طلال حسن : دلمون الأعماق (رواية للفتيان)

talal hasanشخصيات الرواية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ الحطاب

2 ـ الزوجة

3 ـ ابن الحطاب .. شنوه ” 14 سنة ”

4 ـ الفتاة .. بالو ” 13 سنة ”

5 ـ أم بالو
“1 “
ـــــــــــــــــــ

ـ شنوه .
فزّ شنوه على زوجة أبيه ، تصرخ باسمه ، ففتح عينه خائفاً ، وقبل أن ينهض من فراشه ، أطلت عليه زوجة أبيه ، من باب الغرفة ، بوجهها المحتقن ، الغاضب ، وصرخت ثانية : انهض .
ونهض شنوه على عجل ، وقال : ما الأمر ؟ الشمس لم تشرق بعد .
ودفعته زوجة أبيه نحو الباب ، وقالت : لا شأن لي بالشمس ، اذهب واملأ الجرة من البحيرة .
وتلكأ شنوه في سيره ، وقال : إنني جائع ، لم تدعيني أتعشى البارحة ، دعيني أتناول طعام الافطار مع أبي ، على الأقل .
ودفعته زوجة أبيه منفعلة ، وقالت : لن تفطر ، يا شنوه ، حتى تملأ الجرة ، ثم إن أباك أخذ طعام فطوره ، وذهب إلى الغابة .
وتناول شنوه الجرة ، من زاوية في طرف الفناء ، والتفت إلى زوجة أبيه ، وقال : لكن المرأة العجوز الطبيبة ، التي تعالجه ، قالت لك ، إن عليه أن يرتاح في فراشه عدة أيام .
وقالت زوجة أبيه : الذنب ذنبك أنت ، يا شنوه ، فهو يذهب إلى الغابة ، رغم مرضه ، ويحتطب ليعيلك ، أيها الكسول .
وردّ شنوه قائلاً : لقد عرضتُ عليه مراراً ، أن أذهب معه إلى الغابة ، لكنه كان يرفض .
فقالت زوجة الأب ساخرة : نعم ، فهو يخاف عليك ، من النسيم الهاب .
ثم دفعته إلى الخارج ، وهي تقول : هيا ، اذهب بسرعة ، واتني بالماء .
ومضى شنوه حاملاّ الجرة ، صوب البحيرة ، التي تقع على مسافة قريبة من القرية ، تحيط بها غابة كثيفة الأشجار .
ورأته بالو ، وهي فتاة أصغر منه بقليل ، وكانت كالعادة تترقب مروره ، فأسرعت إلى فناء الدار ، وأخذت الجرة ، وهمّت أن تلحق بشنوه ، ولمحتها أمها ، وكانت تخبز في الفناء ، فنادتها : بالو .
وردت بالو ، وهي تتجه بالجرة نحو باب البيت : سأملأ الجرة من البحيرة .
وتوقفت أنها لحظة عن عملها ، وقالت : لدينا ماء يكفينا ، تعالي وعاونيني .
وفتحت بالو الباب ، وقالت ، وهي تمضي مسرعة : لن أتأخر ، يا أمي ، سأعود بعد قليل .
وهزت أمها رأسها ، وقالت تحدث نفسها : لابد أن أنبه هذه البالو ، إلى أنها بنت ، فهي تتصرف مع شنوه ابن الحطاب ، وكأنها ولد مثله .
وأسرعت بالو في أثر عامر ، والجرة على كتفها ، وهي تصيح : شنوه .. شنوه .
وأبطأ شنوه ، دون أن يتوقف ، وحين لحقت بالو به ، وجرتها على كتفها ، نظر إليها ، وقال : الوقت مبكر بالنسبة لك ، يا بالو .
والتفتت بالو إليه ، وابتسمت قائلة : لا يكون الوقت مبكراً ، مادت إلى جانبي .
وسارا معاً ، جنباً إلى جنب ، وكلّ منهما يحمل جرته ، حتى وصلا البحيرة ، المحاطة بأشجار الغابة ، وهمت بالو أن تخوض في الماء ، وتملأ جرتها ، فقال لها شنوه : بالو ، توقفي .
وردت بالو قائلة ، دون أن تتوقف : أستطيع أن أملأ هذه الجرة ، لقد ملأتها مراراً .
ووضع شنوه جرته على رمال الشاطىء ، وأسرع إلى بالو ، وأخذ منها الجرة ، وقال : البحيرة خداعة ، يا شنوه ، وأخشى أن تنزلق قدماك ، فتجذبك مياه البحيرة إلى الأعماق .
وابتسمت بالو ، وقالت : هذا أفضل ، ففي الأعماق عالم جميل ، رائع ، اسمه .. دلمون .
ونظر شنوه إلها ، فقالت بالو مبتسمة : هذا ما قلته لي أنت ، يا شنوه .
وملأ شنوه جرة بالو ، ودفعا لها ، وقال : خذي جرتك ، وانتظري حتى أملأ جرتي .
وملأ شنوه جرته ، وحملها على كتفه ، وخرج من البحيرة ، وقال : أعطيني جرتك لأحملها عنك .
ورفعت بالو الجرة ، ووضعتها على كتفها ، وقالت مازحة : إحملني أنا والجرة إذن .
وابتسم شنوه ، فقالت بالو : أتذكر ، طالما حملتني من البحيرة حتى أطراف القرية .
وتوقف شنوه متحدياً وقال : تعالي ، سأحملك الآن أنت وجرتك .
وسارت بالو أمامه ضاحكة ، وقالت : أعرف أنك تستطيع هذا ، وتفعله أيضاً .
ثم حثت خطاها ، وقالت : هيا ، إن زوجة أبيك تنتظرك ، وأنت تعرف لسانها .
وسار شنوه حتى لحق بها ، وقال : على العكس من أمي ، فقد كانت تنتظرني دائماً بالأحضان .
واقتربت بالو منه ، وقالت : شنوه .
ونظر شنوه إليها ، وقال : نعم .
فقالت بالو : اللية سيكون القمر بدراً .
ونظر عامر إليها ، دون أن يتفوه بكلمة ، فقالت درة : سأنتظرك الليلة عند البحيرة .
وتوقف عامر ، وقال : لا ، لا تذهبي وحدك ، انتظريني حتى أمرّ ببيتكم ، والحقي بي .

” 2 “
ـــــــــــــــــــــ

من بعيد ، لمح شنوه ، وبالو تسير إلى جانبه ، مجموعة من الرجال والنساء والأطفال ، يتزاحمون مضطربين عند باب بيتهم .
وهذا ما رأته بالو أيضاً ، فتوقفت قلقة، ونظرت إلى شنوه بتوجس ، وقالت : شنوه ، أنظر ، إنني خائفة ، ترى ماذا يجري ؟
وانطلق شنوه مسرعاً ، وماء الجرة يتناثر من فوهتها ، على ظهره وكتفيه ، وقال بصوت مضطرب خائف : لابد أن أبي ..
وأسرعت بالو في أثره ، وجرتها تتقافز على كتفها ، وهي تقول بصوت مرتعش : لا تقلق ، يا شنوه ، أبوك بخير بعون الآلهة جيد .
ودخل شنوه البيت ، وفي أثره دخلت بالو ، والجميع رجالاً ونساء ، وحتى الأطفال ، ينظرون إليه في اشفاق ، وعند باب الغرفة ، رأى زوجة أبيه واقفة بين عدد من النسوة ، فتساءل قائلاً : ما الأمر ؟
فأشاحت زوجة أبيه عنه ، وقالت : ادخل الغرفة ، وانظر بنفسك .
ودخل شنوه الغرفة ، وإذا أبوه الحطاب ، متمدد على فراشه ، شاحب الوجه ، متقطع الأنفاس ، فمال عليه متمتماً بصوت باك : أبي .
لكن أباه لم يرد عليه ، وبدا أنه في غيبوبة عميقة ، فهتف شنوه ثانية من بين دموعه : أبي .. أبي .
وأنهضه رجل ، كان إلى جانبه ، وقال له : تعال ، يا شنوه ، تعال .
واعتدل شنوه ، وعيناه غارقتان بالدموع ، فقال الرجل : أبوك مريض ، يا شنوه ، وما كان لكم أن تدعوه يذهب إلى الغابة هذا اليوم .
ونظر شنوه إليه ، ماذا يقول له ؟ هل يقول إن زوجته الجديدة ، لا ترحمه ، ولا ترحم أباه ؟ وأنها هي التي دفعته للذهاب إلى الغابة ؟
وربت الرجل على كتف شنوه ، وقال : رأيته في الغابة ، ملقى على الأرض ، يكاد يغمى عليه ، فوضعته على حماره ، وجئت به إلى البيت .
وقال شنوه بصوت تخنقه الدموع : أبي مريض ، يرقد في الفراش ، منذ أيام .
ومال الرجل عليه ، وقال بصوت خافت : من الأفضل أن تذهب إلى المرأة العجوز الطبيبة ، لتأتي وتعالجه ، فهي امرأة مباركة .
لم يحر شنوه جواباً ، فأخذه الرجل إلى خارج الغرفة ، وقال : أبوك مريض جداً ، أسرع إلى الطبيبة ، فلعلّ وعسى .
ومضى شنوه راكضاً ، يتعثر بدموعه ، وقصد بيت المرأة العجوز الطبيبة ، ورأته بالو ، وكانت تقف حزينة مقطبة ، مع بعض النسوة في فناء الدار ، فأسرعت في أثره ، وهي تهتف : شنوه .
لم يتوقف شنوه ، بل لم يتباطأ هذه المرة ، وقال بصوت تخنقه الدموع : إبي مريض جداً ، يا بالو ، وسأذهب إلى المرأة العجوز ، لعلها تأتي ، وتعالجه .
ولحقت بالو به ، وقالت ، وهي تركض إلى جانبه : سآتي معك .
ووصلا بيت المرأة العجوز الطبيبة ، وتقدم شنوه إلى باب البيت ، وطرقه عدة طرقات ، وهو يصيح وهو يصيح : أيتها الطبيبة .. أيتها الطبيبة .
ويبدو أن المرأة العجوز الطبيبة عرفته ، فصاحت من الداخل : أدخل ، يا شنوه ، الباب مفتوح .
ودخل شنوه ، ومعه دخلت بالو ، وكانت المرأة العجوزالطبيبة ، جالسة في الفناء ، فنظرت إلى شنوه ، وقالت : أرجو أن لا تكون صحة أبيك الحطاب قد تدهورت ، يا شنوه .
فقال شنوه ، وعيناه غارقتان بالدموع : نعم ، لقد أغمي عليه في الغابة ، تعالي ، إنه بحاجة إليك .
وهزت المرأة العجوز الطبيبة رأسها ، ثم نهضت متحاملة على نفسها ، وأخذت عكازها ، وقالت : امسح دموعك ، يا شنوه ، لا تبكِ ، أنت رجل .
وسارت متوكئة على عكازها ، وهي تقول : تعال ، يا شنوه ، أعرف أن همومك ومصاعبك كثيرة ، ولكن ليس أمامك إلا أن تتحملها وتواجهها .
وسار شنوه وبالو ، يتقدمان المرأة العجوز الطبيبة مرة ، ويسيران على مقربة منها مرة أخرى ، دون أن يتفوه أحدهم بكلمة واحدة .
ووصلت المرأة العجوز الطبيبة ، متعبة إلى بيت الحطاب ، ودخلت مباشرة الغرفة ، حيث يتمدد الحطاب مطبق العينين في فراشه ، وما إن رأته حتى هزت رأسها ، ثم حدجت الزوجة بنظرة قاسية ، وقالت : قلتُ لك ، يجب أن يبقى في فراشه ، عدة أيام .
وخرجت الزوجة منزعجة من الغرفة ، دون أن تتفوه بكلمة واحدة ، وانحنت المرأة العجوز الطبيبة على الحطاب ، وفحصته جيداً ، واعتدلت واقفة ، ثم خرجت من الغرفة ، متوكئة على عكازها .
ولحق شنوه بالمرأة العجوز الطبيبة ، منقبض الصدر ، دامع العينين ، تتبعه بالو ، ووقف أمامها ، وقال بصوت مرتعش النبرات : أيتها الطبيبة ، أرجوك ، عالجي أبي ، ولا تتركيه وحده .
ونظرت المرأة العجوز الطبيبة إليه ملياً ، ثم قالت : أبوك بين يدي الآلهة ، يا بنيّ ، وهي وحدهاقادرة على انقاذه مما هو فيه .

” 3 “
ــــــــــــــــــــ

لبث شنوه جاثياً ، على مقربة من أبيه ، حتى حلّ الليل ، فمالت عليه احدى النساء المسنات ، المحيطات بفراش أبيه ، وقالت بصوت خافت : شنوه .
لم يتحرك شنوه ، فمالت عليه المرأة المسنة ثانية ، وقالت : بنيّ شنوه .
وعندئذ رفع شنوه عينيه الغارقتين بالدموع إليها ، دون أن يتفوه بكلمة ، فقالت وهي تنهضه برفق : تعال إلى الخارج ، يا بنيّ ، أبوك نائم الآن ، لندعه يرتح بعض الوقت .
وقادته المرأة المسنة ، إلى فناء الدار ، وقالت : ابقَ هنا ، لابد أنك جائع ، إنهم يعدون الطعام ، لابد أ تأكل شيئاً ، ثم تخلد إلى النوم في غرفتك .
وابتعدت المرأة العجوز عنه ، وهي تقول : انتظر هنا ، سآتيك ببعض الطعام .
لم يبقَ شنوه في الفناء طويلاً ، ولم ينتظر أن تأتيه المرأة العجوز بالطعام ، رغم أنه لم يأكل سوى لقيمات طول النهار ، وتسلل من البيت ، ومضى تحت جنح الظلام ، متوجهاً دون ارادته إلى البحيرة .
ووقف على الشاطىء الرملي لحظات ، ثم جلس تحت الشجرة ، التي طالما جلس تحتها مع بالو ، كلما جاءا إلى البحيرة ليلاً أو نهاراً .
وتراءت له أمه ، وهي تعانقه ، ثم وهي تعمل رغم مرضها ، ثم وهي طريحة الفراش ، والمرأة العجوز الطبيبة منحنية عليها تفحصها ، وتعتدل وقد بدا اليأس عليها ، ثم تهز رأسها .
وتململ شنوه ، وبل أمه تراءى له أبوه ، متمدداً على فراشه ، والمرأة العجوز الطبيبة منحنية عليه تفحصه ، ثم تعتدل ، وتهز رأسها .
لقد رحلت أمه ، وها هو أبوه ، راقد على فراش المرض ، ينتظر .. ماذا ينتظر ؟ آه .
ومن أعماق البحيرة ، وكأنما السحر ، راح القمر يشق الماء ، ويصعد شيئاً فشيئاً ، وحين اكتمل صعوده ، وبدا وكأنه يتسلق الأشجار ، تناهى إليه وقع أقدام على الرمال ، والتفت وإذا بالو تقبل نحوه .
وتوقفت بالو على مقربة منه لحظات ، تتأمل القمر ، الذي بدا الآن معلقاً فوق أشجار الغابة ، ثم جلست إلى جانبه ، وقالت : بحثت عنك بين المتواجدين في البيت ، ، لم أجدك ، وتملكني الخوف والقلق ، وتذكرت أخيراً موعدنا هنا .
وأطرق شنوه رأسه ، ثم قال : لم أستطع البقاء ، وأبي يرقد في فراشه هكذا .
وقالت بالو ، وهي تغالب دموعها : أبوك انسان طيب ، يحبه الجميع ، وكذلك كانت أمك .
ونظر شنوه إلى القمر ، وقال : رحلت أمي ، وكم أخشى أن يلحق بها أبي أيضاً .
وصمت لحظة ، ثم قال : ما أشد قسوة الحياة ، وخاصة على أمثالنا .
وصمت لحظات طويلة ، راح خلالها يتأمل القمر ، وهو يسبح في أعماق البحير ، وكأنه يسبح في السماء ، ثم قال ، دون أن يحيد ببصره عن القمر : بالو ..
وردت بالو : نعم ، يا شنوه .
وقال شنوه : أنظري إلى القمر ، وهو يسبح في أعماق هذه البحيرة .
ونظرت بالو إلى القمر ، وهو ينير في الأعماق ، كما ينير المصباح في عتمة الليل ، وقال شنوه : تقول جدتي ، التي رحلت منذ سنين عديدة ، أن في أعماق هذه البحيرة ، يوجد عالم ، ليس كهذا العالم .
وصمت شنوه ، وكأنما يتأمل العالم ، الذي تحدثت عنه جدته ، ثم استأنف كلامه قائلاً : إنها ، كم وصفتها جدتي ، دلمون الأعماق ، حيث لا ينعق غراب ، والأسد لا يفتك بالغزال ، والعقاب لا يطارد الحمامة ويفتك بها ، ويعيش فيها كلّ الأحبة الذين رحلوا ، سعداء ، لا يشيخون ، ولا يمرضون .
وقالت بالو بصوت حالم : هذا عالم يطيب فيه العيش ، يا شنوه ، وليس كعالمنا الذي نعيش فيه .
وواصل شنوه كلامه قائلاً ، وكأن بالو لم تتكلم : وتقول جدتي ، إن الفتيان والفتيات ، الذين تضيق بهم الحياة ، يلجأون إليه ، هرباً من عالمهم .
ونظرت شنوه إليه صامتة ، وفي أعماقها تمور مشاعر متضاربة ، ووضع شنوه وجهه بين كفيه ، وراح يردد بصوت تغرقه الدموع : أمي .. أمي .
وصمت شنوه ، وبدا وكأنه يحاول أن يتمالك نفسه ، فاقتربت بالو منه ، وقالت : شنوه .
ورفع شنوه وجهه المبلل بالدموع من بين كفيه ، لكنه لم يلتفت إليها ، فقالت : يبدو أننا تأخرنا ، وأخشى أن يفتقدونا ، ويرسلوا من يبحث عنا .
ونهض شنوه ، وقال : فلنعد .
ومضى يصعد الشاطىء الرملي ، فنهضت بالو ، ولحقت به ، وقالت : دلمون الأعماق ، التي تحدثت عنها جدتك ، رائعة حقاً ، لكن لا تنسَ ، يا شنوه ، إن عالمنا هذا أيضاً رائع .
وسار شنوه ، وسارت بالو إلى جانبه ، دون أن يتبادلا كلمة واحدة ، وحين اقتربا من القرية ، لمح شنوه من بعيد ، عدداً من الرجال والنساء ، متزاحمين عند باب بيتهم ، وتناهى إليهما صوت عويل يتعالى في صمت الليل ، فتوقف شنوه جامداً ، يتمتم : أبي !
” 4 “
ـــــــــــــــــــــ

رحل الحطاب .
وقد رحلت قبله أم شنوه .
ورحل بعده شنوه .
الجميع يعرفون أين رحلت أم شنوه .
ويعرفون أين رحل الحطاب .
لكن لا أحد يعرف ، أين رحل شنوه .
وتساءل العديدون : ترى أين هو ؟
أين شنوه ؟
قالت المرأة المسنة ، التي أرادت أن تقدم له الطعام في الفناء : رأيته يخرج راكضاً من البيت ، حالما عرف برحيل أبيه .
وقال رجل ، في أواسط العمر ، وهو حطاب ، طالما رافق أباه في العمل داخل الغابة : لقد رأيته ، يسير مسرعاً ، نحو الغابة .
وقال صياد سمك ، سبق وأن رآه مراراً على شاطىء البحيرة : أنا رأيته يقف على شاطىء البحيرة ، يحدق في الأعماق .
كلّ هذا وغيره ، سمعته بالو ، خلال الساعات الأخيرة ، لكنها لم تكتفِ به ، بل راحت تبحث عن شنوه في كلّ مكان ، ولم تقع له على أثر .
والغريب أن أكثر من اهتم لغياب شنوه ، بعد بالو طبعاً ، زوجة أبيه ، وكأنها ليست هي التي كانت تحصي عليه أنفاسه ، وتقسو في معاملتها له .
ومن يصدق ، أنها رغم طباعها الحادة النكدة ، كانت تفاجئها مشاعر طيبة تجاهه ، ربما حاولت هي نفسها التغاضي عنها ومقاومتها .
كانت لا تحبه ، بل وتقسو عليه ، ربما لأنها لم يصر لها ولد من أبيه ، زوجها الحطاب ، ومع الأيام اكتشفت أنها بدأت تحبه لنفس السبب ، وخاصة بعد رحيل زوجها الحطاب .
لكن أين هو ؟
أين شنوه ؟
وأين ذهب ؟
ومتى يعود ؟
ربما ظن شنوه أنها ستقسو عليه أكثر ، بعد احيل أبيه ، لا ، هذا ما لا يمكن أن تفعله ، فليس له أحد الآن غيرها ، وهي نفسها ، لم يعد لها ، في هذه الدنيا ، أحد غيره ، فكيف يمكن أن لا تحبه وتحنو عليه ؟
وفي كلّ لحظة ، من اليوم ، في الليل أو في النهار ، كانت بالو تنتظر ظهور شنوه ، ليزيل مخاوفها، وتطمئن عليه ، لكن دون جدوى .
وفي الليلة الثانية لغيابه ، لم تستطع بالو أن تنام ، وجلست في سريرها ، تنظر عبر النافذة ، دون أن ترى أي شيء غير .. شنوه .
وانتبهت فجأة ، وإذا القمر ، الذي لم يعد بدراً كاملاً ، يتسلق الأشجار ، ثم يبتعد عنها شيئاً فشيئاً ، في مسيرته الليلية المعتادة بين النجوم .
وتراءى لها القمر ، يسبح منيراً في أعماق البحيرة ، فأبعدت الغطاء عنها ، ونزلت من السرير ، وأنصتت ، لابد أن أمها نائمة الآن ، وكذلك أبوها .
وبهدوء شديد ، خرجت من غرفتها ، وركضت بخطوات لا تكاد تسمع عبر الفناء ، ثم فتحت الباب الخارجي ، وتسللت إلى الليل .
وسارت بالو في العتمة ، التي يخفف منها ضوء القمر الشاحب ، وكأنها تسير في نومها ، متجهة نحو البحيرة ، التي تحف بها الأشجار من جميع الجهات .
ورغم أنها كانت تسير وحدها ، في عتمة الليل ، لم تشعر بالخوف ، فشنوه كان يسير معها ، خطوة بعد خطوة ، سواء كان موجوداً أو غير موجود .
ولاح لها القمر ، من بين الأشجار ، ينير في أعماق البحيرة ، وتراءى لها شنوه ، يجلس إلى جانبها ، على رمال الشاطىء ، ويحدثها عن دلمون الأعماق ، التي حدثته عنها جدته الراحلة .
ترى أين شنوه الآن ؟
وتجاوزت بالو الأشجار ، وانحدرت نحو الشاطىء ، ووقفت على الرمال تتلفت حولها ، وكأنها تتوقع أن ترى شنوه ، يبرز من مكان ما ، في أية لحظة ، ويهتف : ها أنا ، يا بالو .
لكن شنوه لم يبرز من أي مكان ، ولا أثر له ، لا بين الأشجار ، ولا على الشاطىء ، وظل السكون حولها ، يشمل الليل والقمر والغابة والبحيرة ،
وتقدمت بالو من الشجرة ، التي كانا يجلسان تحتها غالباً ، في الليل أو في النهار ، وجلست تحتها وحيدة ، وكأنها تنتظر شنوه ، فهي دائماً على موعد معه ، تحت هذه الشجرة .
وحدقت بالو في القمر ، الذي ينير في الأعماق ، وكأنه مصباح ينير في عتمة الليل ، لعله ينير دلمون الأعماق أيضاً ، كما ينير السماء والأرض .
ترى أين شنوه الآن ؟
لقد حدثها مراراً عن دلمون الأعماق ، ترى هل ذهب إليها ؟
من يدري فأمه وأبوه ينتظرانه معاً هناك ، لكن هي أيضاً تنتظره ، تنتظره تحت هذه الشجرة ، وستبقى دائماً تنتظره ، مهما طال غيابه .
يا للحيرة ، ما العمل ؟
وأفاقت بالو على أمها ، تهزها برفق وتهتف بصوت خافت : بالو .
واعتدلت بالو ، وقالت مترددة : ماما .
وابتسمت الأم ، وقالت : لم أرك في سريرك ، وخمنت أنك هنا .
ونهضت بالو ، وقالت : عفواً ماما ، لقد أقلقتك .
وأمسكت الأم يدها ، وسارت بها برفق ، وقالت : تعالي نعد إلى البيت ، قبل أن يفيق أبوك .

” 5 “
ـــــــــــــــــــ

قالت لها أمها مراراً :
ـ درة ، لم تعودي صغيرة .
وذكرتها غير مرة :
ـ عمرك حوالي الثالثة عشرة .
وقالت لها مرة :
ـ أنا تزوجتُ ، وعمري خمسة عشرة سنة .
كلّ هذا لتقول لها ، أن تبتعد عن شنوه .
وردت مرة ، والدموع تجول في عينيها :
ـ وأين هو شنوه ؟
نعم ، أين شنوه ؟
لا أحد يعرف ذلك .
وها قد مرّ أكثر من أسبوع ، ولا أثر لشنوه ، لا في الحي ، ولا في البيت ، بل ولا حتى في شاطىء البحيرة ، حيث كانا يلتقيان .
وبالو تعرف كلّ هذا ، لأنها في كلّ يوم ، تراقب الحيّ من نافذة غرفتها ، وتتسلل أكثر من مرة ، في اليوم الواحد ، وتحوم حول بيتهم ، بل وتذهب حتى شاطىء البحيرة ، ولكن ما من أثر .
وغالباً ما تلجأ ، رغم معارضة أمها ، إلى الحوم حول بيت شنوه ، لعلها تتنسم خبراً عنه ، وكيف تتنسم ذلك ، والباب يكاد يكون مغلقاً على الدوام .
وذات يوم ، كانت أمها تخبز على التنور ، فاقتربت منها ، وقالت : ماما .
وردت الأم ، دون أن تتوقف عن الخبز : نعم .
وقالت درة : خبزنا يبدو اليوم شهياً ، ما رأيك أن آخذ عدة أرغفة لأم شنوه .
وتوقفت الأم ، ونظرت إلى درة ، وقال : أم شنوه !
قالت درة : إنها إمرأة مسكينة ، وهي بمثابة أمه .
بعد قليل ، كانت بالو تدق باب بيت شنوه ، وبين يديها عدة أرغفة من الخبز الحار ، وجاءها صوت زوجة الحطاب من الداخل : الباب مفتوح .
ودفعت بالو الباب برفق ، ودخلت إلى الفناء ، حيث كانت زوجة الحطاب تجلس على حشية ، فاقتربت درة منها ، وقالت : أمي تسلم عليك ، يا خالة ، وأرسلت لك هذا الخبز الحار .
ومدت زوجة الحطاب يديها ، وأخذت الخبز ، ثم تطلعت إلى بالو ، وقالت بصوت دامع : شنوه ..
وصمتت ، وحنكها يرتعش ، فقالت وهي تغالب دموعها : سيأتي .
وهزت زوجة الحطاب رأسها ، وقالت : هذا ما أتمناه ، فلم يعد لي غيره .
ولاذت بالو بالصمت لحظة ، ثم قالت : أمي تنتظرني ، لابد أن أذهب .
وقالت لها زوجة الحطاب : تحياتي إلى أمك .
وتلك الليلة ، والقمر قد تآكل نصفه تقريباً ، تسللت بالو تحت جنح الظلام ، إلى شاطىء البحيرة ، وجلست تحت الشجرة ، التي طالما جلست تحتها مع شنوه .
ومرة أخرى ، وبدل أن تنظر إلى بقايا القمر ، وهو يسبح في السماء بين النجوم ، نظرت إلى الأعماق ، ونصف القمر مازال يضيء ، لو أن في الأعماق دلمون حقاً ، وأن فيها الآن شنوه ..
وانتبهت إلى أن الماء ينشق على مقربة من الشاطىء ، وكما لو أنه حلم ، ينبثق من وسطه ، مضاء بنور ما تبقى من القمر ، شنوه .
وهبت بالو واقفة ، لا تكاد تصدق عينيه ، وهتفت من بين دموعها : شنوه !
وتقدم شنوه منها ، والماء يقطر منه ، فقالت درة : دلمون الأعماق !
وهزّ شنوه رأسه مبتسماً ، فقالت درة : لو كنت أعرف أنك هناك للحقت بك .
ونفض شنوه الماء عنه ، وقال : عرفت أنك كنت نائمة ، أو كالنائمة ، فتسللت إلى الماء ، وغطست حتى وصلت إليك ، ثم خرجت ، وكأني آت من الأعماق .
وأشرق وجهها بالفرح ، وقالت : يالي من حمقاء ، كدت أرمي نفسي في البحيرة ، و ..
وصمتت لحظة ، ثم قالت متسائلة : أين كنت كلّ هذه المدة ، يا شنوه ؟
وقال شنوه : في بيت خالي ، وهو كما تعرفين ، يقع في قرية بعيدة .
وصمت لحظة ، ثم قال : حين رحل أبي ، لم أحتمل البقاء في القرية ، فخرجت على غير هدى ، ثم خطر لي أن أذهب إلى خالي .
ونظر أليها ، ثم قال : وعلمت أنك تسألين عني ..
ونظرت إليه متعجبة ، فقال : لم يخبرني بذلك أحد طبعاً ، أم إنك لم تسألي عني ؟
فقالت بالو : أنظر ، يا شنوه ، إنني أجلس هنا كلّ يوم تقريباً .
ونظر شنوه إليها طويلاً ، وقال : ولهذا جئت إلى هنا مباشرة ، يا بالو .
ونظرت بالو إليه ، وقالت : أمك مهمومة ، وهي تسأل عنك دوماً .
وقال شنوه : نعم ، إنها رغم كلّ شيء أمي .
ومدّ يده ، وأمسك بيدها ، وقال : هيا نعد إلى القرية ، يا شنوه .
دلمون
هي الجنة في تصور السومريين ، ويُظن أن موقها في البحرين .

شاهد أيضاً

أسعد الجبوري: بريد السماء الافتراضي حوار مع الشاعر الأرجنتيني خوان خيلمان

عندما عثرنا عليه ،وهو يمارس السباحة في بحيرة(( الكوارث)) بين مجموعات من طيور (الرارا) الشبيه …

بلقيس خالد: سلالم الساعات: هايكو عراقي

-1- ردني ان استطعت قالها ومضى :الوقت. -2- يبعثرها دقائق وساعات.. مستغربا يتساءل: أينها الحياة! …

عهود عدنان نايلة: ضجرُ الشّواهدِ تَعِلّةُ الغيابِ

– كلّ نبضةِ قلبٍ وأنتَ مئذنةُ العيد في سماءِ روحي المتعلقةِ بكلّ تفاصيلك الصّغيرة والمتكاثرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *