الرئيسية » نقد » ادب » صلاح حسن: السوري نوري الجراح بمجموعته الكاملة،لا بد من نزع الأقنعة والتعري أمام الحياة المرة

صلاح حسن: السوري نوري الجراح بمجموعته الكاملة،لا بد من نزع الأقنعة والتعري أمام الحياة المرة

salah_hasanيصدر نوري الجراح الشاعر السوري المقيم في لندن مجموعته الشعرية الكاملة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بمقدمة كتبها بنفسه على غير عادة الشعراء العرب الذين غالبا ما تظهر كتبهم الشعرية مسبوقة بمقدمة لأحد النقاد أو الأسماء الكبيرة . ليس هذا هو المثير في الأمر ، بل المجموعة ذاتها هي المثيرة والتي استغرقت ما يقرب من تسعمائة وستين صفحة من الشعر . لا اعرف إن كان الشاعر نوري الجراح قد جمع كل ما كتبه في هذين المجلدين أم انه استبعد بعضا مما كتبه خلال مسيرته الشعرية التي تمتد إلى ما يقرب الثلاثين سنة ؟ . إذا كان قد وضع بالفعل كل ما كتبه فيمكننا في هذه الحالة إن نقول انه اصدر مجموعته الشعرية الكاملة وعلى هذا الأساس سنقرأها بوصفها تجربة مكتملة .
يعتني نوري الجراح بكتابة جملته الشعرية إلى درجة كبيرة ويرافق هذه العناية وعي شديد ، مما يتطلب من القارئ ربما إن يقرأ هذه التجربة بعناية أيضا لمعرفة الطريقة التي يكتب بها الشاعر من اجل الوصول إلى عوالمه المفتوحة أحيانا والغامضة أحيانا أخرى بسبب التقنية التي يستخدمها الشاعر في اغلب نصوصه . فبرغم إن الشاعر يكتب جملة قصيرة ومقتصدة لغويا إلا انه لا يكتفي بذلك ، بل انه يغامر ويقدم أحيانا جملا ناقصة تصل بهذا الاقتصاد اللغوي إلى أقصاه . تقنية الحذف والتشذيب هذه برغم أنها تخلص النص الشعري من الشوائب والزيادات والنثرية وتجعله متوترا إلا أنها لا تصلح لكل التجارب بحكم طبيعة المضمون الذي يتناوله النص الشعري المتقلب وغير المكتمل .
التقنية الأخرى التي يستخدمها نوري الجراح هي تقنية القناع ، انه يعنون الكثير من نصوصه باستخدام أسماء أبطال الأساطير أو الأساطير ذاتها ولكن النصوص تتحدث عن أشياء أخرى لا تمت لهذه الأساطير بأية صلة. هذه التقنية تتيح للشاعر إن يستعيد الحكاية الأسطورية من اجل إعادة صياغتها بما يتناسب ورؤية الشاعر وحالته الشعورية دون إن يستثمر الأسطورة نفسها أو بنيتها الدرامية كما هو حاصل في نصوص حدائق هاملت وموت نرسيس  وخطوات اوفيليا .

تقنية الحذف وتوزيع الأبيات

لم يكن نوري الجراح يستخدم هذه التقنية في دواوينه الأولى التي كانت تحفل بالتدفق اللغوي وطول الجملة الشعرية الذي يجعل القصيدة تطول أيضا ، ولكن بعد انتقاله إلى لندن واطلاعه على التجارب الشعرية الأوربية والأمريكية وانفتاح تجربته على الأدب الغربي وطريقة العيش هناك بدأت لغته تتقشف وجملته تنكمش . تتقشف لكي تحذف كل ما هو زائد ومكرر في النص ، وتنكمش لكي تتماسك وتتوتر وتتخلص مما يسقط النص في النثرية والانفلات . فلو عقدنا مقارنة بين نصين  أو مقطعين من نصين احدهما كتب في دمشق عام 1980 وبين نص أخر كتب في لندن بعد تسع سنوات من ذلك سنجد فرقا شاسعا بين المقطعين في استخدام تقنية الحذف . النص الأول هو ” كما يحدث لطائر ليلي ابيض ” / قليلا وتبتسم المرأة . / قليلا وتحرك أصابعها . / قليلا .. وتخرج من الرسم الفوتوغرافي على الحائط . / . إما النص الآخر ” كفاية النازل ” / لنتركه / في / نترك . / طواف ليل في فساد هو الماء .
ففي الوقت الذي يكرر فيه الشاعر مفردة – قليلا – في النص الأول ثلاث مرات بلا طائل ، نراه في النص الآخر يحذف حرف – ما –  كان يمكن إن يكون ضروريا لفهم الجملة القصيرة بحد ذاتها . ولو قيض لنوري الجراح إن يكتب نصه الأول بتقنية الحذف لما كان يكتبه إلا في هذه الطريقة :
( قليلا وتبتسم المرأة / تحرك أصابعها / وتخرج من الرسم الفوتوغرافي على الحائط ) . لقد استطاع نوري الجراح عن طريق هذه التقنية إن ينقي ويصفي لغته الشعرية إلى درجة الاختزال وهو ما منحها قوة إيقاعية في غاية الصرامة ، بحيث تبدو الجملة الشعرية بموسيقاها الداخلية توقيعات غير كاملة ولا تكتمل إلا بنهاية القصيدة وأحيانا لا تكتمل أبدا كما في هذا النص : ( ليتمجد الرفاه الذي به نرفل / والأزهار / واليأس ما طاف بنا / مرموقين ومحتفى بنا / والضوع / وهذه الشعلة . / لتتمجد الأنشودة / والأزهار المتروكة بقصد الرجوع إليها / والرائحة / التي لم توقظ .. / والكرسي في الفراغ / والفجوة .. وما ترك الدلال .. / والجهل الذي افسد . ) . بسبب هذه التقنية أيضا أصبحت الجملة تنتهي في وسط السطر دون إن يعني ذلك اكتمال المعنى الذي يريد إيصاله الشاعر ، تماما كما يحدث في الشعر الانكليزي أو الفرنسي في طريقة توزيع الأبيات . لكنها عند نوري الجراح تنتهي بعدد من النقاط أكثر بحيث تبدو الجملة الشعرية لا هي منهية ولا مكتملة في ذات الوقت بسبب الاختزال .

تقنية القناع المضاد

هل يوجد شاعر عربي بلا أقنعة اوديبية أو هاملتية أو نرسيسية ؟ وهل يوجد شاعر لا يحلم بامرأة مثل اوفيليا ؟ إذا كانت هناك ثمة وظيفة للشعر فهي نزع هذه الأقنعة وتعرية الكائن البشري بكل هشاشته وضعفه أمام الحياة بكل غموضها وقسوتها الوجودية . يستخدم الناس الكثير من الأقنعة لستر هذا الضعف الذي لا يمكن لأي قناع إن يستره ، إما الشاعر فأنه يتفنن في استخدام هذه الأقنعة لأنه يعرف بالضبط إن عمله الرئيسي كشاعر هو إزالة هذا القناع وليس تلميعه . ولكنها الطبيعة البشرية وقلة من الناس تستطيع إن تتخلى عن أقنعتها في لحظات نادرة .
لحسن حظ الشاعر نوري الجراح انه لم يستخدم أقنعة من هذا النوع في عمله الشعري ، بل على العكس من ذلك انه يستعير أقنعة معروفة للجميع وفاضحة في الوقت نفسه لأشخاص لم يحالفهم الحظ في حياتهم مثل اوفيليا وهاملت . يقول الجراح في تقديم نصوص ” حدائق هاملت ” ( مطلق كئيب وكسور ضاحكة ) هل يسعنا هنا إن نتحدث عن أقنعة أم ينبغي لنا إن نتحدث عن نزع هذه الأقنعة ؟ نحن هنا أمام هاملت عربي مشرد في حدائق لندن العامة بعد إن فقد اوليفياه التي هجرته ، على العكس تماما في هاملت شكسبير . إن نوري الجراح يقلب الحكاية رأسا على عقب لكن دون إن يخل بطابعها التراجيدي الذي يتخذ هنا صفة شخصية .
أين يمكن إن نجد اوفيليا في هذه القصيدة ؟ أين يمكن إن نجد قناع اوفيليا فيها ؟ يقول الجراح في قصيدة ” خطى فارغة ” ( صباح شيق ، اهوي به ، واهوي بصوري / وراء الضوء . / غيابك يجعلني ابرق . / ولأنني كنت امشي في فراغ ، ونهاري في فراغ / يدي غائمة ، / والمطر يلهو . / في الشعلة القارسة ضحكت يدي . / لم يرني احد . ولم أر في احد . / السهم غيب صوتي ، والسرعة والخطر . ) . كما قلنا في البداية إن نوري الجراح يستعير القشرة الخارجية للقناع كما لو في حفلة تنكرية يعرف الجميع فيها ما سوف يدور في هذه الحفلة ومن هم أبطالها . لكن نوري مرة أخرى ينجح في تضليلنا حين يسلط الضوء على أسطورته الشخصية في النهاية عندما يخلع كل منا قناعه حيث لا نجد هاملت ولا اوفيليا ، بل نجد أنفسنا عراة ولا خلاص إلا في هذا العري الأرسطي التطهيري الفاضح . هل هناك حلول أخرى ؟
نوري الجراح شاعر مدينة بامتياز يأخذ المنزل والحديقة والرصيف والشارع حيزا كبيرا من لغته الصافية وتتكرر في هذه اللغة مفردة النوم والنهار والليل بشكل يدعو إلى التساؤل . انه شاعر اليومي بكل تفاصيله الحميمة ابتداء من السلم وغرفة النوم والقميص المهمل على السرير . وبرغم مألوفية هذه المفردات التي تتكرر بشكل كبير في المجموعة إلا إننا لا نشعر بهذا التكرار لأن هذه المفردات تأتي دائما في زمان ومكان مختلفين متغيرين تبعا لوظيفتهما في القصيدة . لا يطرح نوري الجراح أسئلة ولكن نصوصه حافلة بهذه الأسئلة ، تفاجئنا في كل نص بصوتها الخافت وملمسها الناعم ولكنها على كل حال أسئلة تغور في وجودنا الغامض وليست ثمة أجوبة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *