أحمد معن الزيادي : قراءة في رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم ؛ تراجيدية المصائر في عراق ما بعد الاحتلال

ahmad maan alzayadi” الكتابة أمرٌ سهل..كل ما عليك هو الحملقة في ورقة خالية حتى تتشكل قطرات من الدماء على جبهتك ” لعل ما قاله “جين فولر” هو التعبير الأمثل عن رواية –حياة ثقيلة – للروائي سلام إبراهيم والتي صدرت عن دار الأدهم- القاهرة مطلع العام 2015 حيث يروي الكاتب طرفاً من المآسي التي عاشها في وطنه زمن الدكتاتور حيث الاعتقال والهرب والتشرد في سبيل الفكرة التي ما زال يؤمن بها حتى بعد زوال الدكتاتور –العقبة الوحيدة أمام تحقق الحلم المنشود- لكن ذلك لم يكن حقيقياً فاليوم قد مضى أربعة عشر عاماً على الاحتلال سقوط النظام وما زال حال العراق يرثى له ورغم هذا وذاك فأن الكاتب ما زال يؤمن بحتمية زوال الرأسمالية وان العالم يصبح مدينة واحدة يسودها العدل والقانون بزوال الطبقات و الاستغلال والعنصرية حيث الإنسانية تعيش مطمئنة على المستقبل. وكما يقول الكاتب مكسيم غوركي ” إننا ثوريون وسنبقى ثوريين ما دام هناك أشخاص لا يفعلون شيئاً سوى إصدار الأوامر وآخرون لا يفعلون شيئاً سوى التنفيذ ” يكون الكاتب في هذا العمل راوياً مشاركاً يقوم بسرد الأحداث بصيغة ضمير المتكلم (أنا). وينتقل بسلاسة بين الأزمنة والأمكنة في تداعيات مفتوحة tالعراق بودقة للأحداث التي تمر بها شخصيات روايته. ويقوم الكاتب بالتمرد على فيزيقيا النص من خلال استخدامه زمانين في نفس الصفحة أحيانا فهو يتنقل في الكثير من المشاهد بين سبعينات القرن الماضي –قبل سقوط الطاغية- و سنة 2010 أي ما بعد زوال الدكتاتور وكأنه يريد المقارنة وربط الأحداث بين الماضي والحاضر بلغة سلسلة متدفقة كينبوع جارِ يفهمها أواسط المثقفين مختاراً في ذلك تبسيط صيغة السرد ليصل العمل الفني إلى أكبر عدد ممكن من القراء. من خلال بنية المكان وتقنية التداعيات المفتوحة والمرتبطة بثيمة العمل غمر الكاتب قارئه بذكرياته وبفيض صوري أثار مخيلة القارئ وجعلها تعيش التجربة بعنفها والراوي يجلس بسيارة أجرة متجهة نحو بغداد في قسمين من أقسام الرواية الثلاث فأنتج لنا نصاً يتماهي فيه الزمان والمكان أحيانا ويتداخلان في أخرى. فالمكان عنصراً مهماً في تحديد البيئة وإبراز خصوصيتها التي تمنح العمل الأدبي بعداً إيحائيا يتمظهر في تفكيك دلالة العلامات الظاهرة في محتوى النص , والكاتب هنا يُحيل متلقيه إلى الوقوف على حجم الفجائع المرتبطة بالواقع المكاني من حيث كونه حاضنة جغرافية متناغمة في سيرورتها مع أحداث أليمة تولّد تدافع صوري في ذهن القارئ. لاحظت أن الكاتب في جزء كبير من الرواية يفلسف في وصف الحالات والأشياء فهو يطرح مفاهيم جديدة كاستحداث من مخيلته دعماً للواقع التراجيدي للرواية, مثلاً: )يقال أن المحتضر يرى قبيل رحيله في اللحظات الأخيرة شلالاً من الضوء الذي تعشى له العيون,هذا ما أفضى به من توقف عن الحياة للحظات , وعاد بتدخل طبي) ص5 فهو يضفي مفهوماً غريباً لا يمكن إثباته علمياً كما لا يمكن نفيه و يبرر ذلك برؤية هذا الشلال من الضوء عندما كان على مشارفِ موتٍ سيكولوجي. إن استذكار أحداث قديمة مع أصدقاء و أقرباء يثير الطابع المأساوي ويجعله غالباً على أجواء الرواية لأن جميع salam ibrahim 3الذكريات هي “ذكريات موتى” فإن كانت حزينة سنأسى لأنها أحزنتنا يوماً و إن كانت سعيدة سنبكي لأنها رحلت من دون عودة !!
إن من الجوانب السياسية التي كثيراً ما يشير إليها الكاتب هو الفكر الماركسي الذي أرهقه طوال حياته . إن من مميزات السرد في رواية -حياة ثقيلة- هو التلقائية والبساطة وجعل الأحداث تأخذ مجراها الطبيعي لتتفاجئ بدهشة عارمة غير متناسبة من حيث حجمها مع تلقائية الحدث.كما في ص176 حين كان يتحدث عن صديقه – ميثم جواد- الذي كان معه في نفس الزنزانة سنة 1980 ويشير إلى أنه لم يلتقِ به بعد خروجه من السجن فيقول: (لم أجد ميثم ولم يقع بصري عليه إلا عام 2010 أي بعد ثلاثين عاماً حينما دُعيت إلى كربلاء لإقامة ندوة أدبية فرأيته مبتسماً بنفس ملامح شكله تلك الليلة الليلاء يطلُ بنظرة ثابتة من صورته الفوتوغرافية المعلقة على حائط غرفة وسط صور حشد من شهداء شيوعي كربلاء بمقر الحزب الشيوعي) والليلة الليلاء هي تلك التي يقول عنها بأنها من أجمل الليالي حيث قضاها مع حسين (الشخصية المحورية في القسم الثالث من الرواية وهو من أعز اصدقائه) ومع ميثم جواد (الشخصية التي فارقها قبل ثلاثين عاماً ليراه ينظر إليه من داخل صورة فوتوغرافية معلقة على الجدار) وهذا الطريقة السردية في الرواية من الدعامات التي تعمل على تطوير السرد في الرواية العربية و إخراجها من المنظومة kh salam ibrahim 5
الكلاسيكية. إبداع الراوي لم يقف عند حد السرد فقط بل أنه يقوم بوصف الشخصيات وصفاً حاذقاً يصل فيه إلى أدق التفاصيل و كأنه يرسمها من خلال اللغة فلا يدع فيها شيئاً مبهماً يُفقد العمل الأدبي بعضاً من سمات اكتماله. بهذا يمكن تمثيل الرواية بجوانب ثلاثة هي
1- الجانب السياسي: تمثل بتأثره المبكر بالفكر الماركسي و انتمائه للحزب الشيوعي ونضاله الفكري والمسلح
2- الجانب الاجتماعي: تمثل بالعلاقات التي أقامها الكاتب مع أصدقائه وذكرياته معهم وتراجيدية مصائرهم.
3- الجانب الفني: تمثل بالسرد واستخدامه بحرفية عالية تنم عن تجربة معرفية كبيرة تحمل في طياتها إبداعا لم متناهي و الوصف العميق لأدق الأحداث.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *