أحمد عبد المجيد : قوس قزح في صومعة المطبعي (ملف/7)

ahmad abdulmajidإشارة :

يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تعدّ هذا الملف للاحتفاء بمبدع عراقي كبير هو موسوعة العراق الحديثة بحق، قافلة من المبدعين التمت في شخص واحد، صاحب أعظم خدمة قدمها مثقف لثقافة وطنه في الخمسين عاماً الأخيرة .. الأستاذ حميد المطبعي.. هذا الرمز الثقافي والنهر الفذ المعطاء صرعه الشلل الذي لا يرحم وأبعده عن ساحة إبداعه ..
تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء الملف بالدراسات والمقالات والوثائق والصور.

المقالة :

الخميس، عطلة الجريدة، انشغل، عادة، بانجاز اعمالي المعطلة طيلة ايام الاسبوع الاخرى. وصادف اني زرت حميد المطبعي بعد شهرين من اخر زيارة قمت بها الى صومعته في منزله بحي الرسالة، او الجزء الاعلامي من الحي ببغداد.
كنت شغوفا بعلاقة طويلة جمعتني بهذا الصوت الجدلي السقراطي القادم من عصور الاغريق، واحتفظ بوصف اطلقه عليه الاكاديمي الفيلسوف مدني صالح، لقد اسماه (القيصر) من وحي تسريحة شعر عرف بها المطبعي. مثلما احتفظ بذكريات قل ان توفرت لشخص اخر لازم المطبعي نحو ثلاثة عقود من الزمان، بدءا من ثمانينات القرن الماضي. استطيع القول ان اكثر من ظلموا المطبعي هو المطبعي ذاته. فالناس صنفان، صنف يؤذي نفسه وصنف يؤذي سواه. فالمطبعي يملك حبا، وان كان متطرفا احيانا للناس، الا قلة سرعان ما نكتشف صواب موقفه منهم حتى لو ظللنا نقارعه اللوم عليهم سنوات، ومن النادر ان نسجل عليه اذى ضد احد، ولكنه يبرع في ايذاء نفسه. كيف؟ واول مظاهر هذا الايذاء اسرافه في التدخين. فالسيكارة لا تفارقه ودخانها القاتل الخانق انيسه، في الكتابة، وفي الوحدة، وفي الحركة اليومية. ان سحب دخانه تتحول الى غيوم تمطر كلمات شبيهة بالحالوب او كرات الثلج. و من النادر ان تصادف المطبعي هاجعاً. انه دائم الحركة قبل ان يقعده مرض التهاب المفاصل عن هذا النشاط. ولعله واحد من قلة يلتقي 10 تيارات، اقصد عشرة اشخاص او مدارس في اليوم الواحد غير انه يتواضع فيقول،(انني اقابل 4 تيارات يوميا)، وكنا نضحك ونستغرق في البحث عن دلالة ذلك. والحقيقة ان روح الجدل وعقل التمرد لديه يدفعانه الى بحث يومي من هذا النوع. هو نادر الوجود ولكنه متحقق الامكان، مشخص بهيئة انسان متحدر من جني او من عالم السحر. وهو امر حقيقي فبعض تحليلات المطبعي والتقاطاته وتوقعاته تدل على اتصال نوعي له بعالم البرازخ.
رأيت المطبعي، الخميس، رافعا ساقيه على كرسي واضعا اياها امامه وتخيلته متحدثا اليها طوال النهار، عاتبا على هذا الخذلان الذي شرع يحس به. انهما تعجزان عن رفع جسده الممتلئ المضغوط المسافر عبر الخيال اللصيق جدا بأحوال المجتمع. انها مرحلة ما كنت لاتخيل ان المطبعي سيمر فيها ملقيا اشرعته العالية على مرافئها. حتى انا الذي اصغره بأعوام كنت اغبطه على الحيوية التي يتمتع بها. يسهر كثيرا وطويلا ويستيقظ باكرا ومبكرا، من اجل ان يستحضر شياطين الكتابة القادمين مع الخيط الابيض من الفجر.hamid almatbei 2
من النادر ان لا يشتهي الانسان بعمره النوم في الصباحات الربيعية، الا هو فانه تقصد النوم في صومعة تضم مكتبة عتيقة وحماما ملحقا لكي يصحو كما يرغب ويستضيف الناس كما يهوى. هو اسلوب في ايذاء النفس ولكن من اجل مشروع قضية او مشروع كتاب او مشروع موسوعة او مقالات ينشرها في الصحف، ولو قدر لنا ان نجمع ما انتجه منها لاحتجنا الى فيلق من المؤرشفين. من النادر ان ترى كاتبا زاهدا مثله. يكتب لنفسه وينتج لغيره، بل اني اشهد ان ما ابدعه المطبعي لاخرين يعادل ما نشره باسمه مرات ومرات. ولم يطلب ثمنا او مكافاة الا ما يسد رمق عائلة ابتليت بقبول حياة (الصعلكة)، على طريقة المطبعي وعلى ضوء فلسفة يؤمن بها، وحده، ومستعد للتضحية بروحه من اجلها. ولهذا رأيته متعرضا للملامة او اللوم ولكنه كان يدافع عنها بحماسة لا نظير لها حتى اني اخاله مبالغا، في وقت هو صادق ونبيل. واعود فأقول انه يؤذي نفسه فقط. والان بعد هذه الرحلة، بعد ان عجزت عن حمله الاقدام مثلما تعجز الاجسام عن حمل العقول العظيمة، ما الذي تبقى للمطبعي؟ ما الذي ارأه فيه، هل يستطيع ان يعيش على ماض هو موضع احترام واعجاب كبيرين فقط؟ لا افعل سوى ان اقول، ان روحه العظيمة تبدو في ابهى تجلياتها وهو يعجز عن المشي خطوتين. انه مازال يعيش كبرياء الكلمة. ليست المجلة التي اطلقها في وقت كانت مشاريع المجلات الثقافية تبدو ضربا من الجنون والمستحيل، بل كبرياء القلم و المسيرة التي قطعها بمفرده في طريق موحش كسالكي طريق الحق. ومن العجيب ان المؤمنين بافكار المطبعي قلة نادرة جدا. برغم اتساع صداقاته، بل اتساع قدرته على استقطاب الاصدقاء من مختلف الطبقات والفئات. ولا عجب اني رأيت المطبعي منشغلا بالجدل مع كاسب. وكان اكثر ما يستهويه في التسعينات ابان اشتداد قبضة الحصار الاقتصادي على الناس، الوقوف مع اصحاب الجنابر التي تعرض احط انواع السكائر في محاولة لاستدراجهم نحو الحرية، واقصد البوح باسرار حياتهم. كان يقول دائما ان الانسان يملك شيئا غاطساً سواء في ما يبدو عليه من بحبوبة او ما ينعكس في سلوكه من فاقة وعوز.. احيانا يبدو المطبعي محللا اقتصاديا كونيا يريد ان يعرف ديالكتيك الاشياء وارتباطاتها بين المعسكرات والايديولوجيات والتواريخ والحقب والمدارس، ويجتهد بالقول ان صحة الاقتصاد العالمي مقياس لامور كثيرة بينها سلامة علاقات البشر وتحسن الدبلوماسية وتطور ادوات الابداع. والى ذلك يذهب سريعا الى مراكز القوى الاقتصادية ليستطلع رؤاها ويؤكد صحة بعض منطلقاته السالفة. كان يعقد مجالس جدل فيبدو بينهم آدم سمث اخر او ابراهيم كبة ثان او يستحضر نظريات محمد حديد في المال وتراكم الثروة.
من النادر أن نجد ذهنا يمتلك حيوية ايحائية كذهن وعقل المطبعي. هو دائم التنقل من منصة الى اخرى ومن معترك الى اخر ولا يتحرج في اعلان تحولاته العقلية تحديا للجمود العقائدي والتحجر العاطفي. انه متنور يحمل مشعل التغيير. واذا كان البعض يعيب على المطبعي هذه التحولات فان هذا البعض لا يؤمن بحركة الاشياء وامكانية الكشف المتتابع لافضليات الامور، شرط توفر القدرة على قبول الاخر وفهم مقاصده النبيلة.
لم استطع تحمل مشهد مثول المطبعي امام احدى كينوناته الادمية، وسارعت الى الاعتذار اليه للمغادرة. لقد رأيته متشبثاً بالوقت، هذه المرة، وكأنه يدرك ان الوقت المقتطع منه يتطلب وثيقة تعزز ادلة قدراته الاستثنائية. فهو من امهر جامعي النقائض في الادب والسياسة ومن اشهر الذين تمكنوا من ايجاد مشتركات بين الالوان العراقية لتبدو قوس قزح يمد بريق جناحيه على سماء الوطن. ولعلها مصادفة اني رصدت قوس قزح طقسي او مناخي قبل نحو 24 ساعة من لقائي بالمطبعي ،وربما كان هذا القوس قزح وراء النداء الداخلي الذي وجهه الي لزيارته واكتشاف سحر اخر من علاقتنا التي لا تشبهها علاقة صادقة، بين تلميذ واستاذ وبين كاتب عملاق وقارئ مستجد، تصعد وتهبط كالزئبق الاحمر في بارومتر ضارب في عمق الزمان.

*عن صحيفة الزمان

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *