قاسم ماضي : المسرحية الكوميدية “أسكت وخليها” مسرحية فيها من الحكمة الكثير، تداوي النفوس وتوقظ الغافلين لفرقة الرافدين للتمثيل في ميشغن

kasem madi 2انطلاقاً من مقولة ” اعطني خبزاً ومسرحاً أعطيك شعباً مثقفاً ، أنطلقت فرقة ” الرافدين للتمثيل ” في مسيرتها الفنية ، بعد تقديمها العديد من الأعمال المسرحية الكوميدية ، وآخرها المسرحية الكوميدية ” المالة أول ماله تالي ” وهي من تأليف واخراج ” الفنان ” باسم الأمين ”
وهذه المسرحية الكوميدية لاقت رواجاً كبيراً من قبل أبناء الجالية العراقية والعربية الذين يتوسدون المنافي لحافاً ،واليوم تشتغل فرقة ” الرافدين للتمثيل ” بكل جهودها المتواضعة ، لكي تكون من الفرق المهمة ، ولكي تأخذ حيزها المؤثر في مغتربنا ،ولكي يظل الطموح يلازمهم ويجعهلم يعملون جاهدين لتحسين أدواتهم المعرفية والجمالية ، والإرتقاء بمستوى المسرح ، ونحن نعرف جميعاً يشكل المسرح أحد الأنظمة الثقافية الحية التي تستمد مكوناتها من النظام الثقافي الإنساني .كما يقول الناقد المبدع ” علي حسين ” الفعل الثقافي ، والسوق الثقافي ،و البضاعة الثقافية كلها تحتاج إلى تخطيط وإلى برنامج ستراتيجيات ، لاتقل شأنا عن الفعل الأمني والسوق الاقتصادي ، ولعل غياب الأطر الثقافية عن الحياة سيجعل كل شيء يتحرك في قارب مثقوب .
فهي تشتغل بروية محسوبة ، وصبر، محاولة بذلك فهم الواقع المهجري المبتعد عن هموم الثقافة الا ما ندر ، حيث إن القاعدة التي يستمد منها الفنان نشاطه هي قاعدة مجتمعه ، ويمر من خلال ذلك على مراحل عدة تمثل مفهوم التلقي ، ولكي تسهم في تطوير مشاركاتها المسرحية عبر تحقيق المعادلة الصعبة وهي الإرتكان للفن المسرحي ، كي يكون لها جمهورها الخاص والداعم لها في كل عروضها المسرحية ، وهي تستعيد عافيتها يوماً بعد يوم ، عبر تقديم عروضها الكوميدية المتميزة ، بالرغم من بعض الأخطاء التي يمكن تجاوزها في حالة الأعتماد على العديد من الكوادر المتخصصة من أبناء جاليتنا ، وخاصة من الذين يمتلكون الخبرات في المشهد المسرحي ، ولهم باع كبير في هذا المجال ومن المعروفين في الوسط الفني ، والذين التحقوا بركب المهجر حديثاً ، ومنهم الفنان الكبير ” بهجت الحبوري ” والفنان صاحب شاكر ،وغيرهم من الأسماء لها رصيد فني في ميدان المسرح ،بالرغم من ذلك فقد حققت تلك التجربة شهرة واسعة لدى متابعيها ،وكوادرها الذين يطمحون في الحصول على النجومية في مشهدنا المسرحي الإغترابي هذا ولم تتح لهم فرصة في الوطن الأم .
وهذه الفرقة ” الرافدين للتمثيل ” تأسست حديثاً كي تنصهر مع بقية الفرق ،التي تأسست في هذه القارة الكبيرة ، منذ أن وطأت اقدام الاجئين العراقيين والعرب في المهجر الامريكي وتزايدت اعدادهم في ظل الظروف الصعبة في منطقتنا العربية
ومن هذه الفرق المعروفة هي فرقة مسرح ” اليوم ” وفرقة مسرح ” بغداد ” ولكي تأخذ حظوتها بين هذين الفرقتين ، عملت بجد وتحاول تطوير أدواتها ، لأنها تعرف سلفاً بإن المسرح هو من الفنون الصعبة ، ولأن كادرها من دراسين الفنون المسرحية ، وعليها ان ترتبط بالتحولات التي طرأت على صيغ الفعل المسرحي واختياراته وبالمحيط الذي إعتاد على مشاهدة العروض المسرحية الكوميدية والذي ينتج مثل هذه الأعمال ، بالرغم من عدم التفرغ للفنان لأنشغاله بظروف الحياة الصعبة .اسكت وخليها
والذي يتابع المشهد المسرحي في مهجرنا ، يجد هذه الفرقة تواصل تقديم اعمالها ، رغم الظروف الصعبة التي تواجهها بسبب قلة الدعم المادي ، و كذلك بسسبب ارتفاع أجور تأجير صالات العروض المسرحية ، وكذلك ابتعاد وزارة الثقافة العراقية عن اي منجز ثقافي وفني للكوادر العراقية المبدعة في الخارج ، وكذلك إبتعاد سفيرنا وقنصلنا عن أنشطة الجالية العراقية المختلفة ، وخاصة في المجال الفني والأدبي ،ولكي يؤكد الفنان المغترب دوره الحقيقي ومن خلال خشبة المسرح عمل على مناقشة قضاياه ، و هي مناقشة مشكلات المجتمع الإغترابي .
فجاءت فكرة المسرحية التي كتبها الفنان ” باسم الامين ” ملائمة ومتماشية لواقع الجالية ، لما تمرُ به من آزمات ومشكلات إغترابية كثيرة ،ومنها مشكلة ” الزواج بالغصب مازال دارجاً لليوم ، نجد الديكتاتورية والجبروت من بعض الآباء الذين يجبرون بناتهم على الزواج من شباب لا يرغبن بالزواج منهم ، وكل هذا تجسد على خشبة المسرح ، ومن خلال شخصية ” ابو وردة ” الشخصية السيئة التي أراد لها المؤلف ” باسم الامين ” ان تكون هي طرف الشر ، ويظهر قباحتها واضعاً في أعتباره وأقصد المؤلف ، أن علاقة الإنسان بالأشياء تحتوي على غنى وجداني شديد الرهافة والحساسية ، هذا الغنى الذي يعوض الفقر الفكري والعقلاني في المجتمعات الشرقية ،ومنذ البداية تكشف المسرحية أشكالاً متعددة توضح طبيعة العلاقة العذرية بين ” وردة “كارولين ” وبين سرمد ” سرمد خمورو ” الشاعر الفقير الذي يبرز لنا معاناته المادية ، وذلك لوقوعه في شراك الحب ، ومن خلال لقائه مع العم ابو هشام ” باسم الأمين ” تتجسد لنا هذه الشخصية المهزوزة ، والتي أراد من خلالها أن يظهر صورة الفقر ” سرمد ” ويجعله ُ بأنه من المنبوذين ، ولا يوجود من يأخذ بيديه ، وبالتالي أراد المؤلف ” الأمين ” هو الإنتصار للحب ،وللتسامح ، وللحق ،وقد عبر الكاتب الفنان ” باسم الامين ” عن استيائه وامتعاضه لهذه الحالات الخاطئة التي ترافق أبناء جاليتنا في المغترب في نهاية العرض .
يقول ” موبسان ” فالحياة ليست كلها لحظات فارقة أو أحداث كبرى ، تتعقد في لحظة بعينها إنما سلسة من الأحداث والتوترات العادية والهامشية العابرة ، وتتجلى عن إحساس الشخوص أو استبطان دواخلهم ،ومما يحسب للعرض أن المخرج ” يحيى المهندس ” إشتغل على الرؤية الأخراجية التي تخدم عمله الواقعي ، وهو الذي عرفنا بشخصات المؤلف ” باسم الأمين ” وطريقة بنية النص ذاتها ، ونسج عمله المسرحي من خلال نموالمشاهد ، والتي جعل منها الجو مشحونا بمفارقات كوميدية ، بالرغم من بعض الرتابة في بعضها ، ويبدو ذلك من قلة التمرين ، ولم يكن الأداء موفقاً من قبل بعض الممثلين ، ومن المفترض أن يشتغل المخرج بالجماليات الحركية ، كي يعزز لنا خيوط الصراع الدائر بين ” الأب – وردة – سرمد – ابو هشام ” إلى منطقة النسيج المشهدي الذي تتوزع فيه التوترات إلى الاقتراب من منطق الحياة ذاتها ، وبالتلي للحركة المسرحية أهمية كبيرة ، وكان على المخرج الاهتمام بها ، أنها بمثابة الحياة ، والمخرج الناجح هو الذي يستطيع أن يحدد زمن كل كلمة ، وزمن كل مشهد قياساً إلى الايقاع المطلوب ، ولأن الممثل هو الذي من خلاله يتم بموجبه ضبط التكوين الفني على خشبة المسرح ، لخلق الانسجام بين العناصر التشكيلية الموزعة ،وقد أسهم الديكور المسرحي لتصوير جغرافية المكان ، المكون من ” بيت – كافتريا ” بالرغم من محدودية دور الموسيقى التصويرية في تعزيز الجو النفسي العام للعرض ، الا من بعض المشاهد ،وكذلك الاضاءة كانت بحاجة إلى مزيد من التفعيل للكثير من المشاهد كما في مشهد ” وردة ” وهي تغني إغنية للمطربة المعروفة ” غزلان ” وقد شارك في تمثيل ادوار المسرحية كل من ، الفنان ” يحيى المهندس ” والفنانة ” كارولين ” والفنان ” باسم الامين ” والفنان ” حميد دلي ” والفنان ” نظير وردا ” والفنان ” ثائر العطار ” والفنان ” سرمد خمورو ” والفناة ” سوزان سعيد ” والفنان ” فهد الهلالي ” وتأتي هذه التجرية المسرحية في إطار تكريس مسيرة النشاط المسرحي وإرساء قواعد تجربة من خلال إطلاقات العنان لمختبر مسرحي قادر على تهيئة المزيد من المواهب الموجودة في مجتمع جاليتنا العراقية والعربية في مشيغن .
قاسم ماضي – ديترويت

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : السرد وبناء الرؤى في أصيغوا الانتباه ما حولنا يهمس للروائي عامر حميو .

رؤيا فردية كيانية  تنطوي على نزعة انسانية، رؤيا تتناول شتى قضايا الوجود الاساسية، الانسان ، …

| محمد السباهي : دوائر القصة القصيرة قراءة في رواية “حقائق الحياة الصغيرة” للروائي لؤي حمزة عباس .

السرد: جملة كبيرة، ككل جملة إثباتية، لذا تُعدُّ حكاية صغيرة.                                                                         رولان بارت عن دار المتوسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *