الرئيسية » مقالات » بغداد من جديد: جيوش غريبة وعذاب يومي.. ولعب وجد وحب

بغداد من جديد: جيوش غريبة وعذاب يومي.. ولعب وجد وحب

المدن المُعذبة تعّذب قاطينها؛ المدن المترفة تسعدهم

علي عبد العال

ما كنت أظن، عندما تشترك ذاكرة الطفولة بالحنين، أن هناك مدينة في العالم اجمل من بغداد. لكن بغداد ليست هي بغداد يا علي. إنها عبارة عن حطام حقيقي يا علي، هذه زيارتك الثالثة لها ولازلت تراها كما تراها وأنت طفل؟
هل رأيت في مشوارك الطويل في المنافي كل هذا الكم من الزبائل والشحاذين في قلب مدينة رائعة لها الريادة منذ عصور في التاريخ كبغداد؟ طبعا ستقول “زبالة بغداد أشرف من كل حدائق العالم”. هذا كذب يا علي؛ وأي كذب؟ انت تخدع نفسك اولا، ومن ثم تخدع الآخرين من السذج من أمثالك. بغداد التي هربت منها قبل ثلاثين عاما كانت أجمل وكانت أروع من هذه البغداد المشوهة الآن والتي تقوم فيها دولة جديدة تعجز عن التعمير وتعجز عن التعبير وتعجز عن التبرير، ثم تعجز بسهولة عن سد منافذ الخراب اليومي الذي يلحق بالمدينة، وأي مدينة؟ إنها بغداد عاصمة كل العواصم في الشرق وأبهاها.

مشاوير الألم

المدن؛ جميع المدن في العالم هي أماكن للمقبلين وللراحلين. للمولدين الجدد وللموتى الراحلين. الراسخون هم الموتى، المقبلون هم الأولاد، صبيان وبنات. القبور هي الدليل الأكيد على السكان الأصليين للمدن. من أين لنا قبور في بغداد، أو في عموم العراق، ونحن تركناه في مقتبل الأعمار؟ حتى بغداد غادرناها ولم نزرع فيها الكثير من القبور ذات المعنى، كنا فتيانا، لكن ماذا عن الشيوخ الكبار؟  قبر الجواهري مثلا وهادي العلوي وعبد الوهاب البياتي. قبر جواد سليم وقبر عبد الكريم قاسم، قبر غائب طعمة فرمان وقبر زينب. تلك هي مشاوير الألم، أما مشاوير الفرح فبغداد تخبيء تحت عبائتها السوداء الكالحة بعض الملذات الطيبة كعادتها أيام هارون الرشيد.
تنفتح بغداد على نفسها بسرعة خاطفة مثل وردة القداح؛ وسرعان ما تلم نفسها على بعضها مثل وردة عباد الشمس. مثل أي كائن مذعور يخاف النور الساطع أو طفل تائه يخاف الظلام.
المدينة الكبيرة، الهائلة بالكبر،  تخفي نفسها تحت بيارق كثيرة توازي عدد الناس، حتى تكاد تظن أن لكل حارة بيرقها الخاص، ولكل زقاق بيرقه الخاص، بل لكل فرد بيرقه الخاص. فكل واحد يكاد يصرخ بوجهك ليقول لك: أنا بغداد. بيارق مجهولة لجيوش الخوف، بيارق شرعية للخيرين وبيارق ممنوعة. هنالك أيضا بيارق الصعاليك وقطاع الطرق وشذاذ الآفاق. وهناك رجال الشرطة الذين لهم بيارقهم أيضا، رجالٌ ملثمون، مدججون، بيارقهم ترحب بك وتأمرك بتهذيب غريب اللهجة: (أحترمْ تُحترم). حراسٌ كالمصلبوبين المجهولين على قارعة الشوارع، يقدمون لك جرعة شحيحة من الأمان مقابل وجبة كبيرة من الأنتظار المتخم بالهواء الحار والغبار المالح. في ذلك الحر والجو المغبر المعفر برذاذ النقمة السماوية عندما تتحفنا بها صحراء المملكة العربية السعودية، كاننا أطفال “المدينة” السماويين، المدينة التي كانت يثرب من قبل، التي ظلت تطاردها الأحقاد البدوية اللئيمة لطهر رسالتها السماوية.
ماذا حل بنا؟ ماذا حل بالعراق؟
لكم نحن أغبياء؛ لكم كنا سذج ولا نفهم الماوراء.
حتى تسكت المدن.. حتى تلك النهايات اللعينة؛ حتى القبور، القبور القديمة، قبر الإمام علي بن أبي طالب في النجف الأشرف، قبر الإمام الحسين بن علي  بن أبي طالب وقبر أخيه العباس في كربلاء، قبر الكاظمين الأمام جعفر الصادق وموسى الكاظم في بغداد، قبر عبد القادر الجيلاني وسط بغداد، قبر النبي شعيب، قبر المتنبي. قبر بشار بن برد، قبر أحمد بن منصور الحلاج، قبر محمود ناصر، قبر هاشم الكحلي؟ هذا العراق المتخم بالقبور أكثر من أي بلد في هذا العالم صار أشبه بالمحال العثور فيه على قبر يليق بأبنائه المشردين.
**
شرايين بغداد مسدودة؛ مجاري المياه مسدودة. بنيتها التحتية مخربة ومهدمة بحيث لا يمكن أن ترتقي فوقها مدينة حديثة وفق أبسط الشروط المعمارية والهندسية الحديثة. ركام المباني القديمة والشوارع الرئيسة المخربة والمهدمة صار عبئا كبيرا على كاهل المدينة وعلى كاهل المسؤولين عن صيانتها. يجب علينا التفكير جديا ببناء عاصمة جديدة نطلق عليها “العاصمة الجديدة” أو “نيو بغداد” على غرار “نيو دلهي” أو “نيو مكسيكو” أو “نيو يورك”.
بغداد الحاضر لا يمكن لها أن تكون عاصمة حضارية تليق بالعراق كدولة حضارية من الطراز الأول. لا تتوفر الأمكانات لكي تكون مثل القاهرة أو أسطنبول او دمشق، ناهيك عن بيروت وجاكارتا ومنايلا والرباط. هذه العواصم وغيرها من عواصم العالم المتحضر، وحتى الأقل تحضرا، لها بنية تحتية هي بمثابة الأساس أو العمود الفقري الذي يستند عليه أي بناء مستقبلي فوقاني أو جواني. بغداد لا تتوفر على هذه الميزة بحكم جهل الأنظمة السياسية التي حكمت العراق على مدى قرن من الزمان.

شارع الرشيد

شارع  الرشيد، وكما يعلم جميع العراقيين وغير العراقيين، هو الشريان الأبهر للعاصمة بغداد على مر الزمان. هذا الشريان الرئيسي معطوب الآن تماما. غابت ملامحه الجميلة السابقة. بل غابت أهميته الحضارية. تحول هذا الشارع الذي كان العنوان التجاري لكبرى الشركات العالمية، والذي يضم اليوم أهم مؤسسة مالية عراقية ودولية هو بنك الرافدين الذي تحميه القوات الأمريكية والعراقية أكثر مما تحمي الدجاجة بيضها الذهبي، تحول إلى سوق لبيع الخضار والسمك الطازج والطرشي المخلل على قارعة الطريق. ومن ثم إلى موقف بشع للحافلات الرخيصة القديمة التي تنقل الناس من وإلى قلب العاصمة. فوضى شاملة وخراب يعّم هذا الشارع من بدايته عند باب الباب المعظم مرورا بساحة الميدان حتى ساحة الأمين التي يحتلها ثمثال الشاعر الكبير معروف الرصافي والتي تواجه جسر الشهداء، حتى المركز التجاري المعروف “الشورجة” وهو أكبر سوق لبيع الجملة، وليس كما هو الآن عبارة عن فوضى كبيرة من الناس والحيونات والحمالين الذين يبيعون جهدهم العضلي بأبخس الأثمان وهم ينافسون الحيوانات التي تقوم بمثل هذه الأدوار في العالم القديم كالحمير والبغال والخيول المهدمة والمهجنة لمثل هذه الأغراض البشرية البغيضة :العتالة”. تحل المكائن محل الحيوانات في أغلب مدن العالم في العصر الراهن، فما بالك بالبشر؟ حتى لا يختلف المشهد كثيرا عند النظر إلى الصور البدائية بالأبيض والأسود لبغداد في بدايات القرن العشرين تجعل المرء لا يفرق كثيرا بين بغداد اليوم وبغداد قبل مئة عام. البشر ينجزون أعمال الحيوان. والحيوان يجب أن يُعفى من هذه المهام المهينة لكي تحل الآلة محلهما. البشر والحيوانات ذات الحمولة يتاسوون في التجوال في هذا الشارع الذي يُعد مفخرة بغداد التي كنا نعرفها قبل ثلاثة عقود.

تنزل في “باب المعظم” وهو يحتل المركز الهام من بغداد من ناحية مركزه القديم  الذي يؤدي إلى وزارة الدفاع حيث دارت أهم الأحداث السياسية الكبرى في العراق. ومن ناحية  أخرى هو بوابة الدخول إلى قلب العاصمة وعبر شريانها الأبهر شارع الرشيد. بين المسافة القصيرة بين ساحة باب المعظم وساحة الميدان، تلك الساحة التي لا تقل أهمية عن باب المعظم والتي تبعد فقط مسافة محطة واحدة للباص الذي اختفي حاليا، ترى أغرب مشاهد انحطاط بغداد في العصر الحديث. في مسافة لا تتعدى المئتين متر بين باب المعظم وساحة الميدان يمكن أن ترى ركام الزمان وضحالته وإنحطاطه. يقول “آينشتاين” أن الوقت لا يبقى. الوقت لا يبقى حقا، الوقت يمضي ويموت. الذي يبقى هو البشر والحيوان والنبات على الأرض، وعندما يهرم الوقت تهرم جميع الأعمار. وفق هذا المنظور فإن بغداد مدينة هرمة، مدينة فقدت بريقها القديم وسحرها الغامض المفتوح على أبواب الخيال.
منطقة “الحيدرخانة” التاريخية حيث تستقر بألفة وحنان مأذنة جامع الحيدرخانة الشهير بأدواره السياسية الكبرى التي غيرت وجه العراق في أهم أحداث القرن العشرين السياسية. هناك حيث يقابله مقهى “حسن عجمي” الذي بقي على حاله من غير ترميم وغير اهتمام، كقرينه “مقهى الزهاوي” الذي يحتل أحد أركان الشارع والأثنان يتقاسمان النسيان والأهمال والجحود كما لو فقدنا احترامنا لوجودنا وقيمنا وأشيائنا الحميمة. مقهى حسن عجمي هو العلامة البارزة على هذا الجحود البشري الغريب. مكان مظلم وعتيق كلوحة معتمة في فيلم مرعب. مثل ركن في متحف للشمع يؤرخ موت الزمن في العاصمة بغداد. بعد خطوات قليلة يأخذك المشي إلى شارع المتنبي الذي يفتح أمام وجهك بعض الأمل. بعد التفجير الإجرامي الذي حدث في هذا الشارع الذي هو العنوان الثقافي الشعبي والنخبوي لبغداد، يمكنك أن ترى شأن اليد العراقية المبدعة عندما تتوفر الإرادة والدعم من الدولة. بعد التفجير الذي هدّم القسم الكبير من البناء القديم عملت الدولة على تجديد هذا الشارع وفق بنية معمارية ذات طابع بغدادي جميل له لمسته الخاصة في روح العراقيين. لذا حدث تعمير مقهى “الشابندر” التاريخي ليعيد النكهة الحقيقية للمقهى البغدادي الأصيل بعد تلك التضحيات الجسيمة التي لحقت بالناس والممتلكات. لا يمكن انتظار الخراب الإجرامي لكي تمتد يد التعمير لهذه المناطق التاريخية التي تشكل بمجملها الطابع الخاص للعاصمة بغداد. يجب أن تمتد يد الدولة لتزيل ركام القمامة وأعادة الحياة ورونق العاصمة إلى سابق عهدها. تعبيد الطرق وتنظيم المرور وتأمين مجاري الصرف الصحي وغيرها من الخدمات هي من صلب أعمال الحكومة عبر أمانة العاصمة ومحافظة بغداد. تلك الدوائر الحكومية التي يعمل فيها جيوش من الموظفين والمهندسين والمدراء العامين فضلا عن جيوش العمال والمستخدمين، يجب أن تُسلط الأضواء على طريقة العمل التي تحكم طبيعة إنجاز المشاريع وتعريض الجميع للمسائلة والمحاسبة، ولا يكفي التعلل بالظروف الأمنية لتعطيل العمل الخدمي والصحي الإنساني في جميع مناطق بغداد، خصوصا المرافق الحيوية منها تلك التي تشكل واجهة العراق الجديد.
بعد ذلك يمتد شارع الرشيد ليبلغ منطقة “الشورجة” التجارية التي يقع فيها المبنى الرئيس لمصرف الرافدين الذي هو المؤسسة المالية الهامة في العراق كما أسلفنا. منطقة الشورجة التجارية ليست لها علاقة بشيء أسمه الحضارة من كافة النواحي. تجد فيها جميع البضائع والسلع من جميع أنحاء العالم، لكنك لا تعثر على أثر لطرق العرض والبيع والشراء، ويمكن أن يتبادر إلى ذهنك أنك لست في بغداد وإنما في مدينة نائية بلد آسيوي متخلف. البناء العام هو ذاته منذ أن تأسس شارع الرشيد مطلع العشرينيات من القرن المنصرم، لكن هذه المباني بقيت من غير عناية أو ترميم مهما كان بسيطا على مدار عقود من السنين. لذا تحولت هذه المباني بفعل الزمان وعوامل الأنقراض إلى أطلال من المباني المخربة والمشوهة حد الألم والأسف والشعور المباشر بإنعدام الرحمة عند البشر والحكومات السابقة واللاحقة. حالة تدمي القلب المحب لهذه العاصمة ولهذا الشارع المهيب الذي يُعد جزء من هيبة العاصمة وهيبة الدولة وهيبة الحكومة. بحيث يتسائل كل من يشاهد هذا الخراب والدمار والإهمال: أين الدولة؟ أين الحكومة؟ أين أمانة العاصمة؟ أين محافظة بغداد التي هي أكبر من وزارة الأصلاح الزراعي؟
تنتشر الفمامة على مساحات واسعة من بغداد اليوم. بحيرات من القمامة تحيط بالعاصمة من جميع الجهات. على طريق القناة حتى حي العامل تسير أكثر من ساعة في سيارة وانت تحاذي أكبر مزبلة في التاريخ. مزبلة البياع عبارة عن مستنقع كبير تفوح منه الروائح الكريهة المعروفة عن مخلفات البشر والجهل وغياب الحلول. أطفال رثون يتسلقون جبال القمامة للبحث عن رزقهم اليومي. هل هذا معقول في بلد أغنى من المملكة العربية السعودية وأغنى من دول الخليج مجتمعة؟

الوحشة والشعور بالغربة

إنها مشاعر خاصة لربما؛ لكن ماذا تقول عن إنسان تداهمه الوحشة والشعور بالغربة في قلب مدنه وأراضيه؟  قال الشاعر الألماني العظيم هلدرلين عندما عاد إلى دياره من بلاد الأغريق بعد فترة أربع سنوات قضاها في دراسة الفلسفة الأغريقية:
“عدتُ إلى أهلي وأنا غريبٌ بينهم”. هلدرلين

جاء المسؤولون العراقيون إلى أوروبا وفي مرات ترأسهم السيد رئيس الوزراء نوري المالكي. ودعونا نحن الذين في “الخارج” إلى العودة للوطن والمساهمة في عملية البناء السياسي والعلمي والاجتماعي. وفق هذه الدعوات الصادقة والكريمة عاد الكثير من الخبراء والفنانين والأدباء والمثقفين لكن ماذا وجدنا؟ نحن مجرد نكرات إذا لم نتمتع بتزكيات من قبل الأحزاب الحاكمة في العراق الآن. سوف لا أتحدث عن تجارب الآخرين، وإنما عن تجربتي الخاصة بعد مضي أكثر من ثلاثين عاما قضيتها في المنافي الكثيرة والمتنوعة على أصقاع الكرة الأرضية. هل حقا أنني سأبقى على قارعة الطريق في وطن ضحيت من أجله بشبابي وبعذابي وبكفائتي وعدا عن كل ذلك بحقي الطبيعي كوني كنت موظفا في إحدى الدوائر في العاصمة بغداد لكي يتم التنصل وغمط حقوقي كمواطن عادي إلا عبر الوساطات ودفع الرشاوى لموظفين فاسدين يعلوهم رؤساء أكثر فسادا ليصل الفساد إلى نخاع الدولة وليس الحكومة فقط؟ المعادلة التي أكتشفتها بعد مضي أكثر من أربعة أشهر من المراجعات التي تعثر فيها على أكثر من بئر في صحراء الربع الخالي لم أعثر على عنوان وظيفتي وأنا المفصول سياسيا بقرار من قيادة الثورة منتصف العام 1979 ومنشور في الصحف الرسمية. وقفت أمام موظف في دائرتي السابقة بأدب واحترام، كان أبيض الشعر عصابي الحركة متوتر الأعصاب، وضع لافتة مكتوب عليها: “رئيس قسم المفصولين السياسين”. حدثت نفس وقلت لها: “الحقوق لا تضيع في بلد القوانين الأولى في العالم”. نظر إلي الموظف المسؤول شزرا من غير أن تدعو الحاجة لذلك، وقال:
ـ شتريد؟
ـ أنا أطلب منك معلومات عن شروط تقديم طلب إعادة الخدمة للمفصولين السياسيين.
ـ وهل أنت مفصول سياسي أيضا؟
ـ ماذا تعني “أيضا”؟
ـ هذه الفايلات، وضرب بكفه بصورة عبثية على عمود من الفايلات السمراء المحشوة بأوراق كثيرة فبعثر بعضها تحت الطاولة، هذه كلها لمفصولين سياسيين.. أنا لا أصدق ذلك.
ـ أنا أخاطبك بأدب واحترام وأطلب منك مخاطبتي بالمثل.
نظر إلي تلك النظرة الشزرة وقال:
ـ أذهب للمدير العام.. شغلتك ليست معي.
ـ من هو المدير العام وأين مكان عمله؟
ـ اسمه فلان وغرفته في الطابق الفلاني.
توجهت مباشرة إلى المكان وطلبت من السكرتير مقابلة المدير.
وقبل مغادرتي قلت له:
ـ كان يمكن أن اكون أنا مديرك العام بعد ثلاثين سنة من الخدمة، فشعر بالذعر وأراد توضيح الأمر لكنني أنطلقت نحو غرفة المدير العام.
**
أعود للبيت متعبا لأجد العلوية زهرة الموسوية بأنتظاري على أحر من الجمر والخوف الذي بقلبها يتفجر مركزا ضوءه الساطع على حالي الغريب. تعرف الخيبة والمرارة المرسومة على وجهي وسماته المصحوبة بالقرف والسخرية والرفض للأخطاء المجحفة بحق الناس، تلك السمات التي يتحلى بها أي سياسي محترف شريف قديم في هذه المهنة الفاشلة. تقول أمي من دون أن أروي لها التفاصيل الصغيرة المضجرة تلك التي أكتبها الآن بغرض قول الحقيقية:
ـ “يمة أكتب للسيد المالكي؛ هذا خوش إنسان.. والله يمة هو سيعرف كل شيء عنك. يمة أنت تطلع بالتلفزيون كل يوم ـ رأت لي مقابلة خاطفة في إحدى القنوات العراقية المحليةـ ويومية تكتب بالجرايد، يمة أكتب للمالكي..  عجيب أمر الزمان.. أبني علي يحتاج للواسطة؟” وأقول مهدئا من روعها:
ـ يوم هذه وضعية الدوائر العراقية، منو يعرف فطيمة بسوق الغزل؟
“أكتبُ هذه المؤشرات وأعتذر من القارئ الكريم بحكم طلب أمي الحبيبة بأن يصل صوتها للجميع”. الأمهات هنّ وطننا الحقيقي وليست الدوائر العفنة التي لم تتغير منذ العصر العثماني حتى “فجر” العراق الجديد. المعادلة الكيميائية والميكانيكية والفزيائية المتعلقة بالعدالة والحقوق في العراق لا تأخذ مجراها الطبيعي إلا بواسطة حزبية طائفية وليست “سياسية” كما في العهد المباد، ونحن كيساريين مغضوب علينا في الدنيا قبل الآخرة، فمن أين لنا مثل هذه الواسطة الألهية؟ والطريق الثاني دفع الرشاوي الكبيرة، ونحن مفلسين والحمد لله. مفلس وما عنده واسطة ويرد يرّجع حقوقه في العراق الحديث؟ روح دّور على حظك في غير مكان، ربما في الصومال أو بنغلاديش أو في التورا بورا لكن ليس في العراق. لكن لا يعرف اليأس طريقه في الأرواح النظيفة ذات الحقوق الوطنية الأكيدة كما يعرف ذلك رفاق المنافي في دمشق وكوجه مروي في إيران ولندن والقرى العالمية في إسكندافيا، وسأبقى أثابر حتى أحصل عليها حتى ولو بالمعارك الضارية. أما قاتلنا من أجل حقوق الشعب العراقي، حقوقنا، بالكلمة والكلاشنكوف والسكاكين والواحد وعشرين ميلي والأربعطشر ونص والآربي جي وجبال كردستان الضارية ومنظمات الحزب الشيوعي المطاردة تحت طائلة الأعدام رميا فوريا بالرصاص أكثر منها من رجالات الدين الذين تسلموا الحكم في العراق الآن. إلى متى سنبقى تحت التراب وتحت القمع وتحت التعذيب الجسدي والعذاب النفسي؟ لنا حقوقنا جراء تضحياتنا التي استثمرها الاخرون ونسونا في المنافي نكابد الغربة التي تجاوزت الثلاثة قرون. سيقف التاريخ يوما ويحاسب جميع الفاسدين الذين يغمطون حقوق المناضلين والثوار الأصليين. سوف تكون لنا صولات أخرى في هذا المضمار. لكن لنعود من جديد إلى بغداد، ذلك الحب الأبدي بين الأبن وأمه، بين الوردة والندى، بين الطير والعش، بين النخلة والغمر والسماء، بين الأسد واللبوة، بين الكرامة والشموخ، بين العزة والحرية.

**
أمشي في بغداد أمشي على غير هدى. من باب المعظم حتى ساحة الأندلس. من الجادرية حتى ساحة النصر في شارع السعدون. ما أروع هذا الأسم؟ شارع السعدون؛ هذا يدل على أننا نمتلك رجالا نسمي الشوارع الكبرى باسمائهم. عبد المحسن السعدون أبو علي، رجلٌ من ذلك الزمان الجميل، رجلٌ من المنتفك، الناصرية حاليا، صار رئيسا للوزراء في الحكومة الملكية وأتُهم بالعمالة للإنكليز، اي الإحتلال البريطاني للعراق في العهد الملكي. لم يقبل هذه التهمة الشائنة ففضل الإنتحار. شيّد له العراقيون تمثالا صغيرا في شارع من شوارع بغداد سماه العراقيون شارع السعدون. لو كنا مصريين، لو كانت لنا أدوات سينمائية تجارية تضاهي الانتاج السينمائي المصري أو الهندي أو المغاربي لكانت لنا قصصا طويلة في الدراما العالمية. لكننا فقراء في الفن السينمائي والمسرحي بحيث بقينا نلهث خلف تجارب الشعوب الأخرى. لا توجد سينما في العراق الحديث، تم اغلاق جميع دور العرض تحت وطأة تعاليم همجية لا تمت للدين بصلة بل تمت للجهالة أكثر مما تمت بصلة للدين. وصودرت دور العرض السينمائي والمسرحي وتم اللإستيلاء عليها بالحرام. وتحولت هذه الأماكن الثقافية بالتدريج إلى اماكن بشعة لتخزين السلع غير المرخصة والبضائع المهربة وأنمحى دورها التاريخي كونها أماكن ثقافية وعناصر مهمة لتطور المجتمع وولادته من جديد.
كيف للمرء في هذا العصر المتطور الحديث أن يعيش بدون فن وبدون موسيقى وبدون فنون جمالية من تشكيل ونحت ومسرح؟ وهل يمكن تحويل الدولة برمتها إلى “لطميات” على كربلاء؟ كربلاء التي هي براء من المخدرات والشذوذ الجنسي الذي يغزوها الآن من المحبين قبل الأعداء؟
الدولة الإسلامية في إيران خربت سياسيا بعد ثلاثة عقود من الحكم الإسلامي تحت عنوان “ولاية الفقيه”. ولو كان الإمام الخميني عائشا وهو يرى اليوم إلى الشارع الإيراني لما كان سيفرق بين عهد الطاغية شاه رضا بهلوي وبين أحمدي نجاد. الهروات ذات الهراوت والرجال المدججون بالسلاح هم ذات الرجال، والذين يضربون المتظاهرين هم ذات الذين كانوا يضربونهم قبل ثلاثين سنة، وعلى هذا المنوال فليس تبدل حال إلى حال. الغش والأحتيال واللعب في الدين وغش الناس البسطاء، لو كان الشاه موجودا وسنحت له الفرصة في الأنتخابات الإيرانية لفاز على ولاية الفقيه بسبب عنصر واحد: عنصر الحداثة والتطور والمستقبل. الدين لا يمكن أن يحكم الدول، بل هو يحكم الناس من باب الروح البريء. وعندما يتحول الدين إلى دولة ونظام حكم تفسد رسالته السماوية ويصير تدريجيا أكثر إنحطاطا من أسوء أنواع النظم السياسية البشرية التي عرفها التاريخ.

**
القاع الثقافي الأصيل لبغداد اليوم

ليست بغداد اليوم عاصمة ثقافية منتجة؛ هذا الوضع مؤسف بحد ذاته. فبعد أن كانت بغداد قبلة الثقافة العربية تحولت بفعل جهل الأنظمة الشمولية إلى ساحة تكاد أن تكون خاوية في الميزان الثقافي الحقيقي الذي تُقاس بثقله كمية ونوعية المنتج الحضاري على كافة الصعد الجمالية والإبداعية من موسيقى وفن تشكيلي وفنون مسرحية وحركة سينمائية، هذا فضلا عن الشعر والقصة والرواية والنقد الفني. بغداد تقف الآن في خلف المشهد الثقافي العام الذي تحكم قوانينه الدول المجاورة عربية وغير عربية. لاسباب معروفة تتقدم على المشهد الثقافي العراقي دول الجوار بحكم الظروف السياسية المستقرة فيها. سوريا والأردن والكويت والسعودية وتركيا وإيران أنتجت أعمالا تلفزونية وسينمائية وتشكيلية وموسيقية تفوق بكثير مما أنتجه العراق في المرحلة ذاتها. لنا وضعنا الخاص، لكن، وعلى الرغم من قلة الأعمال العراقية المنتجة كان نوعها وقيمتها الفنية تضاهي ما يُنتج في هذا المحيط. قيمة الفن العراقي بمختلف أشكاله وأنواعه تكمن بعدم سوقيته، اي بعدم خضوعه لمبدأ الربح والخسارة وفق المفهوم التجاري. تلك أيضا هي مشكلة تجارية تعرقل تطور الفنون في العراق. لا يوجد منتج يجازف بأمواله من أجل طرح أفكار أخلاقية تدعي الشرف وحب الوطن؟ بالمقابل تقف الدولة عاجزة عن سد الهوة بين نظام شمولي كان يغدق الأموال الطائلة على تسويق وجوده السياسي بشتى السبل، وبين دولة جديد لا تؤمن بهذا المبدأ، بل هو ممنوع حسب الدستور.
هذا المشهد العام الذي وجدت نفسي فيه من الناحية النظرية على اقل تقدير، تبقى الناحية الشخصية فمذاق بغداد الثقافي له نكهته الخاصة حتى لو كنا نجلس على رصيف مجهول في شوارع بغداد العتيقة.
اسماء حبيبة كيف سأكتبها وكيف سأذكرها وكيف سأتحدث عنها؟ وهي الأسماء الوحيدة التي ظلت عالقة بالذاكرة. هي الأسماء التي جعلتني أوقن أنني في وطني وبين أحبتي وفي شوارعي وأزقتي وظلالي ومتاهاتي وأوهامي. الشاعر كاظم غيلان، الشاعر ماجد طوفان، الشاعر يوسف المحمداوي، الروائي حميد المختار، الفنان التشكيلي نداء كاظم، الأديب الصحفي علاء المفرجي، الصحفي المخضرم علي حسين (المدى)، الأديب كاظم رشيد سلوم، الصحفي رشيد حسين، المثقف محمد سلمان أبو الحسن صاحب مكتبة عدنان، الأديب والصحفي الماهر مازن لطيف، الشاعر عدنان الفضلي، الشاعر الصحفي حمزة الحلفي، الشاعر أحمد عبد الحسين، الشاعر أحمد عبد السادة، الفنان خالد إيما، الباحث علاء كاظم، الشاعر عارف الساعدي، الشاعر حسام السراي، الصحفي شاكر المياحي، الصحفي محمود نمر، القاص عبد علي اليوسفي، بائع الكتب الشهير في سوق المتنبي نعيم الشطري، وغيرهم من الأحبة الذين لاتحضرني اسماؤهم الآن لكن وجوههم الطيبة المتعبة والحزينة والذكية تستقر داخل رأسي.
تلك شريحة من القاع الثقافي للعاصمة بغداد؛ هي الشريحة الحقيقية المهمة التي تؤسس للمستقبل القادم بحكم مصداقيتها اللإبداعية والأخلاقية والوطنية وبراءتها من القتل واللهاث وراء المؤسسة التصفوية السابقة. أحتفظ في دفتري الخاص لمحات عن كل شخص ألتقيته ولو لدقيقتين. أؤمن كثيرا أن العراق الحقيقي القادم لا يقوم على أكتاف المؤسسات الحكومية الفاسدة وإنما يقوم على أكتاف الأحرار الشرفاء من العراقيين الأصليين من مثقفين وعلماء وأطباء ومهندسين. المؤسسات مفسدة وروتين ورشاوى، العقل العراقي منتج وعفيف ووطني جميل.
المؤسسة الثقافية الرسمية أظهرت عجزها عن مواكبة التغيرات الجديدة التي حدثت في العراق، وبحكم القوانين التي كانت تسود العراق حينذاك ظل الأشخاص  المسؤولون عن إدارة المؤسسات الثقافية الرسمية يراوحون بين الماضي الصلب والحاضر الغامض. ليس لعدم الكفاءة ولكن بحكم الروتين الصارم القديم.
لا يمكنني الأعتراض على بقاء شخصية ثقافية رائعة وقورة مجربة ولها تاريخ وطني مشرف كشخصية الأستاذ الشاعر الفريد سمعان رئيس اتحاد الأدباء العراقي، وليس هنالك من خلل بوجود الأستاذ الناقد فاضل ثامر في الهيئة العليا للإدارة. بيد أن هؤلاء الأفاضل وغيرهم من المثقفين العراقيين الجيدين لا يمكنهم عبور البحر الهائج مرتين. أتمنى لهم من قلبي النجاح، وأعطي صوتي لهم من بعيد متمنيا لهم النجاح والتوفيق بحكم جدارتهم المهنية والوطنية، لكن الزمن يتغير وآن الآوان لكي نرتاح ونستريح، ونترك العهدة لمن يستحق ويحرص على الأمانة. هل يوجد مثل هؤلاء الشرفاء في عراق اليوم؟ لا أستطيع الجواب.

تعليق واحد

  1. كاظم غيلان

    العزيز علي.. شكراً لتذكرك المؤلم.. الموجع ، مشتاقون اليك جميعا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *