عصام القدسي : الرجل الآخر

osam alkodsi 2ركن سيارته. امام حانة ((الجرار)) ترجل منها بجسده البدين.رفع بصره الى السماء نجوم خريفية جميلة ومساء جميل . دخل الحانة توقف عند المدخل حيا الرجل الذي يقف خلف البار وقبل ان يتقدم خطوة القى نظرة فاحصة على زجاجات الخمر الملونة التي صفت بشكل مبهج فوق الرفوف الانيقة خلف الرجل. خطى خطوات ثم احتل مقعدا خلف مائدة خالية.تنسم بقوة رائحة الخمرة التي ملأت جو الصالة فاحس بالانتعاش وشاع السرور في نفسه وهو يتأمل ألأضواء الساطعة والموائد العامرة بالزجاجات الحالمة والأطعمة المتنوعة.هذا المساء يشعر برغبة عنيفة للشرب على غير ما هي عليه كل مرة . رغبة تدفعه الى أن يشرب بحرا من الخمر ،حضر النادل اليه.املى عليه طلباته زجاجة ويسكي مع اصناف عديدة من الطعام غاب النادل لحظات ثم عاد يصف ّماطلبه امامه. على المائدة وجعل يشرب وتمنى- لو ان هناك من يشاركه الشرب هذه الساعة فيبوح له بهمومه وبعض اسراره التي يخفيها عن اقرب الناس اليه فهي تثقل على نفسه وترهق فكره ولروى له ماسمعه في عمله من اشاعات وحفظه من نكات ولضحكا طويلا- واستغرب من هذه الفكرة التي تراوده لاول مرة وهو الذي اعتاد ان يمضي وحيدا . وامتدت يده لتتناول الكاس ألأولى وسرى في اوصاله خدر لذيذ فاندفع يعب الكاس الواحدة تلو الاخرى وينقل بصره بين الزجاجة التي تنقص الخمرة فيها شيئا فشيئا وبين الكاس التي يملؤها كلما فرغت ليعود يتامل الموائد الاخرى مبتهجا بجو الحانة الحافل بالمسرة. واخذ يتطلع الى السقف ويمعن النظر بالثريا التي تدلت فوق راسه وقد اخذت الخمرة تنال منه وزفر ((آه لو ان لي صديقا .)) وعاد يلوم نفسه(( لقد غلب طبعي المتجهم رغبتي في اتخاذ صديق)) وما ان انتهى من جملته هذه حتى تفاجأ بيد تسبقه الى الكاس. رفع رأسه فوجد رجلا يجلس قبالته. حدق بوجهه من خلال سحابة الخمرة التي لعبت براسه.وتراجع فزعا الى الوراء .لم يكن للرجل ملامح تذكر سوى فم كبير انشغل بارتشاف كاس الخمرة من امامه وتناول شيئا من الطعام بمزاج لايأبه بشىء
. سأله بحذر : ــ من انت؟؟
أجابه الرجل بثقةـ انا انت.
هدأت نفسه بعض الشيءوقدتنبه الى طرافة الرجل فابتسم ثم انتابته نوبة من الضحك . :
وراح يردد ـ انا انت.!!. كلام جميل.
ومد يده الى كاس فارغة قريبة منه على المائدة ليملأها للرجل الا ّ ان الرجل امسك بيده معترضا
ـ اقول لك انا انت أي نحن ألأثنان شخص واحد .أذن نحن نشرب بكأس واحدة . فسأله متحيرا:
ـ وكيف ذلك ونحن لم نلتق من قبل؟
ـ نحن دائما معا ولكنك لم تلاحظ ذلك يوما.
ـ أنت لاتشبهني ـ هذا ما اردت ان اقوله لك. انا بعضك الذي يخالفك كثيرا وقليلا ما يتفق معك. يسبقك في المضمار.أحيانا ويتخلف عنك احايين اخرى .واحس بالزهو وهو يجلس الى قرين له تمنى ان يحضى به من قبل يتصف بغرابة الهيئة والرأي قال الرجل البدين بأرتياح: ـ انت ألآن معي
فقال الرجل الآخر:انت دعوتني.
ـ رجل غامض و بلا ملامح!!
ـ لايهمني ذلك
ـ كيف
ـ انت ذو ملامح واضحة ولكنك تخفي خلفها رغبات بلا ملامح اما انا فانني ذو ملامح مموهة ولكن رغباتي واضحة جامحة .لايوقفها شيء. سواك..
ـ كلام غريب
ـ أجل .انا اصرح بما اريد واسعى الى تحقيقه
اماانت فمترددضعيف لاتجرؤ على مجرد التصريح بما تود لذا..
وراح صامتا يفكركان الرجل البدين يصغي باهتمام وحينما طال صمته ردد معه ـ لذا…؟
ـ كثيرا ما حنقت عليك .ووددت التخلص من قيدك .
ـ كيف؟؟؟؟
ـ بـالتمرد عليك تماما .
ـ وما الذي يمنعك .
ـ أ نسيت انني بعض منك
ـ آه .نسيت
ـ لكنني اكافح دائما من اجل ان نبقى على قدر من الأنسجام.
ـ تفكير سليم.
ـ ولكن لاتستبعد ان اقدم في لحظة طيش على فعل مالا تحبذ أن أ فعله.
ـ لماذا؟؟
ـ كي أضعك في ورطة .
ـ في غفلة مني ؟
ـ بل في لحظة غضب فأرتكب جرما بحق شخص ما .
ـ أحذرك ان تفعل.
ـ وقد تكون انت ضحيتي أذا ما اضطررت الى ذلك.
ـ انا ؟؟؟
ـ لسبب بسيط .فلا احد يستطيع ان يسلمني للحزن واليأس سواك.
ـ وكيف؟
ـ فكم من فرصة ممتعة أندفعت اليها .وحلت انت بيني وبينها.
صب الرجل الآخر كأسا واشار الى الرجل البدين الذي راح يبتسم بقلق ان يشرب فاخذ الكاس من امامه وعبه في جوفه دفعة واحدة ثم راح يملؤه من جديد. وحث قرينه الرجل الاخر ان يشرب فامتدت يد ه واخذت الكاس .وراحت تسمع اصوات شفط الخمرة وارتطام الشفة الغليظة للرجل بالكاس. قال الرجل الاخر وهو يعيد الكاس على الطاولة
ـ ادع لنا بزجاجة اخرى.
قهقه الرجل من الاعماق.وصفق بكفين مخدورتين . وحينما مثل النادل امامه طلب منه زجاجة اخرى دون ان يتوقف عن الضحك.
قال النادل ـ معذرة ياسيدي فقد شربت الكثير وانت بحالة لا تسمح لك بالمزيد .
قال بلهجة متعثرة ـ ليس من اجلي .بل من اجل صاحبي واشار الى قبالته. هز النادل راسه مستغربا. ومضى ليعود بزجاجة اخرى وبعض الأطعمة وضعها امامه وانصرف. ومضى يشرب ويتحدث بامور شتى .واحس برأسه يثقل.وان الحانة تدور به . و حاول النهوض لقضاء حاجة ما.لكنه سقط على المائدة. مغشيا عليه. وحينما افاق تطلع صوب مجلس الرجل فوجده خاليا وسأل النادل الذي كان يقف بالقرب منه. لكن النادل اعرب عن اسفه بانه لم يلاحظ احدا معه. وواصل كلامه قائلا:ـ ما لاحظته أنك اثقلت في الشرب. حتى رحت تتحدث الى نفسك .
دفع الحساب ونهض منصرفا يجرجر قدميه. باحثا ببصر زائغ عن الرجل .
وفي الخارج هبت نسمة عذبة اعادت اليه توازنه وانعشت ذاكرته. فمضى يردد
ـ لقد لعبت الخمرة برأسي. فرحت اتخيل اشياء لاوجود لها .
واتجه نحو سيارته صعد اليها ادار محركها وحينما هم بالأنطلاق. سمع من خلال الظلمة
داخل السيارة صوت الرجل الاخر :كيف انت الآن .

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *