المسرحية “شؤون الأزواج”
تأليف: فيرينس مولنر
ترجمة : رياض ممدوح

reyad mamdohالشخصيات :
ممثلة مشهورة
الشابة ايرنست

(المشهد غرفة استقبال، لكن الستارة والأريكة والكرسي من الصناعة الفاخرة الدالة على أنها شقة ممثلة هنكارية مشهورة تتخذ هذا المكان للتشاور والمحاورات. الوقت بعد الظهيرة، عند ارتفاع الستارة تظهر الشابة ايرنست، مستندة بعصبية إلى كرسي ذهبي. يبدو أنها قد طال انتظارها. وربما أنها المرة الخمسين التي تستعرض فيها أثاث الغرفة والأبواب بلا رهبة ولا إعجاب مع الإيحاء بنفاد صبرها. وهي تلعق شفتيها كما لو أنها عطشى. وأخيراً تدخل الممثلة المشهورة خلال باب في اليسار الذي يؤدي إلى الصالون).

الممثلة: هل أردت رؤيتي؟
ايرنست: (تتغلب على انفعالاتها) نعم .
الممثلة: ما الذي بإمكاني أن أقدمه لك؟
ايرنست: (تشبك يديها كالمتوسلة) أعيدي لي زوجي!
الممثلة: أعيد لك زوجك!
ايرنست: نعم (الممثلة تحدق في عيني ايرنست فقط منذهلة لا تتكلم) انك تتساءلين من يكون هو… انه رجل أشقر، وليس طويلاً جداً، وأنيق الملبس. انه محام، ومدير شؤونك القانونية. وان اسمه الأول هو ألفريد.
الممثلة: أوه! سبق لي أن قابلته… نعم.
ايرنست: أنا اعلم انك قابلتهِ. وأنا التي وظفته لديك، فأعيديه لي.
(هنا وقفة طويلة)
الممثلة: لا تعتقدي أني قد سكت من الحرج. أنني في ضياع لأن… أنا لم اعرفه بالعمق الذي يكون بإمكاني أن أعيده لك بينما أنا لم أحصل عليه لأعيده.
ايرنست: لقد اعترفت انك تعرفينه.
الممثلة: أعرفه معرفة سطحية جداً لا تؤهلني لأخذه منك. طبعاً أنا اعرفه. انه كتب عقدي الأخير. ويبدو لي أني قد رأيته مرة أو مرتين، وعن بعد. انه متحدث لبق. شعره أشقر. ألم تقولي انه حسن المظهر؟
ايرنست: نعم.
الممثلة: لم أتذكر أن كان هندامه حسن.
ايرنست: ربما صادف حينها انه لم يكن يرتديها. هو يريد أن يبدو بأحسن مظهر أمامك. انه مغرم بك. انه لم يهتم بنفسه أو بمظهره عندما أكون أنا إلى جانبه. ولا يهمه كيف يبدو مظهره أمامي. انه لا يحبني. أنا التي دفعته للعمل لديك، أعيديه لي.
الممثلة: لو لم تكوني شابة حمقاء جدا لغضبت منك. من أين جاءتك فكرة أني أخذت زوجك منك؟
ايرنست: انه يرسل الزهور لك دائماً.
الممثلة: هذا غير صحيح.
ايرنست: بل صحيح!
الممثلة: غير صحيح.لم يرسل لي زهوراً في حياته أبداً. هل هو الذي أخبرك بذلك؟
ايرنست: كلا. بل عرفت ذلك من سجل بائع الزهور. الزهور كانت ترسل إلى عنوانك مرتين في الأسبوع. وفاتورة الحساب هو الذي يسددها.
الممثلة: إن ذلك كذب.
ايرنست: هل تريدين أن تقولي بأني أكذب عليك؟
الممثلة: أقصد بأن أحداً ما هو الذي يكذب عليك.
ايرنست: (تبحث عن رسالة في حقيبتها) وماذا عن هذه الرسالة؟
الممثلة: رسالة؟
ايرنست: انه قد كتبها لك. ويقول…
الممثلة: هو قد كتبها لي؟ دعيني أراها.
ايرنست: كلا. سأقرؤها لك. (تفتح الرسالة وتقرأها بحزن) “حبيبتي، لا يمكنني الاتصال بك الليلة في المسرح. لدي أعمال مهمة. مع الاعتذار. قبلاتي. ألفريد”.
الممثلة: أوه!
ايرنست: لقد وجدتها على منضدته هذا الصباح. ربما كان ينوي إرسالها إلى المسرح بواسطة شخص ما. لكنه قد نسيها. وأنا فتحتها. (تبكي)
الممثلة: يجب أن لا تبكي.
ايرنست: (تجهش في البكاء) لماذا يجب أن لا أبكي؟ تسرقين زوجي ويجب علي أن لا أبكي! أوه، أعلم أن الأمر لا يهمك. وانه سهل جدا لديك. ترتدين الملابس الملكية الليلة، وفي الليلة الأخرى ترتدين ملابس الآلهة الإغريقية. تكحلين رموشك وتطلين شفتيك بالأحمر وتلوحين بالسوط وتطلين وجهك. لديك المساحيق والملمعات التي تجعلك تبدين جميلة. وكتاب المسرحيات يجعلونك تبدين حكيمة وخفيفة الظل. فليس غريبا أن يقع في حبك محام بسيط غير مكترث. فما هي الفرص التي لدي لأنافسك بها. بردائي الرخيص هذا، بشفتي ورموشي، بتصرفاتي المرتجلة؟ لا أعرف كيف أتبختر وأعرض قضية أو سؤال وأغري الرجل. لم يكتب السيد شكسبير الكلمات الجميلة من أجلي. في الحقيقة ربما تكوني أنت أغبى مني، لكني أقر أنك عندما تغوي الرجال أنا لا أضاهيك.
الممثلة: (بلا غضب، وبهدوء، تتأمل تقييماتها) إنها حالة مؤثرة جداً.
ايرنست: أي حالة؟
الممثلة: حالتك.
ايرنست: حالتي؟ ماذا تقصدين؟
الممثلة: أقصد بأنني لم استلم زهوراً أبداً، أو رسالة، أو أي شيء آخر من زوجك. قولي لي، هل أصبحت العلاقة بينك وبين زوجك في الآونة الأخيرة سيئة؟
ايرنست: نعم، بالطبع.
الممثلة: هل اعتدتم على أن يعطف أحدكم على الآخر؟
ايرنست: نعم، لماذا؟
الممثلة: وفي الآونة الأخيرة أنتابكم برود كامل؟
ايرنست: نعم.
الممثلة: طبعاً! حالة طبيعية… يا عزيزتي، لو تعرفين كم لدينا من الخبرة نحن الممثلات بمثل هذه الأمور، وكم حدثت معنا مثل هذه الأمور! أنه من الواضح جداً بأن زوجك يمثل عليك أدواراً ليجعلك تغارين عليه،ليجلب انتباهك إليه.
ايرنست: (تحدق النظر، منذهلة) هل تعتقدين ذلك حقاً؟ وهل تريدين أن تقولي بأنه سبق وأن مرت عليك مثل هذه الأمور؟
الممثلة: دائماً. لقد حدثت لأي ممثلة ناجحة وجميلة إلى حد ما. وهذه هي واحدة من أقدم السبل المناسبة في العالم، وغاياتها واضحة جداً لدينا نحن الممثلات! أن أي رجل له علاقة بالمسرح من الكتاب والملحنين ومصممي المشاهد والمحامين وقادة الأوركسترا وحتى المدراء أنفسهم، لكي يستعيدوا حب زوجاتهم أو حبيباتهم فأن جميع هؤلاء يختلقون قصص حب مع واحدة منا. والزوجة دائمة الاستعداد لتصديق ذلك. وعادة نحن لا نعلم شيئاً عن تلك القصص. لكننا حتى عندما نعلم لا نمانع من أن نساعدهم ونعمل على ما يوحي بصدق قصصهم. على الأقل نعلم بأننا نساهم في أعادة السعادة إلى زوجين كان من الممكن أن ينتهيا إلى محاكم الطلاق.
ايرنست: لكن كيف… كيف لي أن أعرف؟
الممثلة: (مع ضحكة إنسانية صغيرة) لهذا يا عزيزتي، أنت لست بحاجة للاعتذار. لا يمكنك أن تعرفي، طبعاً. فأمر يبدو معقولاً جداً. تتخيلين زوجك في مكان محاط دائما بالإغواء، في خلفية المسرح عالم ملئ بجنيات الإغواء الجميلات وبلا عقد الأخلاقيات. تفترضين أن الممثلة الواحدة هي أكثر خطورة من مئة امرأة طبيعية. أنت تكرهيننا وتخشين منا. ولن يخطر في بالك أن زوجك محام وماكر كبير. وكذلك يخطط لأخافتك وإثارة الغيرة عندك ليعيد الحب الذي تنكرت أنت له. لقد كتب رسالة وتركها بجانبه على المنضدة. ان محاميّاً حقيقيّاً لا يمكن أن يكون بهذا الإهمال. هو يطلب الزهور لي بالتلفون صباحاً وربما يلغي الطلب حالما يصل مكتبه. بالمناسبة، ألا يحتفظ بخصلة من شعري عنده؟
ايرنست: نعم، في درج دولابه. وقد جلبتها معي.
الممثلة: نعم. أنهم يرشون حلاق شعري ليسرقها مني. انه أمر عجيب، لم يبق شيء من مخلفات شعري أبداً.
ايرنست: (بسعادة) أهكذا حصل عليها؟
الممثلة: لا يمكنني أن أتخيل غير هذه الطريقة. قولي لي، ألم يترك أية رسالة حب كاذبة مني؟
ايرنست: (برهبة وخوف) كلا.
الممثلة: لا تخافي. لم أكتب له أية رسالة.
ايرنست: أذن، ماذا فعلت؟
الممثلة: لربما سبق له، كغيره، أن جاء وقال لي بصراحة:”أقول، يا سارة، هل لك أن تقدمي لي خدمة؟ أنا وزوجتي أصبحت علاقتنا غير جيدة. فهل يمكنك أن تكتبي لي رسالة حب عاطفية لأضعها في مكان داخل البيت يمكن لزوجتي أن تجدها فيه؟”. بالتأكيد سأكتب له رسالة. وأنه بإمكاني أن أكتب رسالة تجعلك تبكين وأنت على الوسادة لمدة أسبوعين كاملين. سبق أن كتبت عشرة من هذه الرسائل، مثل كاتب المسرحيات تماماً. لكن جميعهم لم يحالفهم الحظ أبداً. فكم كانت زوجاتهم صالحات بحيث أن جميعهن أعادوا الرسائل لأزواجهن دون أن يقرأنها.
ايرنست: كم أنت ذكية! كم أنت جيدة!
الممثلة: أنا لست أفضل ولا أسوأ من أية فتاة أخرى في المسرح. حتى أولئك اللواتي تعتبرينهن متوحشات.
ايرنست: (بندم) كنت أنا حمقاء تماماً.
الممثلة: أذن، أنت قمت بعمل بليد بعض الشيء، فتوقفي عن ذرف الدموع من عينيك، وليشرق وجهك بالسعادة، على أية حال، لأنك اكتشفت بأن ذلك الرجل الأشقر، الحسن الهندام يحبك. يا عزيزتي، ليس هناك رجل يستحق الحب أكثر من زوجك. وهذا أمر يخصك أنت، أليس كذلك؟
ايرنست: نعم.
الممثلة: كذلك، أريد أن أعطيك نصيحة صغيرة: لا تدعيه يتلاعب بك هكذا مرة أخرى.
ايرنست: لن يمكنه ذلك. ولن أخشى شيئاً.
الممثلة: ولا تهتمي لما يمكن أن تجديه في جيبه… رسائل، مناديل، صورتي، لاتهمك الزهور التي يرسلها، أو الرسائل التي يكتبها، أو المواعيد التي يقوم بها… لا تنخدعي مرة أخرى.
ايرنست: أنت متأكدة من ذلك. وأنت لا تريدين أن تقولي له أي شيء عن مجيئي إلى هنا. أليس كذلك؟
الممثلة: ولا كلمة. أنا غاضبة منه لعدم مجيئه إلي بصراحة لاستخدامه لأسمي كما فعل.
ايرنست: أنت عزيزة، وأنا لا أعرف كيف أشكرك.
الممثلة: والآن يجب عليك أن لا تبدئي بالبكاء مرة ثانية أبداً.
ايرنست: أنت جعلتني سعيدة جداً!
(تقبل الممثلة بتهور، تبلل خداها بالدموع ؛ ثم اندفعت خارجة. ينغلق الباب وراءها. وهنا فترة صمت وتوقف).
الممثلة: (تذهب إلى باب الصالون، وتتصل بالهاتف) حسناً، ألفريد. يمكنك الدخول الآن. لقد ذهبت زوجتك.

ستار

شاهد أيضاً

عصمت شاهين دوسكي: معذب أنا

معذب أنا سحر بين اغترابي ولوعتي حتى الصبر لم يلق الشفاء على مأساتي بعد الحنين …

سعد جاسم: في مديح الانوثة

كلُّ نهدٍ نهرٌ من حليبٍ وعسل وكلُّ نهدٍ إلهٌ هَيْمانٌ حينَ تجنُّ الرغبةُ فيهِ ويتعالى …

تَخَبَّطني الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ
بقلم: عبدالرحيم عاوة- المغرب

ظلام حالك يغشى الروح… دخان أسود ينبعث من الجسد… أعتصر الدم الأسود قطرة قطرة… في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *