محمد علوان جبر: سيدة الماء (الى حسين سرمك)

الى حسين سرمك….

مذ وطأت قدماه ارضية الفندق ، ايقن ان الامر يحتاج الى الكثير من الجهد لكي يتمكن من احتمال وضعه الجديد ، بدأ من التشوش الذي تسببه  النظارة السوداء بعدساتها الكبيرة التي تغطي نصف وجهه ، التي لم يكن يحتمل ارتداؤها اطلاقا ، لكنه يعرف انه  يتوجب عليه ان يضعها على عينيه  في كل الاوقات ، وعليه كذلك ان يتزن – على الاقل الان – وهو بصدد دخوله الاول الى بوابة الفندق
…. –  يجب ان اديم الامر – رددها مع نفسه ، وهويعبر العتمة التي تفصل البوابة الكبيرة للفندق والسلم الذي يؤدي الى الصالة الكبيرة التي توسطها رجل برأس كبيرة وعينين جاحضتين تشبهان ستارة متموجة ، تترجرج  بشكل  يبيح لمن يطالع تموجهما  ادراك انهما  تكادان ان تخرجا من محجريهما ،  فكتب في الدفتر ذي الغلاف السميك ، الذي اشتراه قبل ان يدخل الفندق …..
–    هاانت في المفترق … بعيدا او قريبا من الترهات انت في  الصالة المعتمة .. وهذه العيون ربما هي اول العلامات ……
ثم اغلق العبارة بما يشبه علامة تعجب.
استقبله الرجل الجاحظ العينين بابتسامة قربته من الاعشاش  التي كان يخافها ….  واضاف بعد العلامة التي تشبه التعجب  وسط صفحة جديدة من دفتره الاحمر القاني …”انها – اعشاش هلامية لاتشبه ايما شيء عشته ، لكنها ربما ترتبط  بالروائح العطنة الساقطة من بقايا احلام اشك اني عشتها يوما ما  ”
اشارصاحب الفندق ناحية الكرسي القريب منه، حالما عرف انه يريد استئجار غرفة لوحده،وقبل ان يجلس اضاف بصوت مرتعش :
– بسرير واحد رجاء .
بمواجهته كان اربعة رجال يجلسون على الكراسي القريبة من طاولة صاحب الفندق ،  كانوا يدخنون بصمت ،  امسك صاحب الفندق ببطاقتة الشخصية والورقة النقدية اللتان قدمهما اليه حالما جلس ، وبدأ يتفحصهما على ضوء النيون المثبت فوق رأسه  ، كان الرجل ينقل نظراته بين الهوية والورقة النقدية ، وبين كلماته المقتضبة التي كانت  اجابات عن اسئلة  تتعلق بالمدة التي يريد ان يمضيها في الفندق ، اسئلة عن  الاسم و المدينة…. وعن علامات كانت تحفزه على الغثيان ، الامر الذي اجبره على  الانشغال بتفحص الرجال الاربعة المتحلقين حوله … كان الاول بدينا يجلس في اقصى اليمين قريبا من طاولة صاحب الفندق لم يطل النظر اليه ….. وجها شمعيا بلا ملامح محددة  –   انتقل الى الرجل الجالس بجواره ، لفت انتباهه انه يكثر من تحريك رأسه بكل الاتجاهات كأنه يبحث عن شيء ما ، اثارت حركاته السريعة الضجر في نفسه ،  الامر الذي لم يشجعه على التواصل مع الاخرين ، ادار وجهه ناحية الجدران محاولا التخلص من احساسه    ،  انه  دخل مكانا يشبه  –    ماكنه بدأت تضغط عليه بشدة ،  الكثير من العلامات التي جعلت  احساسه باول الوخز في جسده  تزداد وتتصاعد ببطء  وهي تخرج من العتمة التي هيمنت عليه  حينما راحت الماكنة تقطعه الى اجزاء ، وفي غمرة ماكان يعيشه من هواجس ..  بدأ من المرارة الحادة في فمه  وثقل التشظي المذهل لجسده وسط  اشياء حادة بدأ تعرفه اليها بطيئا ومدمرا اول الامر ……..
–    يجب المضي الى اخر الطريق …..
قهقهه  في سره باستخفاف  وهو يكرر بحذر مفرط مفردة  “المضي ” … وزادت قهقهته حينما اعاد كلمة الطريق  في عقله ، كان الامر يشبه اللعبة حينما زاد اللغط حوله الى شيء ما يشبه  قوقعة صادمة  او فقاعة  بدأت تضرب وجهه  بايقاعات متفاوتة  اثارت في دخيلته  ضحكا لااراديا تحول  الى صراخ جعل جسده يختض من القهقهة او من الرعشة – كما فسرها بينه وبين نفسه فيما بعد – انها كانت ضاجة وحادة الامر الذي اجبره على  ان يكبحها بما  يستطيع – الان  على الاقل –  وهو بمواجهة الصلافة التي كست وجه مدير الفندق الذي انهمك  بتعال ساذج  تدوين اسمه  في دفتر كبير ، انسحب الامرعلى وجوه الرجال الاربعة المتحلقين حوله، اذ  بدت له اكثر صلافة من وجه صاحب الفندق، حيث شكلت ما يشبه المقتربات الى  المساحات الحادة والقاطعة وسط العتمة التي تتحرك فيها عيون بسرع خرافية في المساحة الضيقة وسط الصالة المكتظة بالكراسي ، التي توزعت من اول المدخل حتى طاولة صاحب الفندق لتدور بشكل مستقيم ودائري الى الجانب المقابل للمدخل  ،  وتساءل في سره  “….. هل ان اسمه كان السبب في هذه الصلافة التي كست وجوه  الجميع…؟” لكنه استدرك بسرعة ، مبعدا هذه الفكرة عن تصوره ، حيث عزاها الى شيء اخر يجهله ……..
–    الان على الاقل ولكني ساعرفه فيما بعد حتما ،
ولهذا كتب في دفتره ، وهو يفسر الصلافة في وجه صاحب الفندق ومن يتحلقون حول طاولته بخشوع
–  تماثيل شمعية بلا احساس
دون هذه العبارة في دفتره…. واضاف “…. اعتقد ان الامر لايحتمل الكثير من التأويل ،  ثم اني لايمكن ان اتصور…. ان لاسمي علاقة باحد سواي ، لالشيء سوى انه اكثر اشياء الارض فقرا ،  ان الكلمة التي تعني اسمي لاتعني شيئا ، وربما هي اكثر اشياء العالم بعدا عما انا ابغي …..
لكنه استغرب فيما بعد من عدم تساؤله عن ماهية اسمه ، ولم ورد اسمه الان في باله ؟  وهل ان لعيون صاحب الفندق الجاحظة وصلافة وجوه المتحلقين حوله علاقة في تأجيج الامر…؟
–    ثم لماذا احس اني ارزح تحت  سطوة حلم قديم او مجموعة احلام  بدأت تتكرر وتلج محنتي الان وهي تتكرر على وجوه ربما اعرفها اول مرة .. مقتربا من فكرة اني  ربما سبق لي ان رأيتها لمرة او اكثر  ،ترسخ  يقيني  هذا وانا ارزح تحت ثقل ما يبثه  توتر الصالة وانا بمواجهة الرجال الاربعة وصاحب الفندق  حينها كنت احتمي خلف العتمة التي تبثها النظارات او الملاذات الكبيرة ازاء ثقل  الاصوات التي اسمعها الان …. انها ليست غريبة قطعا …..
لكنه ترك التفكير في هذا الامر …..
–   دع الامر الان ،  ايها المتعالي الجميل
بهذه العبارة انهى جملته في الدفتر ،  لكنه كتب في صفحة جديدة ، في محاولة لفهم مايدور حوله ……..
“هل يمكن ان تكون لاحلامنا ، اسرارا لم نعيها الا بوقت متأخر ..؟  وهل ان  فهم وتأويل مايجري يمكن ان يصل الى هذا الحد ؟….. وهل ان للاحلام سرا لم تتسع له اعشاش المخيلة  ،  او ادراك مغزاها ، حتى اللحظة التي  وضعت فيها بوق النهايات الحزينة  على ارض صلدة ، في محاولة  لفك المعنى  في  ان نكون اسرى خطوط الانفلات الكامل من جبروت غريب ” ، لكنه وفي محاولاته المتكررة  لتفسير ماجرى، ادرك الفضيحة التي يسببها وجوده بهذه الصورة ….. عزا الامر الى الخدر الذي كان يهيمن عليه في دفء المخاتلة …..  اجل  المخاتلة … ضحك كثيرا من العبارة التي  انبثقت من مغاور ذاكرته التي  كان يعرف عقمها … وفي محاولته الاولي لادراك معنى المخاتلة التي  كان يمارسها في صباه  بحيوية مذهلة ، حيث كانت جل انفعالاته لاتتعدى السير في الطريق المؤدية الى المخبز صباحا ……. –  اجل اماه …..   اجل …..، كانت المحنة   هي المذاق الساخن واللذيذ للارغفة  التي كان لزاما عليه ان يجلبها في كل صباح الى البيت، كان  يتذوق طعمها  قبل ان يطرق الباب   ، او البيت ….  اجل – البيت –   الذي كان يشكل بهيكله المتداعي الحقيقة الوحيدة التي يعترف بها الان وهو بمواجهة العيون الجاحظة ووجوه الشمع التي لم تفارق الصالة ، الامر الذي جعله يكتب فيما بعد :
”  –  كنت قد هيأت نفسي اثناء اقامتي في الفندق ، الدخول في مغاور سجن جديد  ، لالشيء سوى اني لم اعرف شكلا اخرا  له من قبل ،  حيث لابديل اخر سواه ،الامر الذي زاد من احتدام احاسيسي خاصة بعد ان اغلقت باب الغرفة التي وطنت الامر ان اسكنها الى اجل لااعرفه “.
غرفة بسرير واحد يطل على اسمنت جدران بنايات مجاورة،وقرب السرير الحديدي ،  انتصب هيكل كبير لمرايا بأطر صاجية تعكس الضوء الذي يتشظى على اجزائها المنكسرة ، كانت المرايا تعكس الاف الصورالمتوحدة والمتداخلة  في وجهه المقابل  حيث لم يكن   يراه الا شخصا اخر ، يحدق في الوجه المنسكب على فضة المرايا امامه ….. كانت المراّة بحرا صامتا ، لاعلاقة له بالمرايا المنكسرة في وحدته ، لكنه استدرك وهو يحدق في الوجه الذي امامه
–    انه ليس انا حتما
لكنه  وفيما بعد حينما كان يجوب الشوارع المحيطة بالفندق  كان الاجهاد يتنامى تحت الدخان المعتم الذي تثيره النظارة  ، ادرك  ان وضعه بدأ يسوء  مع تنامى احساسه…. ان المكان حوله يزداد سوءا ، كان ايقاع الامر بطيئا عليه اول الامر لكنه بدأ يتسارع بشكل لم يسيطر عليه
–    (  اماكن منحطة )…..
رددها مع نفسه ثم عاد الى غرفته محاولا التواصل مع افكاره التي كانت تراوح تحت  هيمنة المكان والرغبة في الخلاص من التفاصيل المتشعبة ، بدأ من النظارات المعتمة التي اجبر نفسه على وضعها فوق ارنبة الانف ، ومرورا باسئلة صاحب الفندق .  حينها  قرر ان يمارس ذكاءا باردا لكي  يمتص الصدمة الاولى بدءا من اختلاءه في الغرفة المعتمة الاضاءة التي تفوح منها رائحة نفاذة وحادة ، رائحة القذارة التي ضاعفت من وطأة  استجواب نفسه .. مواصلا توسله بها
–    لكي اتمكن من احتمال ابتعادي القسري عن البيت لاطول مدة ممكنة. بعيدا  عن ثقل  ايما  تبرير او اجابات مبهمة  تدور  حوله ،  اجل انه المعني بكل هذا الغموض… متجنبا الوقوع تحت ثقل اجابة  هروبه من البيت  مرورا باقامته في فندق  يقطنه غرباء لايطاقون ، وان اقامة علاقة مع احدهم ، ايما علاقة تكاد ان تكون مستحيلة – كتبادل حديث ما –  خاصة حينما يقع تحت تأثير الانفعالات الكبيرة التي يخبئها في صدره الذي يحسه انه بدأ يتقوس كشراع
–    (  ربما بسبب……..   ) ولم يكمل الجملة في دفتره   ……  ، اى مبرر واي كلمة يمكن ان تقال في شرح تفاصيل حياته الجديدة التي تبدو في شكلها الحالي ساذجة وبلا معنى .   لكنه كان يحس في الخارج ،  في اول نزهة عائمة وسط شوارع بدت له غريبة رغم انه كان قد خبرها كثيرا في زمن لم يستطع ان يحدده …..  شيئا ما يقترب من استيقاظ احلام قديمة  ،  الشوارع بعلاماتها الكابوسية ، لاعلاقة لها بخزين تصوراته عنها  . وكان قد احس ان استعداداته في تقبل الامر بشكله الجديد بدأت تهتز ، كان يلجأ الى دفتره  مفسرا مايمكن ان يكون له علاقة بانفعالاته  ، فكان يبدأ الكتابة ، بعبارة بدت كلازمة او سؤال
– وماذا بعد…؟-
اعتاد ان يقلب امور يومه في اخر الليل ، قفزت الى عقله صورة صاحب الفندق وهو يكتب في دفتر كبير ، وفي حقل – العمل ،  كان السؤال واضحا ولايحتاج الى تفكير كثير، اراد الرجل ان يعرف عمله حينها اجاب على الفور –  اعمال حره –  ولم يداهمه ادنى شك انه كان يجيب بصراحة ، حقا انها اعمال حرة تلك التي قادته الى هذا المكان ، حيث لم يجرؤ ان يكتب في دفتره حينما قارن بين مايفعله الان في كونه – باحث حر – اجل كتب في اول سطر –  انا باحث حر ، باحث عن شيء متخيل ، لكنه اضاف – يجب ان نواجه امورنا العالقة بصراحة  ، فانا – متشرد –اجل – متشرد – بشكلها المجرد تبدو اكثر حميمية من كلمة – باحث –  وبقيت كلمة – متشرد – تدور في ذهنه وتصور ان صاحب الفندق قلص وجهه  كثيرا الى الحد الذي جعل عيناه تجحضان  ، لالشيء سوى انه كان يقرأ مايجول في عقله….. فها هي  كلمة – متشرد – بدلا من – اعمال حرة – تقلب الامرتماما،  حينها التبس عليه الامر وحاول ان يتذكر مالذي قاله للرجل ، هل قال كلمة متشرد او اعمال حرة  او هارب ، مما زاد من احساسه بالثقل الذي يمكن ان تتركه كلمة متشرد فيمن يحيطونه ، فبدأ يرزح تحت وطأة ان وجوده في صالة الفندق بهاتين النظارتين المعتمتين  بدأ يثير انتباه الجميع ، واحس ثقل تأويله لكل حركة او اشارة او كلمة يسمعها على انها منصبة عليه ، فكان لايطيق البقاء طويلا في الصالة ، فيهرع الى المقهى الصغيرة القريبة من الفندق متحررا من عتمة النظارة ، حاملا دفتره السميك ،  غير منقطع عن هوس التطلع من خلال الزجاج المغبر الى المارة في الشارع ،  حيث يحس وهذا مادونه في دفتره
–    حالما ادخل المقهى  ادرك اني اتنفس هواءا مألوفا ، ولكني اجهل الفترة التي اقضيها تحت وطأة هذا الاحساس ،  حيث تنهال صورا قريبة من هذا الهواء .
كان المقهى عبارة عن دكان صغير ، لايتسع الا لستة تخوت، كل تختين يتقابلان مع بعضهما ، وثمة كراسي مركونة في الزوايا  ،  كان مشدودا دائما الى الواجهة الزجاجية التي تتيح له ان يرى العالم من خلالها، بعيدا عن كابوس صالة الفندق ، او تلك البقع القابعة في اعماق ذاكرته ، الزجاج رغم اتساخه كان يتيح له ان يرى الجانب الاخر من الشارع الذي كانت واجهاته تبرق بحدة وهي تخترق المسافة اليه بيسر  ، حيث انتشرت مكتبات ومحلات جعلت الزحام يبدو فيها اكثر من الجانب  الذي فيه المقهى ، وامام مطعم صغير في الجانب الاخر كان يرى تصاعد دخان كثير ، لكنه رغم الفسحة المضيئة التي يدخلها من خلال زجاج المقهى يبقى اسير الجدران  ، حيث علقت صورا معتمة تخللتها لطخات حمراء وزرقاء وصفراء تشع بغموض ، تمثل فرسانا يطعنون فرسانا اخرين مهاجمين برماحهم نحو خواصرهم  ، وعلى الجدار المقابل علقت صورة لسيدة وحيدة لم يكن من الواضح لاي عصر تعود ، ولم يعرف لماذا احسها انها وحيدة مثله وسط المقهى الضاج ، فكان يحاول ان يبتعد عن  قراءة هذا الوجه الطافح بالانوثة ، كلما نظر اليه ودقق في تفاصيله ، ولكنه كتب في دفتره فيما بعد
–    انها تشبه الاثر الذي تتركه الاقدام على رمال الشواطىء الرطبة
……  وهذا ماكان موقنا انه حقيقي ،  خاصة بعد ان بدأ يسمع اصواتا غريبة تخيل انها  تنبعث من اعماق الوجه المتوحد وسط الصخب ، وكان يتحايل ليكون قريبا من الصورة  لكي  يسمع او يفهم شيء مما يسمع   ، امرأة مصلوبة على جدار مقهى يطل على شارع بدأ اندثاره واضحا من اكوام النفايات التي كانت تسد مداخله ومخارجه ، لكنه كان يسد اذنيه كلما كانت المرأة تبدأ بالصراخ، ولهذا بدأ يتحدث معها بألفة ، خاصة في  الاوقات التي كان يفتح فيها دفتره ليكتب  ،
–    ” سيدتي .. ايتها المتوحدة وسط ضجيج المقهى ، لااعلم هل يمكنك ان تدركي سر الاصوات التي اسمعها وانا اطالع عينيك ،  هذه الاشياء الضاجة ، انها تلاحقني في كل مكان  ”
السؤال او الحلم  الذي رأى فيه المرأة المصلوبة على الجدار المعتم ، هل هو الوهم ذاته ، واين هو من المكان – الحلم – هل هو بعيد عنه… او عن المكان الذي حلم انه شيده مع المرأة المصلوبة في العتمة ، كان صراخها يختلط بقسوة مع صراخ الرجل الذي طلب منه ان يدير وجهه الى الجدار، كان هذا قبل ان يضع القيد في يديه والكمامة على فمه ،  ثم عصب عينيه وقاده كالخروف الى الخارج ، حينها كان يسمع صراخ المرأة عاليا اعلى من صراخ الرجل الملثم كما يتذكره الان، بكل تفاصيله ويراه بوضوح تام من اعلاه الى اسفله ، مدججا باللون الرمادي الذي يشبه الفوهة الحديدية التي كادت ان تمتصه ، فوهة كبيرة كانت تسحبه اليها بقوة، ولم يصمد كثيرا امام جبروتها ، سحبه الرجل وكان يقاوم لكي لايسقط ، يسير باقدام مرتعشة نحو المكان الذي لم يكن يراه ، اخرسا واعمى ، رغم انه كان يسمع اللغط حوله،الذي بدا في اول الامر شديدا ،  الامر الذي جعله لايدرك  حقيقة مايجري حوله ، ولهذا فهو لايدرك الا بصعوبة انه اقتيد خارج البيت وترك المرأة تصرخ ، وحينما بدأ الصراخ يخفت ،  عرف انه اقتيد الى مسافة ابعد من وصول الصراخ اليه ،
–    عدا صراخي  لم اكن اسمع ايما صوت ، اذ عم صمت ثقيل لم يقطعه سوى محاولاتي الحثيثة لكي احرر يدي من القيد حيث كان الالم القاسم المشترك بيني وبين ايما حركة اقوم بها لتحرير يدي، فتركت امر تحريرهما وهمدت متتبعا الاصوات ، ولم اقوى على النهوض من جلستي لامد لم استطع ان احصيه ، كانت متواليات طويلة واكثر مافيها الما هو صمتها الغائر في الزمن الممتد الى اللانهاية  –
حتى اللحظة التي سمع فيها صوتا واضحا بقي ملتصقا فيه لامد طويل، فك الرجل وثاقه وقال بصوت يشبه سقوط اشياء صلدة على ارض اسمنتية
– انصحك ان لاتؤخر الامر كثيرا ….لاتلتفت الى الوراء … غادر فقط وبسرعة  …. اياك ان تلتفت –
حينما عاد الى الفندق لم تفارقه صورة الانثى المصلوبة على جدران وحدتها في المقهى ، وفي الصالة الكبيرة المزدانة بالصور والايات القرانية المتراصة ، وجد الرجال الاربعة المتحلقين حول طاولة صاحب الفندق ، وقبل ان يسلم عليهم كان يتحسس بحذر النظارة السوداء على وجهه ، لمح نظراتهم الشزرة ، فعاد الى مالذي قاله الى صاحب الفندق حينما سأله عن مهنته ، هل قال متشرد او هارب او اعمال حره  ، لم يصمد كثيرا امام النظرات الشزرة ، طلب المفتاح وصعد الى غرفته ، وقبل ان يفتح باب الغرفة عدل عن الامر وعاد ادراجه الى الشارع  رازحا تحت ثقل انه يمكن  ان يكون حالما كبيرا ، لكنه الان وازاء عيون المتحلقين في صالة الفندق ، وجد نفسه قد تجاوز المقهى واخترق الشارع المقابل الذي كان فسيحا ومليئا بالحركة ، اجتاز المكتبات  متجها نحو اول الزقاق الضيق المؤدي الى النهر الذي بدأ يشم رائحته ، وعبر المطعم الصغير الذي تحلق امامه رجال يأكلون بصمت ،  ثم الشارع العريض الذي يفصله عن النهر مخترقا الحديقة الواسعة  ، مقتربا كثيرا من الضفة الرملية حينما طالع اثر اقدامه على الرمل تذكر ولوجه اول مرة قريبا من المرأة التي تركت اثارها في روحه، شعر فجأة بنعاس الى حد ان  النهر والمدينة والفندق وبيته بدت مختلفة،  وثمة اشياء غير مفهومة تمتد لالاف السنين تدور الان حوله وتحوم فوقه  ، كان النهر يسير ببطء وهو يحمل القناني الفارغة وغصون اشجار كانت تسير وسطه ، كان يدرك ان النهر اعمق مما يراه الان ،وتساءل عما جرفه في سيره الهادىء من اشياء وصور وكم من العيون طالعته وهي تتلصص على ترجرجه الناعم الهادىء المنساب نحو اللانهاية …..  الابدية التي تحمل اشكالها المتعددة ، كان يلمح  المدى الواسع واللانهائي للاشياء التي امامه وهي تلتصق عنوة بالوجه الانثوي المتوحد لامرأة اللوحة في المقهى ولكن بعيدا عن البقع الداكنة في لوحة الفرسان ، وبدأت جولاته في الشارع المطل على النهر تتخذ منحى اخر عدا احساسه بالنعاس وهو يخترق الزقاق الضيق المطل على النهر ، فكان يتوحد مع تلك الاشياء التي يحملها الماء على صفحته ، مدققا فيها وراصدا من بعيد الحزن في وجه المرأة ، حيث كانت تنعكس ضلالا كثيرة تتركز كثافتها تحت الجسر الكبير ،  فكتب فيما بعد في دفتره –  سيدتي ايتها المتوحدة لااعلم هل يمكنك ان تسمعي الاصوات التي اسمعها  ، هذه الاشياء الضاجة في رأسي ، انها تلاحقني في كل مكان والتي لم استطع ان افك سرها ،  انها تشبه الموجة التي تحملك الان وهي تلامس ثنايا  وجهك  بعيدا عن الجدار الكالح في المقهى ، انها تلاحقني ،  بدا كانه نائما في اعماق فراغ كبير ويحدق في الصورة وهي تبزغ من النهر او الجدار الموحش ، كان النهر يشده اليه ، يكاد ان يتلصق فيه ويحلم ان ينام وسط الماء الرقراق ، ان يسبح نحو المكان الذي يتوسط النهر ،  حيث صورتها في محاولة منه ان يسحبها اليه ، حيث الضفة الباردة ، حيث الشمس الخجولة….. مقتربا بخجل من تلك الانفاس الدافئة التي كانت تبعث فيه الرغبة في الانعتاق التام عن ماحوله والدخول في مغاور اللانهاية ، كانت تضمه اليها بقوة وهما يكادان ان يركبا لجة الموجة التي تنحدر وتعلو ..هابطا ومرتفعا حاملا الوجه المتوحد محررا اياه من جمود اللوحة والجدار ، احس بالانسحاق تحت حواسة المضطربة وبالرغبة القوية في مغادرة النهر والشوارع والفندق وصالته المخيفة ،  ان يعود الى بيته الان ، ولكن تحذير الرجل الذي حرره  ، ذلك الصوت … جمده في مكانه ، وحث خطاه ناحية الفندق ، اخذالمفتاح وصعد الى غرفته ، ولم يستغرب وهو يرى سريره منفوشا، لقد تم تفتيش الحقيبة ،اذ رأها منفوشة ،ولم يستغرب الامر وهو يقارنه بصلافة الوجوه في صالة الفندق – لااعتقد ان الامر يطاق … لايمكن ان احتمل بقائي ليوم اخر في هذا الفندق ، كانت نظراتهم تشبه الفوهة الرصاصية التي كانت تمتص جسدي يومها وانا امزج صراخ الانثى بصراخي ولكن ماالذي يمكن ان يفعله رجل مغلوب على امره مثلي ، لقد توسلت بالمرأة المصلوبة في وحدتها على جدار المقهى ان تسامحني اذا انا حاولت ان ابحث عن مكان اخر – صدقيني عزيزتي انهم يتكررون في كل اوان ، بدأ من الصورة التي تمثل الفرسان الذين يطعن بعضهم الاخر بالرماح ومرورا بالرجال الذين داهموا بيتنا واقتادوني غير ابهين بصراخك ، وانتهاءا بالنظرات الشزرة التي تنطلق من عيون الرجال المتحلقين على مائدة صاحب الفندق ، سيدتي ، صدقيني لم اعد اطيق الفندق ولا الصالة ولا الغرفة البائسة ولاحتى المقهى ، ولكن سابقى قريبا منك ، سازورك كلما سنحت لي الفرصة ، يجب سيدتي …..-  لم يكمل العبارة اذ كان هناك طرقا قويا على الباب وقبل ان يفعل شيء فتح الباب بقوة …… كبلت يديه،  وكمم فمه واقتيد  فيما بعد الى مكان لم يستطع ان يحدده ، لان الدفتر الملون،  ذي الغلاف السميك انتهى بعبارة……
–    وقد طرق الباب الان  -……. ولهذا اود ان اخبرك سيدتي….
…… ايتها المصلوبة على جدران وحدتها….
في المقهى المعتم انتظريني لاشرح لك ماالذي جرى!!!!!!!!!!!!.

بغداد
15-10-2009

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *