حسين سرمك حسن : تمظهرات الحضور الأنثوي في شعر الياسري (3/2) (ملف/12)

hussein sarmak 5إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

المقالة :
والأم تدخل هنا – وضمن اختصاصها التاريخي وبتخطيط من الشاعر – لعبة انتظار جديدة ، لكنها تجاه ” الأم ” البديلة ؛ الخالة التي يضفي عليها الشاعر صفة الطول الفارع ، طول الشجرة الرمز ، شجرته التي أهدى إليها قصيدته السابقة ، ويمنحها امتياز ” الحكّاءة ” ، والحكاية فن أمومي أصيل ، ولكل امرأة روايتها ، بل كل امرأة ” حبلى ” بروايتها الخاصة كما يقول الناقد ” جورج طرابيشي ” :
( هناك تقطن خالتها
الخالة – حليمة –
ذات الطول الفارغ
وحكايا الليل المدهشة – ص 55 )
والشاعر في الواقع يستعيد ” حكايته ” الخاصة ، حكاية طفولته ، أيام كان يصطف مع أقرانه منتظرين قدوم الخالة المباركة الفارعة الحكّاءة ، التي تملأ لياليهم بالدهشة والأرق الملذ ، والأهم الغبطة التي تعيشها الأم في تلك الليالي الرائعة :
( في تلك الليلة
يقف النوم بعيدا
وتلبس أمي سحنتها الفرحة – ص 56 )
قد تكون الأم ، أم الشاعر ، تعيش لحظة الإنتشاء الطفلي في اللقاء بالأم . فمهما كبرت البنت وصارت أما تبقى تلوب في داخلها تلك الحاجة الأصيلة نحو الرحم الفردوسي الحاني ، وعناية الأم بوليدها تعكس في جوانب كثيرة منها الكيفية التي كانت تتمنى أن يُعتنى بها فيها وهي طفلة . ويتجلى انتشاء الأم بالحضور الأمومي الباذخ في ما يشبه ” النكوص ” النفسي الذي تكشفه أمنية ” كونية ” تحاول فيها تسخير تحولات الطبيعة وفق مشيئة رغبتها ليصبح العالم بأسره حضنا دافئا ومكافئا للرحم الحاني الحامي :
( أمي
تتمنى في تلك الليلة أن
تنهمر الأمطار
وأن يبقى نهار اليوم التالي
يواصل إغفاءته – ص 56 ) aisa alyasiri 5
لكن يبدو أن قدر الإفتراق والنأي هو من الأقدار ” المكتوبة ” على جبين المسرّات العراقية ، فلم تتح لهذه الصلة الحميمة بالخالة أن تدوم ( ما كان يقربنا … صار بعيدا ) ، ويوظّف الشاعر من جديد موروثا شعبيا متداولا يصف التشتت القاسي الذي يصيب الأحبة ويضعهم كل واحد ( حدر نجمة ) :
( صرنا نقطن تحت نجوم
متفرقة
لكن الخالة ظلت تعرف
طرقات منازلنا
كما يعرف الطائر طرقات مشاتيه – ص 56 )
ولكن يبدو أن حفاظ الخالة على أواصر التواصل مع ” أبنائها ” هو مرحلة انتقالية قبل أن يعم الخراب الشامل الذي لا يمحو دروب الإلفة حسب بل يمحو الأحبة أنفسهم ، لا يمسح ، بلا رحمة ، وبلا هوادة ، طرقات مشاتي الطائر ، بل يجتث الطائر نفسه . الشتاء هو الفصل الحاكم في حياة الياسري الإبداعية والفعلية . له حضوره الحاكم من خلال كونه فصل التلقيح الكوني الذي تقوم به السماء للأرض / الأم بعد جدبها الصيفي . الفلاحون أبناء الشتاء أصلا رغم البرد والأمطار تختزن الذاكرة لحظات الدفء الحميمة قرب المواقد ، لحظات الإلتصاق بالأم ، والحكايا الأمومية الشهرزادية في ليله الطويل البارد . هل ابتكرت الأم ” روايتها ” وهي راكعة قرب مهد وليدها أم وهي تطمئن نفسها ونفسه قرب الموقد في ليالي الشتاء المظلمة لتطفيء قلقها وقلقه ؟ حتى الآن يتذكر الشاعر خالته التي رحلت مرتبطة بحكاياها وبضحاتها المجلجلة :
( إني … وحتى هذي اللحظة
ومنذ رحيلك أيتها الخالة
مازلت أتسمع ضحكتك المجلجلة – ص 57 )
ومع قرب سطوة المثكل الساحقة والمهيبة على أجواء حياة الشاعر وذكرياته ينسى الشاعر تماما أن المرتكز الثاني لحكايته هو الأم ، التي بدأ قصيدته بانتظارها اليومي لإطلالة خالتها الفارعة . بالعكس نجده يتحول إلى علاقة مناقضة في الجوهر النفسي بين الخالة والأب ، يسترخيان فيها بلفائفهما وأحاديثهما بعيدا عن متاعب العالم القاسي المحيط بهما :
( وأرى كيف يبادلك أبي الراحل
لفافات التبغ
وتبتعدان كثيرا في أحاديثكما
عن تعب هذا العالم – ص 57 )
لكن العذر البنائي مبرر ؛ فالخالة هي محور القصيدة ، وقد رحلت الآن ، ثم رحل الأب كما يشير المقطع السابق .. والأشد مضاضة وفجعا هو أن كل من كانوا يحتفون بليالي الخالة الشتوية ؛ بحكاياتها الرائعة وضحكاتها المجلجلة وحضورها الدافيء قد رحلوا أيضا .. ويترتب على ذلك خواء في الزمن نفسه . لاجدوى قدوم الليل الشتوي ذاته .. خواء حضوره حينما صار يأتي ليواجه بالوحشة والإنهجار والفراغ البشري ، فيغادر خائبا خجلا ، هكذا ينتصر زحف المثكل حتى على الزمن الجبار الذي يشعر الإنسان بضآلته أمامه عادة :
( أكثر من ليل شتوي جاء
كضيف خجل
وسريعا ما غادر
لقد رحل من كانوا
يحتفلون به – ص 57 )
وهنا تقوم مغادرة متقابلة كأننا في يوم الفزع الأكبر ، البشر يهربون .. والزمان يفرّ ..
وقد قلنا في الدراسة التمهيدية أيضا أن أي توسيع لدور أي أنموذج أنثوي – الحبيبة الزوجة ، البنت ، الأخت – سيحيل هذا الأنموذج – عبر المراجعة اللاشعورية المختزنة – إلى الأصل المرجعي الحاكم وهو : الأم . فعطايا الأمومة – وخصوصا هناءات رحمها المنعم التي نغفو في ظلالها اتكاليين بلا عناء أو رهق – هي التي يقاس عليها عطاء أي أنموذج أنثوي لاحق في مراحل حياة الفرد التالية . إن الأم كأول أنثى في حياة الإنسان ، تتعزز مهابتها في وجدان الفرد بسمات آلهة في المرحلة الطفلية التي تمتاز بالإعتماد الكلي . وليس عبثا أن أول إله تمت عبادته في تاريخ البشرية كان امرأة . فوق ذلك فالأم هي موضوع الحب الأول الذي تحفظ صورته في طيات لاشعورنا بصورة كامنة لكن فاعلة ، تصحو في أعماقنا مع اقتراب خطى أي أنثى من دائرة وجودها الحساس ، الوجود الحي الذي لا يموت حتى بعد فنائه ، فنقيس عليها سمات الصورة الجديدة . ومن مفارقات العلاقات الزوجية أن الزوج – في كثير من حالات التصافي الرائقة – يعلن امتنانه وحبه لزوجته بالقول : أنت أمّي وكل شيء في حياتي !! . ولسنا بمجانبي الصواب إذا قلنا أن كل العالم الجمالي الذي يؤسسه الإنسان لاحقا يتأسس على خبرات علاقة الطفل بأمه ، مترافقة وممتزجة – وإن بدرجة أقل – مع خبرات العلاقة بالأب . في قصيدة ” كعصفور غسلته الأمطار ” المهداة ” إلى – ب – نجمة الغروب ” ، يشي الإهداء بالسمو بموضوع الحب والإرتفاع به من الأرض إلى السماء ليكون نجمة غروب تتلجلج وتتردّد في إطلالتها الساحرة فلا تبين تماما وهذا من نتائج التضاد الوجداني المحارمي أولا ، وهي بلا محدّد مكاني أو فضائي قاطع بعد تقادم ظلمات الليل وهي الحركة الإلتفافية التي تموّه موضوع الحب ثانيا . يستهل الشاعر قصيدته بوصف البهجة الطاغية التي يعيشها الرجل من دون أن نمسك بدافع هذه البهجة الكاسحة التي تمتد موجاتها لتشمل الكون كلّه ، بعصافيره وزهوره وفراشاته وأشجاره . وهذه العدوى الإنفعالية هي من نتائج ” القدرة الكلية – omnipotence ” الطفلية ، التي تغيّر رغباتها وهيجاناتها العاطفية موجودات الحياة ومكونات الكون وفق اتجاهاتها :
( كعصفور غسلته الأمطار
كزهرة حطّ على شفتيها سرب فراشات
كشجر قارة قطبية أدركه
ربيع بكر
انتفضت أغانيه من بين شفتيه المطبقتين – ص 50 )
وفي نقلة تفسيرية متراخية يحاول الشاعر رسم صورة مكملة لكنها توحي بالإستقلال ، يجعل المرأة – التي يخاطبها الشاعر مباشرة في حين تحدث عن الرجل بضمير الغائب – تقف بحضورها البهي إلى جوار الرجل في تألق تأثير هذا الحضور على حركة مكونات هذا الكون ممثلة بالنجوم الشاحبة التي ستتلألأ على خلفية الجدائل الحالكة – وليست شديدة السواد ليضفي عليها سمة من سمات الليل ليدمج الحضور الأنثوي بمكونات اللوحة الكونية – :
( إلى جانبه كنت ترخين جدائلك
كانت جدائلك حالكة
مما يجعل حتى النجمات الشاحبة تضيء – ص 50 )
هذا الوجود الساحر يدفع المحب إلى التأمل .. التأمل الذي يلكز الغريزة فتصحو في صورة تطافر طيور المخيلة مثل مطر الليل المنهمر – ولاحظ أن مطر الليل أكثر جمالا ، تشكيليا إذا جاز الوصف ، من مطر النهار – في لمعانه المنوي في أحشاء رحم الليل الأسود :
( لحظة تأملك
كانت تتعاقب عبر مخيلته طيور
أكثر ألقا من
مطر الليل – ص 50 )
حضور ” يعيد ” .. وفي الإعادة الذاكراتية – والذاكرة أم – تتجسد مفردات جديدة في حياة الرجل .. مفردات محملة بالجمال والمتعة التي لم يألفها من قبل في حياته السابقة ، فالحدائق تحتشد بربيع لم يره من قبل ، وبحيرة العينين الداكنتين يتألق فيهما قمر عجيب . لكن من هو رجل هذه المرأة الفريدة ؟ . هنا يقلب الشاعر معادلة السعادة الرخية التي أسسها في أذهاننا إلى الآن ، والتي انبنت على حضور المرأة الإنقلابي الذي غير حياة الرجل جذريا . نفاجأ الآن بمشهد موحش دخيل ، فالرجل في هذه اللحظة الشعرية ، راع يجلس وحيدا منعزلا .. يحيا من دون حبيبته ، بل هو يعد للقائها العصي الذي لم يتحقق ، أو لم يستعده إلا من محتويات ذاكرته ، أو خيالاته التي تبغي تعويض خيباته :
( وحيدا يجلس ذاك الراعي
ذو الأثواب البيض
كشمس ظهيرته
لقد غادره الأصحاب
وأماسي أيلول
ومازال يرتب للقائك
أعيادا فرحة – ص 51 )
ولو راجعنا أغلب قصائد الياسري فسنجد أن من سماته الأسلوبية هي أنه يحكم تماسك مقاطع قصائده ، وبالتالي القصيدة ككل من خلال الطرق على المعاني الدلالية والرمزية لمفردة معينة أو إعادة توظيفها بالمجاورة فتبقى السلسلة في ذهن القاريء متصلة . ففي المقطع الأول من هذه القصيدة لعب على الرجفة اللذية الهائلة لشفتي الزهرة التي حطّ عليها سرب فراشات ، ولشفتي العاشق الراعي الذي اتضحت هويته الآن بانتفاضة أغانيهما المحمومة . حصل هذا في مقطع واحد . لكن في المقطعين السادس والسابع يشتغل الشاعر على ” البياض ” : أثواب الراعي البيض التي تشبه شمس ظهيرته في المقطع السادس ، وبكاء الدراويش الأبيض لحظة يأخذهم السكر . أما مفردة النجوم فإنه قد وظفها أولا في المقطع الثاني عندما جعل جدائل الحبيبة الحالكة ” أرضية – ground ” تتألق عليها حتى النجوم الحالكة كـ ” شكل – figure” في تجانس متقن حسب أطروحات ” الجشطلت ” . لكنه يقدم أفكارا صوفية حسّية إذا جاز التعبير عن النجوم في المقطع الحادي عشر :
( ما كنت أحسب أن النجوم هي الأخرى
تحب النوم بأحضان الأرض
النجوم ثمار الله السماوية
خمرة قدّيسيه
وأغنية من لا شفاه لهم – ص 53 ) . ونعود في خاتمة هذا المقطع إلى مقابلة الأغنية والشفاه التي انتفضت في المقطع الإستهلالي . والصورة التي يتساءل فيها الشاعر عن دهشته لأن النجوم تحب النوم في أحضان الأرض لا تجاريها سوى صورة ” بوريس باسترناك ” في إحدى قصائده والتي يتحدث فيها عن العربة التي تدوس على النجوم في الطريق الطيني . أما في المقطع الثاني عشر والأخير فإن الرجوع إلى رمز النجوم سيكون ختاما لمسيرة الفقدان والخيبة . فبعد أن يتحدث الشاعر عن الراعي العاشق ذي الأثواب البيض والذي يرتب أعيادا فرحة للقاء حبيبته ( المقطع السادس ) ، وبعد أن أحال جسد الحبيبة وحضورها واستجابة العاشق لها إلى عرس كوني ( من المقطع الأول حتى السادس ) ، يهبط بنا إلى قعر منخفض الكآبة والإحباط وبصورة مباشرة ، كاشفا إنهيار الراعي الوشيك بلا سبب مباشر يبرّر هذا الإنفعال السوداوي المريع لمحب يزّين أيام إنتظار اللقاء الموعود رغم أن أصحابه قد غادروه وبات وحيدا :
( ببكاء – الدراويش – الأبيض
لحظة يأخذهم السكر
كان يبلل لحيته
وذؤابات الشعر الأجعد
لقد كان وشيكا أن يتداعى – ص 52 )
ولا يكتفي الشاعر بتعطيل كشف هوية الرجل المتيّم حتى المقطع السادس ، بل يقوم بنقلة مهمة ومغيّبة حين يخاطب الحبيبة مباشرة سائلا إياها :
( هل قال لك أحدهم
أنك أجمل مما أبدعه من رسموا
وجهك فوق لحاء الأرض
ودفاتر الماء ؟ – ص 52 )
وهنا يرقى توسيع الحضور الأنثوي أقصاه ليحصل على امتيازات البهاء الأمومي وفق الاشتراطات التي أشرنا إليها . لا تنسرب أنثى في دفاتر الماء ولا تنرسم على لحاء رحم الأرض إلا إذا كانت تمظهرا لأمومة . فقط الأم العشتارية هي التي منحت هذه الامتدادات الكونية الخارقة . أنثى تكون أرضا وشجرة ونجوما وحدائق وبحيرات وجدائل تبزغ منها النجوم . لكن هذا التساؤل المندهش ( في المقطع الثامن ) الذي يوجه إلى الضمير الثاني ، تعقبه حركة كشف مضاعفة لهوية العاشق ، فهنا ( في المقطع التاسع ) يحصل ” تماه ” وتطابق بين الراعي والشاعر ، يدخل الشاعر بنفسه إلى ساحة القصيدة ، ويحل ضمير المتكلم / الضمير الأول ، ويصدح الأنا الذي يضبط كفتي ميزان الحضور بصورة شديدة التوازن فلا يتردد في إعلان الأصل الأمومي لأنثى لحاء الأرض ودفاتر الماء :
( أنا سأقول لك هذا
وأقول لك أيضا
أن جدائلك تشبه ليل قراي
وأن لك رائحة كوخي – ص 52 )
ولا يتأجج ألق بياض الإشتغال الشعري للياسري – كما قلت – إلا تحت استار الظلام . وهي سمة أسلوبية راسخة في منجزه الشعري . مثلما يمكننا القول – وكسمة أسلوبية بارزة أخرى – أن الياسري ” فلّاح ” شعري ، كل أدواته الشعرية ؛ لغة ورموزا وصورا هي أدوات ومفردات لظواهر ” زراعية ” إذا جاز لنا القول . من نصوصه تفوح رائحة الأرض بملحها ونمائها وتشققاتها ونتاجاتها المباركة . وفي نصه تزدهر حركة الفصول وتحولات الطبيعة وتصارع مكوناتها الخلّاق . هنا – وفي المقطع العاشر – يصدمنا الشاعر بجرعة جديدة من الخيبة الصارخة بعد أن أنعش نفوسنا في المقطع السابق وهو يضيف إلى الصورة الأمومية الكونية التي رسمها المبدعون أبعادا ساحرة أكثر اتساعا . ولا أعتقد أن هناك قصيدة للشاعر في هذه المجموعة لا تنتهي بالركوع عند قدمي السيّد المثكل ، والتسليم بحكمه ، تسليما هادئا لا تشوبه شائبة احتجاج أو تمرّد . ( هل عيسى ميت في الحياة ؟؟ أعتقد أن هذه نتيجة متوقعة من نتائج الإنخلاع من حضن الأم / الوطن / نيسان / أبو بشوت . فما الذي بقى في حياته من ” مدّخرات ” يستعين بها على التعامل في سوق الخسارات المعتمة ) :
( كانت أمسية معتمة
المصابيح مطفأة
الخريف يترك بصمات شاحبة فوق
وجوه المسنين
المسنين الذين اتخذت منهم وطنا – ص 53 )
هكذا تزدهر أشباح الخراب : الأماسي المعتمة ، والمصابيح المطفأة والوحدة وآثار بصمات الخريف الجارحة على الوجوه المتعبة ( لاحظ أخاديد وجه عيسى .. وجهه أرض الجنوب التي شققها القهر !! ) ، خراب يتأسس عليه بلا عناء وبرهاوة ” الفراغ الفاجع ” كما يصفه الشاعر .. فراغ لا يمكن أن تشغله أية نجوم أخرى بعد الفقدان الجسيم لنجمة الحياة ؛ نجمة الأمومة . وهنا نصل الاستخدام الأقصى لرمزية النجوم ملتحمة بنسيج البناء الخرابي المتراكم الذي امتد عبر المقاطع الإثنى عشر متناوبا مع جرع إنتعاشية تأتي كنوبات وجيزة مربكة . لكن في النهاية لا حكم إلا للموت ، الحي الذي لا يموت :
( هناك فراغ فاجع
تشغله نجوم أخرى
فراغ سيبقى معتما
وملفعا برياح ساخنة وملحية
لأنك غائبة ، وبعيدة ، ومطفأة – ص 53 )
لكن التوظيف الخارق ليس الفعل الذي تحكمه أواليات قبل الشعور التي حللنا نماذجها سابقا ، لكن الفعل اللاشعوري الأصيل ، بألعابه الخلاقة ومصائده الماكرة ، هذا الفعل ” الحرّ ” المسؤول عن المنجز الإبداعي بأكمله ، رغم أن هذه الحرية المطلقة لا تتعارض مع الحركة الرقابية التالية للشعور / الوعي ، وهي بدورها مسخرة – من حيث لا تعلم – لخدمة المخططات الرغائبية اللاشعورية من وراء ستار . يأتي النص / القصيدة في غاية ” البراءة ” ، لا شبهة صارخة عليه ، ولا يمكن الإمساك به متلبسا بغير قصديته ” البيضاء ” الظاهرة . لكننا سرنا في منهجنا على أساس معاملة النص الإبداعي كنص حلمي له ” معنى ظاهر – MANIFEST CONTENT ” شديد البراءة ، وقد يثير التهكم أوالتعاطف الحاني في أفضل الأحوال ، وله ” معنى كامن – LATENT CONTENT ” شديد الدهاء ، سرديا ورمزيا صوريّا ، يمرّر تحت أغطيته أشد الرغبات مكرا وسمّية . وهناك ” عمل الحلم – DREAM WORK ” الذي يوازي عمل الشاعر في تنكير الرغبات اللاشعورية – وأغلبها مكبوت ومحرّم ، ولا رمزية إلا لمكبوت كما يقول ” إرنست جونز ” – وتسريبها في المضمون الظاهر ” النص ” بأدنى درجة من الحساسية النقدية التي تفرضها سلطة الأنا الأعلى ( هل يستطيع الناقد الإمساك بالمسكوت عنه إن لم تكن لديه كبوتات مثل الشاعر ؟ لن يموت المؤلف ) . وعليه فإن الجهد الشعري السابق الذي انتقل من مخاطبة الأم / شجرة الشاعر واستعراض عذابات عمر الشاعر في علاقته معها كممثل للأرض والأصل والوطن / العراق وأحزانه التي تعتذر لها أحزان الأرض ، ومرورا بنجمة الغروب ؛ النجمة التي اتسعت لتكون كونا وزمنا ماضيا رخيا وحاضرا مهيب العناءات ، وفي الحالتين تستطيع البصيرة المتفتحة لأي قاريء الإمساك بعقد التمظهرات الأمومية الحبية مع ثقافة نقدية راكزة ومعقولة . لكن الشاعر – والشعراء يتبعهم الغاوون – قادر على أن يضرب على أوتار معروفة لتقدم أنامله نغمات غير متوقعة . يتضح هذا الإقتدار في قصيدة : ” هذي الكأس ” التي لا أعتقد أن عنوانها يستعصي على الإدراك المباشر من حيث صلتها بالخمرة . فكأس الماء من الدونية والمهانة بحيث لا تستأهل أن نكتب عنها قصيدة ( لتتذكر أيها القاريء أن لا رمزية إلا لمكبوت ) تستنزف من الشاعر جهدا ودما وعواطف عاصفة . يمكن أن نشكر الله الذي جعل من الماء كل شيء حي ّ، لكن الماء بحد ذاته ومجردا عن رمزيته الإخصابية الذكورية أو الرحمية الأنثوية مثلا ليس موضوعا شعريا . والعنوان هنا في غاية البساطة ” هذي الكأس ” ؛ إشارة إلى كأس ماثلة أمام الشاعر ، وفي تصوراتنا المرجعية التقليدية لا تزيد الكأس عن أناء يشرب فيه ( والكأس لغةً هي الخمرة !! ) . لكن أي حدود يمكن أن يقف عندها الشعر ؟ وعند أي تخوم يصطدم الشاعر بنفاد توليداته ؟ . لا حد .. لا حد .. أبدا .. أبدا . يقول النواسي :
شف الزجاج وشفت الخمر وتشابها فتشابه الأمر
فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر
أين تنتهي سلسلة معاني الكأس التي صارت وعاء لدم الكرمة ؟ .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *