعية تتعاضد لخلق حالات شعرية بمستويات السياق النصي الداخلي الذي يتخلق به إحساسنا الجمعي، وتتشاكل صور الانفعال العقلي – حسب – غاستون باشلار في- تقاطعات الشاعر والقبض على اللحظة الشعرية ومخياله الجامح- حين يستدعي الماضي بإشراقه وتموجات حركته وانتقالات الحالة الجمعية داخل حاضنة الماضي ورموزه وتعدد موجاتها في سيل بثها المتشابك مع الأنا والجماعة، ويتمظهر المقدس في الزمني والمكاني باستحضار العديد من الأسماء الكبيرة المشعة والأمكنة الخالدة العظيمة، في علاقة سببية بشقيها المادي والروحي في هيئة أحلام الشعور الجمعي، إن الكثير من ملفوظات الشاعر احتفائية وإدهاشية متجذرة بعمق في مفكرة الجماعة, تحررها البنية اللسانية لمكونات القصيدة، حيث الموجه الرئيسي المنبثق من الحقل الزمني الذي يواجه مستويات حياتية متعددة, ومن صور اليأس واللوم والوجع والألم والحكمة والشكوى والوجد الصوفي والتضحية، خذ مثلاً قصيدته: (منيٌ بشًقلٍكٌي منيٌ): لترى هذا الالتحام والالتئام بالآخر الجمعي التاريخي الشامخ في صور تصريحية يخدم بناءها إيقاع المفردة وإشعاعها وتماسك الجملة الشعرية والنسيج العام للقصيدة:
(منيٌ بشقلكٌي منيٌ ـ وانّةي دميٌ ودِمعيٌ وشميٌ ـ
وبينة ةرويىي نىروةكٌي ربالي ويقدلي ولىجلي
وبزليقْا دعينيٌ ةشعيةكٌي خفرلي وجلاليٌ
ومن التقنيات الفنية التي أثرت قصيدة الشاعر، التعالق والتضايف بين المقومات البلاغية المتعددة، منها منظومة الجناس والطباق والاستعارات والمجازات والتشبيهات ومن صور الجناس اللفظي والاستعاري هذه الصورة الشعرية الرائعة:
الفيْا دشنْا ـ وجذما دببْوةن سولا دعفرا دبيةنىرين
الفيْا دشنْا والفيْا دشمنْا
كومذا وملفنْا ـ جو شمين لحلوحايلى
بلبوؤْا يلى مبطبوطْا يلى مبؤبوؤايلى
عم ليلو ومحدو وكيما ومجدا ومسات
ومساةن مني بةًقللى
ومنيٌ بةقل مسات ـ طعينت خوبا دالفيْا دشنْا ..
ويظل الشعر قمة ما يريد إيصاله الشاعر بوساطة بثه الدلالي والإيقاعي للكملة الصادقة التي هي المكون الأول للحالة الإنسانية، إننا قد نعرف الإنسانية من خلال الشعر وبالشعر فهو حقلها المقدس وحلمها، هو أملها الحلمي، في البدء كان الشعر، وحتى أن الإنسان قد حل قلقه الميتافيزيقي بالشعر الذي يتمثل ويتمظهر في ملفوظاته الحياتية التي اقترنت بالجمال والأسطورة والحلم . وتجسدت هذه المنظومة في صيغة وجودية، تلك التي يصر على ترسيخها الشاعر إلياس متي في لحظة من لحظات الصدمة والحدس والدهشة وأحياناً التعالي الروحي والوجودي على الوجود لنسمع ما يقول في هذه المصورة الشعرية الخالدة مجسداً جوهر الحلم والرؤية، مرة مستعيناً بالرمز التاريخي البطولي وأخرى بالمقدس والأسطوري الكوني الدال والراسخ في الذاكرة الجمعية والمتجسد في حفريات الرمز التاريخي ودلالات الرقم المقدس في حفريات ذاكرة الشاعر.
ولا زدعوةون ولا زدعوةون
وان امريلوكٌون فشروكٌون وخلِؤلوكٌون
وفرقلوكٌون وجو دونيا بوذبزلوكون
ان شبعا فيشي بةقلخ كول بريت
واخنن يوخ خبت وخردلا دةقلا ومشنيا طوذنا
الفيْا دشنْا ـ وجلجميش دخزالى كل مندي
الفيْا دشنْا وخبورا كنشق دقلة
وازلو كخفق كل خطيت
كد ؤخن لؤدريىي وسفوةيىي
إن حلم الشاعر الياس يدخل في منطقة الصراع التاريخي الذي تجسد في حقبات زمنية مفتوحة على الحياة، وسيظل هذا الحلم المتعين واليوتوبيا التي يمحي فيها قلقه ومخاوفه في حالة شديدة الانبهار والتماسك في ثنائية من اليقظة والغياب من الحلم وجوهره الاستاطيقي والكوني إلى لحظة الإمساك بالجوهر الوجودي ولوعته واختراق المجهول الكوني..
وإذا تمعنّا في ثريا قصيدة الشاعر نمرود يوسف سنرى صيغة الاستدراك المتماسكة في بنيان موجهها الشعري، المتجسد في كلمة (بس)، فالملفوظة هنا تحيلنا إلى حال شعري يسبق ويلي صيغة الاستدراك القوية في صيغتها النحوية الأمرية. حتى تكتسح هذه الصيغة البنية الكلية للعنوان أو الثريا (بكٍي بَس لًا  مًخيًةي  لجًنًكٌي) إن استدعاء الفعل الأمري للعنوان يجعل استهلال القصيدة استحضارا لبنى نداءات التوجع والألم واللوعة في مستوياتها الحياتية الشاسعة. ويعقب الشاعر حركة أفعاله منذ البداية حتى تتلاحق لتنمو نمواً درامياً وأحياناً ميلودرامياً في هيئة البكاء وحالاته لتسيطر مشهدية الخطاب الشعري .يسعى الشاعر فيها لتصعيد المشهدية الصورية في انتقالاته من حالة إلى أخرى حتى تتزاوج في نموها مع مرشحات التخييل والاحتشاد الذاكراتي في خزائنه ولقاه من الرموز الروحية والميثولوجية والقيمية لتشكل لها قيمات شعرية تؤسطرها بنى السرد على لسان السارد الشاعر، إن سعي الشاعر في بناء خطابه الشعري بوساطة لغته الشعرية هو من المهيمنات الاسلوبية التي نراها بارزة في مجمل النسيج الكلي للقصيدة، فاللغة هنا ليست استعراضية أو جامدة ومعجمية، إنها شكل من أشكال التخييل، تتناسب مع إيقاع الفكرة واستثمار دلالات متعددة عبر تمظهراتها الحسية والذهنية في مستويات عديدة من الإفصاح والترميز والإيحاء والتساؤل والإفضاء.. لنقرأ هذه المصورات الشعرية الجملية:
من دمعْا دعينيٌ ـ  نطفت نطفت ـ نىيرا دمشخن طلكٌي
ومن العْا دؤدركٌي : ِالعا العا جدلي سيجٌا دخما جو شمكٌي ومن ششلت دؤدري : جذما جذما بناليٌ شورا دنطر شمكٌي
في هذا التتابع الحسي والصوري تنفتح داخلية الخطاب من خلال رؤيا الشاعر لاستقراء علاقته بالآخر، ويقيم من أسية هذه العلاقة جدلاً لتثوير باطنية النسيج الشعري المركب عن سلسلة من الصور الشعرية التي تتصل ببعضها في وحدة عضوية وموضوعاتية تتوهج عبر سلسلة من التساؤلات الساخنة وتتحرك وتوجه أفعالها (اِن) إذا الشرطية، لقد بذل الشاعر جهداً كبيراً طيباً في ملاحقته لاصطياد الصور الشعرية التي تتفاعل في طبقاتها أحاسيسه وأفكاره التي تمظهرت في بنية الحواس بطاقاتها الانفعالية وتقنيات الاشتغال الشعري الحديث عبر مستويات استعارية ومجازية لتلقيم خطابه بمكثفات السرد وشعريته في فضاء رؤيوي بصري معاً، واستدعائه لثيمات من الميثولوجيا والتاريخ ومعامل الزمن، ويتصاعد إيقاع الخطاب الشعري عند الشاعر نمرود يوسف في تكراره اللفظي المعنوي في هذه التصريحات الاستعارية التي يصر فيها على إبراز وتقديم الآخر في بنيان متماسك وحالة وجودية وصوفية راقية في الحياة، متأملاً هذا المشهد الحياتي المتصاعد وباثاً أنساقه عبر لغة موحية متأنقة، لنقرأ هذه الصور:
ان امري كوسكٌي قريما يلى بسيبوت
امور ؤوؤيةكٌي فةخللىون شقيْت دعطرن كرما وشمن طورا وان امري لية ارعا دقفلالكٌي ، امور من فجٌري شخنلى اشيت
….
بكٌي سبب من دمعكٌي شةاليىي كىنْا وذبنا ومن دعةكٌي بناليىي ديذا وقليْت ..
إن منظومة من ميكانزيمات إيماضية بمؤولاتها ودلالاتها ترشح عنها قصيدة الشاعر نمرود، حتى تتفرع هذه المنظومة إلى خلايا تشتغل على عصب الكلمة فتستعير فقراتها وأشعتها وتعيرها الهيكلية التي تلائم الحلم الشعري وحيثياته الاستشفافية التي تظل تشتغل على تغذية القصيدة بمقوماتها الحلمية والبصرية وتشكلاتها الصورية التي تتوالى في جمالية هارمونية تنبثق من الوعي الحاد بقصته إلى لحظة المحلوم به, لحظة بناء القصيدة التي تنغلق على صوفية المشاعر في الاسترسال الشعري. إن الشاعر يسعى إلى تحريض اللامحسوس ليجسد عبر التجلي في المحسوس من خلال لم فضاء الجزئيات الصورية التي تمتص نسغها من مخزون الشعرية ساعية إلى التغلغل في مفردات تتشرب المجترح واللذيذ في تناص جمالي أخاذ
بصيغة الأمر أو الطلب المتوجع واستدعاء الذاكراتي من المشاعر الصادقة الفياضة:
ولا مخيةي لجنكٌي وانةي قم ملفةي لي لا بس من شمشا كا ات بىرا  الا من كل لبا خريكٌا لؤدرا ديمى
بكٌي : دقدم ملبشيلكٌي اما جونْا ومعبريلكٌي لديذا بةذعا عيقْا ـ واسريلكٌي بلفْا ديما دفيشةي زودا
ولا مخيةي لجينكٌي : سبب كليىي جونْا كفيشيلكي
وكليىي كنونْا مولىيلكي
ودرالكٌي لعزا درةملىُ شميرم
وسيفْا دطعنلى سرجون
وكل ما دخرزلى بنافل
وكل ما دزرعلى برزرعا بخقلةْن
إن لغة الشاعر في هذه السياقات تعد من صميم الإبداع الشعري والجدل بين بنيتي القصيدة العميقة والباطنية والظاهرة، ذلك هو الجدل الإبداعي الذي يمنح للقصيدة حركتها وتوهجها، إن الوعي بأهمية تشكل اللغة الشعرية هو الوعي بأدواتها ومسارات مركباتها الرمزية والإيحائية, والحيوية التي تؤسس هذا التشكل هو المفتاح الذي دخلنا به إلى فضاء قصيدة الشاعر نمرود يوسف وبدت مفردة (بس)، الاستدراكية ذات حركة وفاعلية في قيمتها التي تعرفنا بتشكل القصيدة من استهلاليتها وتشكل أفعالها في تراكيب أنيقة بحيث ظهرت متحولة ومحولة فاعلة، إن لغة الشاعر تؤسس مهمتها التعبيرية هي الأخرى المشحونة في منتجاتها الصورية من عالم ضاج ملئ بأفعال مصيرية تمظهرت في الفضاء الشعري الذي تموضع بين الأشياء في علاقات تشابك وتقاطع وإضاءات داخلية, يصل بعضها ببعض داخل القصيدة من جهة وعبر علاقات إضائية بين القصيدة والآخر, بين القصيدة ومجموعة عناصرها التكوينية وبين الأنا الضاجة بتساؤلاتها الكبيرة!
وان انيٌ كليىي لا فسعي لما فسعلى ببيٌ من ىكري
وشقلى فجرا من دشت وبرالي من بةر ةلةي وةلت
وعمدليٌ بيوما دشبعا ؟
إن الشاعر يتقدم في تفاصيل قصيدته من بنية الحضور إلى الغياب ومن الغياب إلى الحلم و إلى الحضور، إن جوهر الحلم هو جوهر الحضور الشخصي وعلاقته الأزلية بالآخر، أي الشاعر وأرضه وأمه وكيانه التاريخي ووجودهما معاً في بؤرة الحياة على مستوى الفكر في بؤرة النص، وعلى مستوى الفعل الشعري، وشعريته الطافحة بمستوياتها المعنوية المدهشة والمتأنقة التي تجترح فضاءات الحواس في قوة أفعالها وموجاتها، ذلك هو الشعر حسب تأملات بعض المنظرين ومنهم (جاكوب لوريك) و(كاسيرر) و(ويليامز)، الشعر الذي يحتاج إلى علاقة أولية واضحة مع الواقع كما يبدو للحواس عندما تتجاوب (استطيقياً) مع تداعيات القراءة الأولى، لكن حياة القصيدة (حسب ويليامز) في لغتها عندما تتمثل الواقع تمثلاً متكاملاً عبر الاستنتاج والاستبطان للروح البشرية التي لها القدرة والمعرفة الإدراكية:
بكي بس لا مخيةي لجينكٌي
( وان مخيةي لجينكٌي العيٌ بةبٌري .. وعيني بخشكي
وؤبعي بنولي وموخي بكلا ..
وان كخشكي عيني منيٌ مخزالكٌي اوذخت
وان كلا موخي مني بكةبٌلكٌي شعذا وزمذوان نولي ؤبعي منيٌ بسرط وةقلكٌي ومرملكٌي لعل من كليىي كوكبٌْا  )
ويظل الشاعر وقصيدته روح واحدة داخل القصيدة محتشدة بالأسئلة العميقة والكبيرة التي تتبادل أدوار الحواس وعلاقتها داخل حركة الأفعال التي تركب النسيج العام للقصيدة.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *