عصام القدسي : لك يا سيدتي

osam alkodsi 2– من أين لك ِهذه العيون الجميلة كحقل اخضر ..!!
تطلق ضحكة عذبة ، رنينها يشعل شهوتي . تضغط بسبابتها على أرنبة انفي وترد بدلال : _ أبي وهبني إياها ذات ليلة تضطرم بالنشوة ..هي لك ، خذها إن شئت .
نضحك معا وأطوقها بذراعي فأحس بجسدها الطري كالجبن يصيبني بالدوار . فاجذبها برفق إلى غرفة نومنا ، وارحل فوق جسدها الذي جبل من عسل وحليب ،أجوب وديانه وربواته ،امتص رحيق أزهاره ، وانتهي عند غوره المقدس ،انهل من نهره العذب، فازداد ظمأ.
بعدما وجدتُ اهتمامها به زائدا عن الحد قلت لها ذات مرة:
_ انه جميل وممتع لولا انه يأخذك مني .
تضحك وتضحكني معها بكلمات حلوة تقولها من فمها العذب، فأحس فوق شفتي بنكهة طعم المربيات والأكلات الغريبة التي تصنعها وهي تستعين بخبرته ، فألين وينتهي الأمر ، وأتذوق الطبخة التي كانت تشغلها عني طول النهار ..وأقول لها بمناسبة أخرى , إنني أغار منه . تقرصني من زندي، تضحك ، تغض الطرف وتمضي إلى شأنها ..واهتف بها بعصبية وأنا أراها منشغلة معه في المطبخ ومن حولها فوضى الصحون والقدور :_ سأنفجر..اختاري بيني وبينه.
تطبع قبلة على خدي وتعود إلى انشغالها وهي تقلب أوراقه ..
ويظل بيننا ذلك الشيطان الذي جاءت به معها ، متمددا بالطول والعرض .. ليصبح بمرور الوقت الفأر الذي هدم سد مأرب . فها أنا اصرخ بوجهها هذا المساء ، بعدما نفد صبري ، واتخذت قراري:
_ هذا الذي تخبئينه تحت وسادتك حين تنامين ،وتحملينه معك أينما تذهبين وتثرثرين به ، سيكون السبب بهدم حياتنا . فمتى تفهمين ، متى ..متى ..؟ رأيت الدموع تطفح من عينيها الخضراوين ثم تنهمر صافية كالزلال وتسيل على خديها الناعمتين ، بجمال وجلال دموع القديسين والصالحين الذين نرى رسومهم على سقوف وجدران الكاتدرائيات . كانت تبكي أمامي بصمت ،وكدت أنسى غضبي واعتذر ولكن هيهات ، لم تعد لي طاقة على الاحتمال. حاولت تهدئتي وإغرائي بتذوق آخر أكلاتها التي تعلمتها من كتاب ” لك ياسيدتي “” تأليف غادة المؤنس تلك العانس التي تتباهى بعنوستها . وجاهدتْ أنْ تضحك واضحك وننسى كل شئ ، كما اعتدنا . لكنني دست على مشاعري هذه المرة ،وتجاهلت توسلاتها، وغادرت البيت وأنا اغلي غضبا . سمعتها تجهش بالبكاء كما لو تفاجأت بتصرفي فهي لم تكن تصدق إنها تغيظيني حقا بكتاب الطبخ الذي جلبته معها يوم زواجنا وانشغلت به عني . حتى في أجمل اللحظات التي تجمعنا تحدثني عنه وتقفز من السرير وتفتحه وتقرأ لي صفحات منه …
ورحت أدور في الشوارع كالمعتوه، ابحث عمن أحدثه عن مصيبتي فلم أجد غير أبي . أسرعت الخطى . ركبت الباص . وقصدته في صيدليته فوجدته منشغلا مع زبون وحالما رآني ، صرف الوصفة على عجل ، ولما أصبحنا وحدنا. التفت إلي وقال بشئ من الحدة : – ما بك يا ولد .!!
– ……… .
_ تلك المجنونة ثانية .!؟
هززت رأسي بالإيجاب .
قال متحمسا : _ طلقها ، وسأزوجك بأفضل منها .
قلت بضجر : أبي .. ليس الأمر بهذه السهولة .
قال متهكما : تحبها .. ؟!!
لم اجبه وأطرقت إلى الأرض.
_ إذن ، تحبها ..
ثم عاد ينشغل مع زبون دخل إلى الصيدلية . تركته وابتعدت وأنا لا اعرف أين أمضي . وخطر لي أن الجأ إلى صديقي ناجي فهو يعيش وحيدا في شقته . استقبلني بحرارة وجلسنا نتكلم، ولما سألني عن أحوالي، سردت له قصصا من الجحيم الذي أعيشه .ضحك وقال بصوت عال :
_ إذن.. لم أكن مغفلا حين فضلت أن أبقى عازبا ..
وجلسنا نشرب وندخن ونتحدث وتشعب بنا الحديث ومر المساء كقطار يتهادى بين حقول خضراء، وقد اتكأ كل منا على مرفقه وراح يتطلع بوجه الآخر ويضحك قلت لصاحبي وأنا اشعر بهمومي تستكين، وروح الدعابة تستيقظ داخلي وقد نال السكر مني : _ الدنيا حذاء ..
فراح يقهقه وأضاف : _ حذاء ضيق لا تستطيع خلعه ولا تستطيع إلا لبسه والسير فيه وأنت تشكو .
وابتدأ الليل يدنو وسمعنا طرقا على باب الشقة سألته : _ تنتظر أحدا .؟
فأجابني بالنفي .
فتح الباب فدخلت دون استئذان فتاة في سن العشرين سمراء لطيفة الابتسامة حين رأتني قالت لصاحبي معتذرة وهي تنظر إلي : – عندك ضيف.!!
واستدارت لتخرج
فقال لها – تعالي ادخلي ..
ولم يتم كلامه حتى وضعت سترتي على كتفي ونهضت ، ألح علي صاحبي بالبقاء ، ولكنني اتجهت إلى باب الشقة، فتحتها وانصرفت . كان الليل هادئا،والقمر ودودا، والشوارع انطفأ صخبها، سرت على غير هدى ، والخمرة تثقل رأسي . توقفت عند الجسر. أشرعت ذراعي في الهواء ورحت أتطلع إلى صفحة الماء المتراقصة بأضواء المصابيح .وتخيلت هؤلاء الذين يقفون وقفتي هذه في مثل هذه الساعة من الليل وقد صفا الجو وخلا الطريق وهم متورمون بفكرة الانتحار . ثم .. هب .. باااااا ..يرمون بأنفسهم إلى الماء فلا يشعر بهم احد . وضحكت من بين خرائب حزني قلت : أكون غبيا لو فعلت ..ولمن اترك قطتي الجميلة ، من بعدي . آه لو إنها تعقل ما تفعله . وراودتني فكرة مجنونة .. لعلها لا تحبني فتهرب مني إلى ذلك الكتاب. فار الدم في عروقي وشعرت بالكرب والوحشة تعصرني ، وفكرت عميقا وأنا انظر إلى مياه النهر التي تنساب بهدوء غريب كما لو تسخر مني فيزداد شكي .اتكأت على سياج الجسر أراقب السيارات التي تمر ، بين لحظة وأخرى، فوقه ببطء . وبغتة لمحتها في سيارة فارهة مرت . كانت تجلس إلى جانب سائقها الوسيم ، وهي تتحدث وتومئ بيدها، وتبتسم . دارت بي الأرض واهتزت ، وتراءت لي الصور من حولي مموهة. ولكنني عدت اكذب ما رايته ، لمعرفتي بها. ومع هذا عجلت بالسير كالمجنون ثم رحت أهرول. وأشرت إلى سيارة تاكسي، وعدت إلى البيت .وقفت أمامه. كانت أضواء الحديقة وغرفة النوم في الطابق الأعلى مضاءة . فتحت الباب الداخلية بمفتاحي وأخذت ارتقي السلم اتجهت إلى غرفة نومنا وأنا الهث. وخشيت أن لا أجدها فعلا، ويصدق ظني .دفعت الباب الموارب ونظرت بقلق إلى السرير فوجدتها نائمة وقد انحسر الغطاء عن فخذها البض وعلى شفتيها ترف ابتسامة تورد لها خداها .كانت تبدو كطفلة أتعبها اللعب فنامت .هدأ روعي وتبددت هواجسي كسحابة صيف . سرت بهدوء إلى خزانة الملابس ، استبدلت ملابسي ، سحبت الغطاء واندسست إلى جانبها في الفراش .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. ميسون حنا : أنين .

رضوض بسيطة ظهرت عليه إثر سقطته، عولج منها، واستُبدل المقعد بآخر أفضل من سابقه، المقعد …

| د. قصي الشيخ عسكر : نشرة أخبر السيرك – من قصص اللمحة.

الموجز طار القفص المشاهدون قطط وكلاب الظلام يهبط الفيل حيوان مفترس الكلب يخلع ثوبه شئ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *