كريم عبدالله هاشم : صراع الأجيال الأدبية

karim abdullah hashemهل يصح ان نقسم ونوزع (( مجمل )) انتاج حركتنا الأدبية على فترات عقود أو حقب زمنية محددة ونقول : بأن الحركة الأدبية العراقية في الفترة (( الفلانية )) كانت حركة ناجحة ومتقدمة ؟.
وماهي الميزات التي ميزت انتاج تلك الفترة عن غيرها ؟ .
أو ليس نجاح الحركة الادبية يأتي من نتاج خبرات أدبية وفكرية وفنية (( تراكمية )) تكونت لدى الأجيال الأدبية ؟، وكل جيل يجب (( جدلا )) ان يستفيد من تجربة الأجيال التي سبقته ، ولكي يتحقق لديه عنصر (( الأبداع )) لابد ان يحقق (( اضافة وزيادة )) على من سبقه والاّ أصبح مجرد (( تكرار واجترار )) أو دون ذلك .
وهل يصح الحديث عن وجود (( صراع )) أدبي بين الأجيال الأدبية ؟ .
واننا نعرف ان الذائقة الفنية والوعي المتكون لدى المتلقي له دور كبير في عملية التقييم والفرز . وكذلك الوضع القائم والظروف المحيطة لكل جيل أدبي لها اثرها الكبير في انتاجه وفي ابداعه .
ان القول بأن الحركة الأدبية في فترة معينة من الزمن حركة ناجحة ومتقدمة يجب ان يأخذ بنظر الأعتبار ان هذه الحركة كانت ناجحة لأنها : (( تمكنت من ان تجسد وعيا وادراكا جيدين للحقبة التاريخية ، وان تستلهم وتطرح رؤاها بأساليبها الفنية المختلفة ، وانها تمتلك المقومات والأدوات المطلوبة لهذا الطرح )) .
من هذا المنطلق نتوصل الى توضيح لصورة الأجيال الادبية لدينا . وان الحديث بوجود صراع ادبي هو ليس بهذا المعنى . لأن الأجيال تقيّم بعضها ، وكل جيل يضع رؤيته واضافته ولمسته بما ينسجم أو بما لاينسجم (( في بعض الحالات )) مع رؤية ولمسة من سبقه . وهذا اختلاف وتصارع رؤى وهو من مستلزمات التطور التراكمي (( الجمعي )) لحركة الأدب عبر السنوات وليس صراعا بالمعنى المعروف .
ان تجارب ألاجيال السابقة يجب ان يكون لها حضورها في ممارساتنا الأدبية . وان النتاج الأدبي للسلف قد شكل جزءا مهما في بناءنا الفكري والفني .
وكل الحركات الأدبية المجددة قد قامت وانشأت قوائمها على الأرضية التي عبدها لها السلف .
ومن ابرز مبررات هذا الصراع الأدبي هو ان ادباء الاجيال السابقة ينظرون الى انتاج الأجيال اللاحقة على انه خروجا عن المألوف ، وكسرا للضوابط ، واي خروج يعتبر (( نوع من الأسفاف )) ، وانه لايمتلك الأهمية و(( الثقل )) الذي يكسبه الرصانة والاحترام .
في حين ينظر أبناء الاجيال الحديثة على ان التجديد ضرورة (( حتمية )) وان النتاج والأساليب الادبية السابقة قد اصبحت لاتتماشى مع مقومات المرحلة ، وانه لابد من توفير متسع من المساحات والفضاءات للتعبير والطرح والتناول وبما ينسجم مع مقتضيات المرحلة .
ان الأحداث الكبيرة التي حصلت لكل فترة من السنين وماتبعها من تأثيرات وانعكاسات ، قد جعلتنا ننظر الى كل (( مجموعة من السنوات )) على انها ((مرحلة او جيل )) ، لأنها فرضت على الأديب والكاتب فهما جديدا وتصورا مغايرا ، فلايمكن المقارنة بصورة ثابتة ومحددة بين كاتب في الأربعينيات أو الخمسينيات من القرن الماضي وبين كاتب في الثمانينيات او التسعينيات من نفس القرن . لأن المرحلة الأخيرة كانت بالضرورة ستفرض على الكاتب والقاريء فهما جديدا اكثر اتساعا وتشعبا للحياة وللتاريخ وللذات . وهذا سينطبق على الاجيال اللاحقة وصولا الى الجيل الحالي – جيل التسارع الفائق ، والاتصال والتفاعل اليومي بالمحيط الواسع بسبب الانفتاح الكامل على وسائل الاتصال وثورة المعلومات ، والتقنيات الحديثة وتسارع نقل المعلومة وتحليلها ، وتسارع الأحداث المتضاربة والمتناقضة .
فلو نظرنا بأختصار الى الفترة الزمنية التي عاشها الكاتب الاربعيني والخمسيني وانعكاسها على انتاجه وفكره وابداعه ، ثم الكاتب الستيني والسبعيني ، لوجدنا ان كتاب المراحل السابقة استطاعوا ان يتفاعلوا مع الازمات والاحداث التي عايشوها .
ننظر الى الثلاثينيات لنجد رجلا متحمسا للتطور والثورة الاجتماعية (( محمود احمد السيد )) وهويحاول خلق القصة العراقية الحديثة ، سبقه القاص (( عطاء أمين )) في قصته (( كيف يرتقي العراق )) . وفي الاربعينيات نجد (( والحديث في مجال القصة )) اسماء عديدة لعل ابرزها (( ذو النون ايوب )) وقصته (( اليد والارض والماء )) يسجل فيها معاناة المواطن العراقي وانتكاسة مشروعه بسبب اوضاع ادارية فاسدة .
ولجيل الخمسينيات والستينيات اثره الواسع ، حيث الواقع اكثر وضوحا والحرب العالمية الثانية تنتهي وتنكشف تأثيراتها ، والتيارات الثورية اخذت ترسم ملامحها وبرامجها بسبب التأثيرات السياسية الخارجية والمد الثوري والاجتماعي الذي بدأ يؤثر في واقعنا السياسي ، فيخرج الأديب من كل هذا الركام ليشارك ويشاطر ويتنفس ويتصور ويحلم . وتظهر اسماء لها تأثيرها وفاعليتها في حركتنا الادبية ، حيث (( عبد الملك نوري وعبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان وشاكر خصباك ومحمود الطاهر )) وعشرات غيرهم ممن رفدوا واقعنا الثقافي و الحركة الأدبية بأعمال رائعة عكست المعرفة الادبية والوعي الثوري والاجتماعي الذي يمتلكونه . وان المتلقي اصبح اكثر اطلاعا ، والكاتب اصبح على تواصل مع تجارب غيره وتجارب الاجيال السابقة ، فتعمقت ممارساتهم الادبية ، وتعمقت مناحي التجديد لديهم .
وفي ظل تعاقب السلطات والحاكمين على العراق في الفترة اللاحقة اخذت وسائل التعبير في فترة السبعينيات والثمانينيات تجير لصالح اهداف السلطة ، ولكن ذلك لم ينفي حالة الابداع العراقية ، ولم يمنع بعض الاصوات من ان تسلك طرقا متعددة للادلاء بصوتها رغم التضييق والرقابة بطرق اتسمت بالتغريب والغموض احيانا ، وهذه الفترة افرزت اسماء ادبية لامعة ومعروفة .
وان الفوضى التي اصابت العراق بكل تفاصيله قد اصابت الحركة الأدبية بعد (( سقوط الصنم )) والاحتلال الامريكي للعراق وماتلاه من احداث . ورغم علات هذه الفترة التي افرزت الكثير من الفوضى والانتاج الادبي عديم القيمة ، لكنها اتاحت ومنحت مساحة من الحرية لعدد من الاعمال والأسماء الادبية في محاولة لأخذ مكانتها . .
ولعل هذا موضوع للمناقشة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الحسين العامر : رواية”سبعة أصوات”: بعيدًا عن النقد قريبًا من التذوق .

توطئة: لم ألتقِ القاص الأستاذ عبد الحسين العامر يومًا إلا وكلمة (يُبَه) تتردد بين جملة …

| محمد جودة العميدي : الذوق الفني والحس الجمالي في مجموعة : ( حدائق النهار ) للشاعر العراقي الكبير ناهض الخياط .

احتراف الكتابة الشعرية رهين بامتلاك تجربة ثرية تصقلها السنين عبر قانون التراكم المعرفي The law …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *