العدوانية في التحليل النفسي.. جاك لاكان
ترجمة: حسين عجة (الجزء الثاني)

لا أشخص هنا هذه المكانة ضمن البناء النظري، الذي كان فرويد قد خصصه لها في كتابه الميتا-سيكولوجية كمنظومة أدراك حسي-شعور « système perception-conscience » ، ولكن عبر الجوهر الفينومنولوجي  الذي أقره دائماً في التجربة، من الجانب الإنكاري “Verneinunng”، والذي يحثنا على التدقيق بمعطياته ضمن العلامة الأكثر عمومية  لأي قلب استباقي.
باختصار، نحن نشير إلى تلك النواة القائمة في الأنا « dans le moi » الحاضرة في الشعور، ولكن المظلمة بالنسبة للتأمل، المدموغة بكل الالتباسات التي تبني في الذات الإنسانية المُعاش الانفعالي، من المحاباة وحتى سوء الطوية « mauvaise foi »؛ هذه الأنا « ce « je » التي إذا ما أرادت إخضاع تكلفها إلى النقد الوجودي، فأنها ستتناقض مع الإشكالية الملموسة لتحقيق الذات، عبر الادعاءات والجهل.
من دون اللجوء إلى المواجهة المباشرة، يتبنى المايتك التحليلي « maïteutique analytique » دوران ينتهي بإدخال بارانويا موجّهةً « paranoïa dirigée » على الذات. في الحقيقة أن أحدى جوانب الفعل التحليلي هو القيام بعملية تحديد الإسقاط لما تطلق عليه “ميلين كلاين” Mélanie Klein اسم مواد مضرة داخلية « mauvais objets internes »، أنه بالتأكيد ميكانيزم بارانويا، لكنه ممنهج هنا للغاية، مُصفى نوعاً ما ومُشبع بقياسه.
أن جانب ممارستنا « notre praxis » هو منْ يجيب على مقولة المجال، بالقدر الذي يُفهم فيه المجال التخيلي الذي يتطور فيه بعد الإمارات المرضية، والذي يتشكل وكأنه جزر صغيرة معزولة، أنواع من العتمة الثابتة، أو استقلالية متطفلة على وظائف الشخص.
أما على البعد الآخر، الزمني، فيجيب القلق وعلامته، التي أمّا أن تكون مكشوفة « patente » في ظاهرة الهروب أو المنعِ، أو ضمنية  « latente » عندما لا تظهر إلا مع الـ « imago » المُحفزِ.
لنكرر ذلك ثانية، لا يكشف هذا الـ « imago » عن نفسه إلا بالقدر الذي نقدم فيه للذات المرآة النقية التي لا تشوب سطحها أية مُصادفات.
لكن على المرء أن يتخيل، لكي يفهمنا، ما سيحدث عند المريض الذي يرى في محلله رداً مضبوطاً لنفسه. كلنا نشعر بأن المبالغة في حدة العدوانية ستضع عائقاً في وجه تكشف التحويل، الذي لا يمكن أن يحدث تأثيره النافع إلا مع التأني الأكبر، وهذا ما يحدث في عدد من التحاليل المكرسة لهدف تربوي. وإذا ما كان بمقدورنا تخيله وهو معاش تحت نمط من الغرابة الخاصة بتصورات ظهور المثيل « appréhensions du double »، فسيحرك موقف كهذا قلق لا يمكن السيطرة عليه.

الأطروحة رقم 4 : العدوانية هي ميل مرافق لنوع من المطابقة التي نطلق عليها تسمية النرجسية والتي تحدد البنية الشكلية لأنا الإنسان وسجل الوحدات التي تشخص عالمه.
تُثَبتْ التجربة الذاتية للتحليل مباشرة نتائجها في السيكولوجية الملموسة. لنشير فقط على ما تحمله إلى سيكولوجية الانفعالات وذلك بإظهارها للدلالة المشتركة ما بين حالات مختلفة تماماً فيما بينها كالخوف الوهمي، الغضب، الكآبة القوية، أو التعب المنهك.
لنمر الآن من الذاتية الغائية إلى فكرة الميل العدواني، وهذا يعني القيام بقفزة من فينومنولوجية تجربتنا نحو الميتا-بسكيولوجية.
غير أن هذه القفزة لا تكشف عن شيء آخر سوى مطالبة الفكر الذي ينبغي عليه فهمها ضمن صياغة معادل، وذلك لكي يموضعها الآن في سجل ردود الأفعال العدوانية، وذلك بحكم عجزه عن وضع التنوع الكمي في سلسلة واحدة. وهكذا نستخدم نحن فكرة الليبدو « notion de libido ».
يكشف الميل العدواني عن نفسه بصورة جذرية ضمن سلسلة معينة من الحالات الدالة على الشخصية، والتي هي حالات العصاب ذو الأصل الذهاني « psychoses paranoïdes » وحالات البارانويا.
لقد أشرت في أعمالي بأنه كان بمقدورنا التنسيق ما بين نوعية ردة الفعل العدوانية التي يمكننا توقعها من شكل البارانويا هذا، وذلك بوضعها بدقة ضمن سلسلة موازية، مع مرحلة الأصل الذهني الذي يمثله الهذيان العارض لذلك الشكل ذاته. وهي علاقة تبدو أكثر عمقاً أيضاً وذلك حين يهد الفعل العدواني البنية الهذيانية -وذلك ما بينته بالنسبة لشكل قابل للشفاء : بارانويا العقاب الذاتي-.
وهكذا تنتظم ردة الفعل العدواني في سلسلة متواصلة، بدأً من الانفجار الفظ والخالي من دافع للفعل عبر تسلسل جميع أشكال النزاعات وحتى الحرب الباردة للتأويلات الاستدلالية، المتوازية مع اتهامات بالسذاجة التي تتنضد فيها ، ومن دون الحديث عن الـ « kakon » الغامض الذي يَسندُ إلية العصاب ذو الأصل الهذياني سبب عدم توافقه مع أي تواصل حياتي، جميع الحوافز انطلاقاً من الحافز المأخوذ عن عضوية بدائية تماماً، السم، وحتى الحافز السحري، المؤذي، التلباتك، التأثير، المجرح، التدخل الجسدي، المتهور، وتحويل الانتباه، الاستلابي، اختلاس السر، التدنيسي، وسرقة الحميمية، القضائية، والإجحاف، الأضطهادي، التجسس والترهيب، المُدهش، تشويه والحط من الشرف، المطالبي، الضرر والاستغلال.
هذه السلسلة التي نعثر فيها على جميع الأغلفة المتعاقبة للمكانة البيولوجية والاجتماعية للشخص، قد بينت بأنها ترتبط في كل حالة بتنظيم أصلي لأشكال الأنا وللمادة اللتان تُمسان في بنيتهما، كما تُمس أيضاً المقولات الزمنية والمكانية التي تتشكلان فيهما، والمعاشة باعتبارها حوادث ضمن أفق سرابات، وكتعلق ذو نبرة نمطية يتعطل فيها الديالكتيك الخاص بها.
لقد بينَ “جانيت” Janet بصورة رائعة دلالة مشاعر الاضطهاد كونها لحظات فينومنولوجية للتصرفات الاجتماعية، لكنه لم يعمق طابعها المشترك، والذي هو بالدقة تشكلها بسبب من ركود أحدى لحظاتها، الذي يشبه توقف أحد الممثلين عن العمل أثناء دوران الفيلم.
والحال ينتمي ذلك الركود المُحَدّدْ للبنية الأكثر شيوعاً إلى المعرفة الإنسانية : تلك التي تشكل الأنا والمواضيع ضمن خصائص الديمومة، للهوية والجوهرية، وباختصار تحت شكل وحدات أو “أشياء” مختلفة تماماً لهذه “الكاشتالط” « ces gestalt » الذي تخولنا التجربة على عزلها عن تحرك الحقل الممتد وفقاً لخطوط الرغبة الحيوانية.
وبالفعل، يُقحم هذا الثبات القطعي نوعاً من الانقطاع على المخطط، ويحدثُ شيئاً من الخلخلة ما بين عضوية الإنسان ومحيطه « son Umvelt »، وهو ذاته الشرط الذي يوسع بلا تحديد عالمه وقوته، وذلك بمنحه لمواده قيمتها الأدواتية ذات التعدد التكافئي وتعدديتها الصوتية الرمزية، وتسلحها الضمني أيضاً.
ما أطلقت عليه اسم المعرفة الهذيانية (البارونية) تجيب عبر أشكالها القديمة نوعاً ما على لحظات إشكالية بعينها، شاطرة بهذا تاريخ الأصل الذهني للإنسان، حيث يشكل كل واحد من تلك الأشكال مرحلة من مراحل التطابق المموضعِ.
يمكننا ملاحظة هذه المراحل عن طريق المراقبة العادية عند الطفل، التي كشفت عنها “شارلوت بهيلر” و”أيلزا كوهلر” ومن بعدهما مدرسة شيكاغو، والتي تظهر لنا العديد من مخططات ذلك التكشف ذو المغزى، والتي لا يمكن إلا للتحليل أعطائها قيمتها الدقيقة، وذلك لأنه يتيح إدماج العلاقة الذاتية ضمنها.
يُظهر لنا المخطط الأول تجربة التعرف على الذات عند الطفل في مراحل عمره الأولى، وذلك عن طريق مماثلته لنفسه بأشباهه، ونموه انطلاقاً من موقف معاش غير مميز. وهكذا يبدأ الطفل في عمر الثمانية أشهر تقريباً يواجه غيره من الأطفال، ولكي تكون تلك المواجهات فاعله ينبغي أن لا يكون الفارق في العمر أكثر من شهر ونصف، لنلاحظ ذلك، فنحن نراه يقوم بحركات أفعال تخيلية حيث تشرع الذات بتصحيح الجهد الناقص لحركة الآخر وذلك بخلطها لتطبيقها المتميز؛ فلتزامن الأسر التخيلي هذا أهمية ملحوظة لأنه يستبق التناسق الكامل ما بين الأجهزة المحركة التي تستخدمها الذات.
ومن ثم فإن العدوانية التي تظهر عبر تناوب الضربات واللكمات لا يمكن التعامل معها باعتبارها تجلي للممارسة اللعبية للقوى واستخدامها لصالح التعرف على الجسد وحسب، بل ينبغي فهمها كونها نظام لتنسيق أكبر : إلا وهو ذلك النظام الذي يُخضع وظائف الوضعيات الجسدية الهادئة والضغط النباتي لنسبية اجتماعية كان “فالون” قد أشار بشكل ملحوظ على تفوقها ضمن التكون التعبيري عن الانفعالات الإنسانية.
بل وحتى أكثر من ذلك، إذ أعتقد بأني تمكنت من تبيان مسألة أن الطفل في مناسبات كهذه يستبق على مستوى المخطط الذهني السيطرة على الوحدة الوظائفية لجسده بالذات، الذي لم يكتمل بعد في هذه اللحظة على صعيد الحركية الإرادية « la motricité volontaire ».
نلتقي هنا بالأسر الأول للصورة حيث ترتسم اللحظة الأولى لديالكتيك المطابقات. أنه يرتبط بظاهرة “كاشتالطية” « lié à un phénomène de Gestalt »، فالإدراك الحسي للشكل الإنساني مبكر للغاية عند الطفل، شكل يُثبت، كما نعرف، مصلحته منذ الشهور الأولى، وحتى من اليوم الثاني عشر بالنسبة للوجه الإنساني.
لكن ما يكشف عن ظاهرة التعرف تلك، التي تشتمل على الذاتية، هي إشارات فرح الانتصار ولعب التعلم الذي يميز، بدءاً من الشهر السادس، لقاء الطفل بوجهه في المرآة. يتناقض هذا السلوك بطريقة حادة مع عدم الاكتراث الذي تظهره الحيوانات التي تلمح نفس الصورة، الشمبانزي على سبيل المثال، وحين تدلل على عبثية ذلك الاختبار الغيري « objectal »، كما تزداد أهميته في عمر يَظهرُ فيه الطفل، على مستوى الذكاء الأدواتي، تخلفاً مقارنة بالشمبانزي، الذي لا يلتحق به إلا في الشهر الحادي عشر من عمره.
أن ما أطلقت عليه تسمية “مرحلة المرآة” « stade du miroir » يكتسب أهميته من خلال التجلي الديناميكي الفعلي الذي تشرع فيه الذات أولاً بمطابقة نفسها مع “كاشتلاط” رؤيوي « Gestalt visuelle » لجسدها هي بالذات : أنها، مقارنة بعدم التنسيق الذي ما زال عميقاً لحركيتها الخاصة، وحدة مثالية، « imago » صحي؛ كما أنها تتمتع بكل الكآبة الأصلية « détressé originelle »، المرتبطة بالتنافر ما بين العضوي « intra-organique » والعلائقي للطفل الإنساني، طيلة الأشهر الستة الأولى، التي يحمل فيها الإشارات، العصبية « neurologique » والمزاجية « humoraux »، الدالة على عدم نضوجه الولادي الفسيولوجي.
كذلك فإن هذا الأسر من قبل الـ « imago » للشكل الإنساني، الذي هو أكثر من مجرد عاطفة « Einfülung » يكشف كل شيء عن غيابها في الطفولة الأولى، والذي يُسيطر، ما بين عمر الستة أشهر والسنتين ونصف، على كل ديالكتيك سلوك الطفل حيال حضور أقرانه. طيلة هذه المرحلة بكاملها، سنقوم بتسجيل ردود الفعل الانفعالية والشهادات المترابطة عن انتقالية أخلاقية « transitivisme moral ». فالطفل الذي يَضربُ يقول بأنه قد ضُربَ، وذلك الذي يرى أحدهم يسقط يبكي. وبذات الطريقة يعيش عبر المطابقة مع الآخر جميع سلم ردود أفعال التباهي والفخفخة، التي تكشف سلوكياتها عن الانشطار البنيوي « ambivalence structurale »، كالعبد الذي يتوحد مع الطاغية، الممثل مع المشاهد، أو الغاوي مع من يغوى به.
ثمة هنا من مفرق بنيوي، ينبغي علينا تطويع فكرنا فيه لكي نفهم طبيعة العدوانية عند الإنسان وعلاقتها بتشكل أناه ومواضيعها. فهذه العلاقة الإروتيكية (الشهوانية) التي يُثبت فيها الفرد الإنساني نفسه بصورة تجعله غريباً عن نفسه، نعثر فيها على الطاقة والشكل الذي تتأصل فيهما تلك العضوية الانفعالية التي يَطلقُ عليها اسم الأنا.
يتبلور هذا الشكل في الحقيقة في الضغط النزاعي الداخلي للذات، الذي يحدد يقظة رغبته لمادة الرغبة عند الآخر : هنا سرعان ما يتحول التعاضد البدائي إلى منافسة عدوانية، ومنه يتولد ثالوث الغير « triade de l’autrui »، للأنا وموضوعها، التي بانتشارها ضمن مجال المشاركة التخيلي، تتثبت وفقاً لشكلية خاصة بها، وتُخضع لها العاطفة الواقعية التي يمكن أن تجعل الطفل يخطأ بتحديد هوية الأشخاص الأقرب إليه، إذا ما ظهروا ضمن محيط مغاير تماماً.
لكن إذا كانت الأنا قد كشفت عن نفسها منذ الأصل مدموغة بهذه العدوانية النسبية، التي يمكن للعقول المأخوذة بالتموضع أن ترى فيها علامات على حالات الانتصاب الانفعالية التي تُثيرها لدى الحيوان رغبة جانبية أثناء خضوعه لشرط تجريبي، كيف يمكننا أن لا ندرك بأن كل تحول كبير غرائزي يحدث شطراً في حياة الفرد، ويضع موضع التساؤل تحديده، المكون من الربط ما بين تاريخه الذاتي ورغبته الفطرية الحَرَيةِ على التفكير ؟
لهذا لا يمكن أبداً، اللهم إلا ضمن حد لم يكن بمقدور العبقريات الكبيرة من الاقتراب منه، اختزال أنا الإنسان إلى حدود هويته المعاشة؛ وفي حالات الانفجار الكئيب الناتج عن عيش تعاسة الشعور بالدونية، المولدة جوهرياً لأشكال النفي المميتة التي تسمره في شكليته الخاصة. “لا علاقة لي بالشيء الذي حدث لي. أنت لا قيمة لك عندي”.
كذلك تختلط اللحظتين التي تنفي فيهما الذات نفسها وتتهم الآخر، والتي نعثر فيهما على البنية الهذيانية للأنا التي تجد معادلها في أشكال النفي الجذرية التي أكد عليها فرويد في الهذيانات الثلاثة للغيرة، للشهوانية والتأويل. أنه ذات هذيان تلك الروح الجميلة عدوة البشر، التي تقذف على العالم الفوضى التي تشكل كينونتها.

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *