قصتان قصيرتان للشاعر الأمريكي أدوارد ميكوس
ترجمة: الدكتور علي القاسمي

ali alkasimiولد الشاعر الأمريكي أدوارد ميكوس Edward Micus في مدينة شيكاغو في ولاية ألينوي سنة 1944. ودرس في جامعات متعددة، وأصبح أستاذ الإبداع الأدبي في جامعة منكاتو الرسمية في بنسلفانيا. تُنشر قصائده في أشهر المجلات الأدبية الأمريكية مثل مجلة هارفرد، ومجلة لوريل، ومجلة شعر. وحاز على عدة جوائز أدبية منها جائزة (ستان وتوم دي الشعرية) لعام 2008.
والشاعر ميكوس من الأدباء المناوئين للحروب التي تشنها حكومته على الشعوب الأخرى مثل الحرب الفيتنامية والحرب الأفغانية والحرب العراقية. وإذا كانت كتابات معظم الأدباء الأمريكيين المناوئين للحروب تتميز بأسلوب يتأجج بالغضب والألم، فقد اتسمت كتابات ميكوس بالهدوء والعمق وقوة التأثير في وجدان القارئ. إضافة إلى أن أسلوبه القصصي، شبيه بأسلوبه الشعري الزاخر بالتلميح والإيحاء. والقصة الأولى التي نترجمها له هنا ، “يؤسفنا أن نبلغكم”، نموذج لكتاباته. وعبارة “يؤسفنا أن نبلغكم” هي الجملة الأولى في البرقيات التي يبعث بها الجيش الأمريكي إلى عوائل الجنود الذي يُقتلون في الحرب.
أهدتْ إليّ أختُه الشاعرة المرموقة، مورين ميكوس كريسِك Maureen Crisick بعض أعماله الأدبية المنشورة مثل ديوانه ” المستشفى: قصائد” The Infarmary: Poemsومجموعته القصصية ” منطقة الهبوط”The Landing Zone. وكانت الشاعرة مورين كرايسك قد جاءت إلى المغرب أستاذةً جامعيةً زائرةً قبل بضع سنين، فوقعت في حب المغرب، وقررت أن تُقسَّم سنتها الدراسية إلىِ قسمين: قسمٍ تمارس خلاله التعليمَ الجامعي في كاليفورنا، وقسمٍ تمضيه في المغرب لكتابة الشعر. وأنا أستعين بها لمساعدتي في فهم ما قد يخفى عليّ من النصوص الأدبية الأمريكية التي أترجمها إلى اللغة العربية.
ع. ق.edward micus

القصة الأولى
يؤسفنا أن نبلغَكم
عندما وقعت على الفكرة، ربما في لحظة موته على منحدر التل الموحل الذي لا اسم له، أو عندما طرأت لها الفكرة ــ لا فرق يذكر بالنسبة للأم أو للولد ــ ، كانت تلتقط قميصه من كومة الملابس الطرية التي تم غسيلُها. كان القميص منكمشاً في يدها، لأنها تركته أطول من اللازم في آلة التجفيف، كما تذكّرت، فقد كان بالُها مشغولاً بشيء أو بآخر. ولكنها كانت تعلم، لا شك في ذلك، قبل المكالمة الهاتفية، وقبل البرقية المربعة الصفراء، وقبل أن يطلَّ الموت من الشباك الصغير…كانت تعلم.
يسير الضابط العسكري الآن في الممر، وهو يحمل قبعته بين يديه. أسرعتْ إلى مدخل المنزل، وأوصدت الحاجز الخشبي بالمزلاج لتمنعه من الدخول، وأشارت إليه بيدها.. بكفها لتوقفه.
توقّف الضابط ــ ثم شرع في السير نحوها، لوّحت له بالخرقة التي بيدها لتُبعِده، أبعدته بتلك الخرقة، ويمكنك أن تتصورها وهي تهز تلك الخرقة في مدخل المنزل ودوائر الغبار الصغير التي تحدثها تلك الخرقة.
كانت ابنتها هي التي وجدتها في غرفة الولد، وخرقة التنظيف ما زالت في يدها. كانت تمسح السرير، والكرسي، والمنضدة، وخزانة الملابس المصنوعة من خشب الصنوبر. كانت تمسح سطح خزانة الملابس، وتحرك خرقة التنظيف في دوائر مسح واسعة، ثم في دوائر أصغر وأضيق على الخشب، ثم تعود مرة أخرى وأخرى، وهي تدير خرقة التنظيف بيدها مرة تلو الأخرى، بحيث إن عملية إزالة الغبار لن تنتهي.
توجّهت إليها ابنتها وقالت لها:
ـ هذا حسن، يا أماه، هذا يكفي.”
وأخذت تلك الخرقةَ من يدها.

القصة الثانية
الحمّص
مخزن تعاوني لبيع المواد الغذائية بالقرب من شارع نيكوت، ويقع في وسط صف من الأبنية، وله ظلّة صفراء اللون، وطائر كناري في أحد شبابيكه. قصدتُه لمجرد الاحتماء من المطر، وكانت حياتي منتظمة على ما يرام. كان هذا الدكان مكتظاً بكل شيء نباتي أو مجفف، من الأفوكادو إلى شاي الأعشاب، ووقفتْ، بين القرع والبطاطا الطازجة، هذه المرأة الجميلة، وهي ترتدي مئزرها، وتحمل بيدها قرعة ناضجة، وكان لون عينيها مثل لون الحمص. قالت لي حياتي الطيبة: ” حسناً، لا تحدّق فيها. لقد توقَّف المطر.”
في اليوم التالي، عدتُ إلى الدكان، وتوجّهتُ إليها وقلت: ” شيئاً من العدس من فضلكِ.”. وحملت سلتي مشرعةً لتضع فيها ما اشتريتُ. وكنتً ما أزال احتفظ بكيلوغرام من العدس يقبع في الظلام في خزانة الأغذية في منزلي، في انتظار غودو. ويوم الثلاثاء، اشتريتُ شيئاً من الذرة والملح، ويوم الأربعاء بعض الثوم الذي كان معلقاً بخيط فوق رأسها؛ وبعض الباذنجان يوم الخميس الذي هو يومُ عطلتِها الأسبوعية كما علمتُ، وأن اسمها “آنا”. ويوم الجمعة ردَّت على ابتسامتي بابتسامة وهي تعيد الصرف إليّ وتقول: ” جميل أن نراك مرة أخرى.”
واستمرّ هذا ديدني خلال الأسبوع التالي. أليس غريباً كيف يُغرق الرجل نفسه حتى الرقبة في الرمال المتحركة قبل أن يتوجّه إلى المرأة؟
حسناً، سيكون يوم الاثنين، إذن، مساء الاثنين، والريح تداعب الظلّة، والغسق يمد يده الصغيرة إلى زجاج الشبابيك، وكانت هي منحنية على صندوق حبوب لا أعرف اسمها. عندما نظرتْ إليّ، أزالت، بظاهر كفها، شعرها المنسدل على عينيها، فبدت جميلةً حقاً بحيث إنك تتمنى أن تكون معها في غرفة صغيرة جداً أو بلا غرفة على الإطلاق.
قلتُ لها، وأنا أقترب منها :
ــ ” آنا” .. وكانت تلك الكلمة مثل حصى في اللهاة .
قلتُ:
ــ “آنا .. لقد امتلأت خزانة الأطعمة في منزلي.”

شاهد أيضاً

“صوت يجرح صمت الليل ”
سكينة خليل الرفوع
الأردن – البحرين

في هَدْأةِ المساءِ ، تسيرُ مراكبُ البوحِ بسكونٍ ، فنسماتُ الهوى تفتحُ أشرعتها لأمواجِ البحرِ …

محراب الماء
بقلم: خيرية صبر

الزمن يخلع نعليه ليخطو حثيثا الي محراب الماء وانا دهشة وجلة مكورة بين عينيه هذا …

حبيب الروح
عصمت شاهين دوسكي

حبيب الروح .. يا نسمة البوح ضمني .. جردني من الجروح اكتب على جسدي عشقا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *