الرئيسية » فلسفة » حسن عجمي : فلسفة الواقع و الأكوان الممكنة

حسن عجمي : فلسفة الواقع و الأكوان الممكنة

hasan agmiما هو الواقع و مما يتكوّن ؟ و هل يرتبط الواقع بالأكوان الممكنة أم لا ؟ تؤكد فلسفة الأكوان الممكنة على أنه توجد أكوان عديدة و مختلفة. و لهذه الفلسفة أسس علمية صلبة. لكن هل من الممكن فهم الواقع من خلالها ؟

تشير النظريات العلمية المعاصرة في الفيزياء إلى أنه توجد أكوان ممكنة متنوعة. هذه الأكوان ليست المجرات المختلفة في عالمنا ، بل من المفترض أن تكون منفصلة عن بعضها البعض ، و كل كون منها له حقائقه و قوانينه الطبيعية التي قد تشبه أو تختلف عن حقائق و قوانين الأكوان الممكنة الأخرى. يتفق العديد من العلماء على أن هذه الأكوان الممكنة موجودة بالفعل. فمثلا ً , يستنتج بعض العلماء كالفيزيائي ” إيفريت ” أنه توجد أكوان ممكنة على ضوء نظرية ميكانيكا الكم . بالنسبة إلى ميكانيكا الكم ، من غير المحدَّد سرعة الجُسيم و مكانه في آن كما من غير المحدَّد ما إذا كان الجُسيم جُسيما ً أم موجة. و يعبّر الفيزيائيون عن ذلك أيضا ً بقولهم إنه من غير المحدَّد ما إذا كانت قطة شرودنغر حية أم ميتة. لكننا نعلم أن أية قطة لا بد أن تكون إما حية و إما ميتة ما يعارض ميكانيكا الكم بشدة. على هذا الأساس حلّ بعض العلماء كالفيزيائي إيفريت هذه الإشكالية من خلال الموقف التالي : قطة شرودنغر حية في كون ممكن ، لكنها ميتة في كون ممكن آخر. و بذلك تتجنب ميكانيكا الكم مشكلتها السابقة. هكذا تؤدي نظرية ميكانيكا الكم إلى نتيجة أنه توجد أكوان ممكنة عديدة و مختلفة. كما أن فيزيائيين آخرين كالفيزيائي ميشيو كاكو يصلون إلى النتيجة ذاتها بطريقة أخرى هي التالية : بالنسبة إلى ميكانيكا الكم ، يوجد الإلكترون في كل الأمكنة الممكنة حول نواة الذرة بدلا ً من أن يوجد في مكان معين حول النواة. لكن العالم كان أصغر من الإلكترون قبل الانفجار العظيم . و بذلك إذا طبقنا ميكانيكا الكم على الكون كله سيتضمن ذلك وجود الكون في كل الحالات الممكنة المختلفة تماما ً كما يوجد الإلكترون في كل الأمكنة الممكنة حول النواة. و ما هذه الحالات المختلفة للكون سوى الأكوان الممكنة المتنوعة في حقائقها و قوانينها الطبيعية. هكذا نصل أيضا ً إلى نتيجة أن الأكوان الممكنة موجودة من خلال ميكانيكا الكم. (1)

كما يوصلنا المفهوم العلمي للعدم إلى نتيجة أنه توجد أكوان عديدة و ذلك اعتماداً على مبدأ التقلب الكمي الخاص بنظرية ميكانيكا الكمّ. يقول الفيزيائي آلن غوث إن الكون قد نشأ من العدم من جراء التقلبات الكمية التي تصيب الفراغ. يتكوّن العدم من طاقات متعارضة و بذلك تختزل هذه الطاقات بعضها البعض فيتشكّل العدم. و لأنه لا يوجد ما هو ثابت من جراء التقلب الكمي الخاص بنظرية ميكانيكا الكم بل كل شيء محتمل ، إذن من المحتمل أن تنجو طاقة من العدم ولا يتم اختزالها ما يؤدي إلى نشوء عالمنا. وإذا جمعنا طاقات عالمنا سنجدها تساوي صفرا ً لأن الطاقة الإيجابية لعالمنا تساوي طاقته السلبية . من هنا يستنتج الفيزيائي ” غوث ” أنه يوجد الوجود لأنه عدم ؛ فجمع طاقات الكون يساوي صفرا ً. يضيف آلن غوث قائلا ً : بما أن عالمنا وُلِد من نقطة في العدم من جراء التقلب الكمي ، و بما أن العدم يتشكّل من نقاط عدة إن لم تكن لامتناهية في العدد ، إذن من الممكن أن تنمو أكوان ممكنة عديدة إن لم تكن لامتناهية في العدد من نقاط العدم المختلفة. هكذا تصر هذه النظرية العلمية على أرجحية وجود أكوان ممكنة متعددة. (2)
من جهة أخرى , تؤدي نظرية الأوتار العلمية أيضاً إلى نتيجة أنه توجد أكوان ممكنة عدة. بالنسبة إلى نظرية الأوتار، يتشكّل العالَم من أوتار قائمة في عشرة أبعاد مكانية وبُعد زماني واحد بينما العالم الذي نحيا فيه يتشكّل من ثلاثة أبعاد مكانية وبُعد زماني واحد. أما الأبعاد الأخرى فملتفة بشكل يجعلها خفية عنا ، و قوانين الطبيعة فيها تعتمد على طبيعة هندستها الرياضية. و بذلك الأبعاد الأخرى تُشكِّل عوالم ممكنة عديدة و متنوعة بسبب اختلاف هندساتها الرياضية. هكذا تقترح نظرية الأوتار أن العوالم الممكنة موجودة. و تضيف نظرية الأوتار قائلة إن الكون يتكوّن من أوتار و أنغامها ؛ فمع اختلاف ذبذبات الأوتار تختلف مواد الكون و طاقاته. لكن ثمة بلايين من الحلول لمعادلات نظرية الأوتار، و كلها حلول ناجحة رغم اختلافها و تعارضها. بذلك كل حل منها يصف عالما ً ممكنا ً مختلفا ً عن الأكوان الممكنة الأخرى التي تصفها الحلول الأخرى. هكذا تصل نظرية الأوتار إلى نتيجة أنه فعلا ً توجد أكوان ممكنة عديدة و مختلفة. (3)

الآن , بما أنه توجد أكوان ممكنة عديدة , و هذه الأكوان مختلفة في حقائقها و قوانينها , إذن تصدق كل التواريخ الممكنة المختلفة. فكل تاريخ ممكن هو تاريخ صادق و واقعي في عالم ممكن مختلف عن الأكوان الممكنة الأخرى التي تصدق فيها التواريخ الممكنة الأخرى. و بذلك كل التواريخ الممكنة و المتعارضة صادقة لكونها صادقة و واقعية في أكوان ممكنة مختلفة. هكذا تصدق السوبر تاريخانية التي تقول بأن كل التواريخ الممكنة واقعية و موجودة بالفعل. من المنطلق ذاته , بما أن الأكوان الممكنة المتنوعة موجودة , و بما أن هذه الأكوان مختلفة في حقائقها و قوانينها الطبيعية , إذن تصدق كل النظريات الفكرية و الفلسفية و العلمية و الدينية رغم اختلافها و تعارضها لكونها تصف حقائق و قوانين مختلفة فمتحققة في أكوان ممكنة متنوعة. فكل نظرية أكانت فلسفية أم علمية أم دينية هي نظرية صادقة لأنها تصدق في عالم ممكن مختلف عن الأكوان الممكنة الأخرى حيث تصدق النظريات الفلسفية و العلمية و الدينية الأخرى المختلفة. و بما أن كل النظريات الفلسفية و الدينية و العلمية صادقة لكونها صادقة في أكوان مختلفة , إذن تتساوى كل النظريات في مقبوليتها و قيمتها. و بما أن كل النظريات متساوية في مقبوليتها و قيمتها , إذن من الخطأ تكذيب نظرية دون أخرى أو تصديق نظرية دون أخرى. و بذلك من الخطأ تكذيب أي إنسان و أية عقيدة أو نظرية دينية أو فلسفية أو علمية. على هذا الأساس , تتحقق السوبر إنسانوية و السوبر ديمقراطية الفكرية.

بالنسبة إلى السوبر ديمقراطية الفكرية , كل العقائد الدينية و النظريات الفلسفية و العلمية متساوية في القبول و الصدق و القيمة , و بذلك لكل فرد الحق و الحرية في اختيار أية عقيدة أو مذهب فلسفي أو علمي. من هنا , تضمن السوبر ديمقراطية الفكرية المساواة بين الأفكار و المذاهب و النظريات كما تضمن حرية الفرد في اختيار معتقداته. أما بالنسبة إلى السوبر إنسانوية فكل فرد يحتفظ بإنسانيته كاملة من جراء عدم وجود نظرية واحدة صادقة دون أخرى تعرِّف مَن هو الإنسان فتلغي إنسانية مَن لا يتفق مع تلك النظرية. بكلام آخر , تعتبر السوبر إنسانوية أن كل النظريات المختلفة و المتصارعة التي تعرِّف مَن هو الإنسان صادقة لكونها صادقة في أكوان ممكنة مختلفة. و لذا لا توجد نظرية في تعريف الإنسان صادقة دون النظريات الأخرى المنافسة لها. و بذلك من المستحيل القول حينئذ ٍ إن هذا الإنسان أو ذاك فاقد لإنسانيته من جراء عدم تحقيق إنسانيته المُعرَّفة من قبل هذه النظرية أو تلك. من هنا , تضمن السوبر إنسانوية عدم إلغاء إنسانية أي إنسان. هكذا فلسفة الأكوان الممكنة تضمن تحقيق السوبر إنسانوية و السوبر ديمقراطية الفكرية.

أما عالمنا الواقعي فليس سوى مجموع الأكوان الممكنة. لكن كل النظريات المختلفة صادقة في الأكوان المتنوعة و إلا لم تكن أكواناً مختلفة. بذلك تصدق كل النظريات في عالمنا الواقعي ما يحتم عدم رفض الآخرين و معتقداتهم. و مثل على أن الواقع مجموع الأكوان الممكنة هو التالي : بالنسبة إلى ميكانيكا الكم , يعبر الجُسيم كالإلكترون من كل الممرات الممكنة في الوقت نفسه حين ينتقل من نقطة إلى أخرى , و بذلك الواقع يتكوّن من الممكنات كافة المتحققة في الأكوان الممكنة. من هنا , عالمنا الواقعي مجموع الأكوان الممكنة المختلفة و المتنوعة. و بما أن العقائد و النظريات المختلفة في الدين و الفلسفة و العلوم صادقة في أكوان ممكنة متنوعة , إذن كلها صادقة في عالمنا الواقعي. و لذا لا تفضيل لنموذج فكري على آخر ما يضمن السوبر إنسانوية و السوبر ديمقراطية الفكرية في آن.

يتكوّن الواقع من كل الممكنات. لذلك النظريات العلمية المتعارضة صادقة بمعنى أنها تطابق الواقع. فمثلا ً , نظرية أينشتاين العلمية القائلة بحتمية القوانين الطبيعية صادقة تماماً كما أن نظرية ميكانيكا الكم القائلة بأن القوانين الطبيعية ليست حتمية بل احتمالية هي أيضاً صادقة كما أثبت الاختبار العلمي. على هذا الأساس , من غير المستغرب أن يوجد الواقع و أن يستمر في الوجود بما أنه مجموع كل ما هو ممكن. واقع بلا ممكنات واقع بلا وجود. و ممكنات بلا وجود ممكنات فارغة المحتوى و المضمون. أما الإنسان فمجموع كل الممكنات تماماً كالواقع الذي يولد فيه و ينتجه.

المراجع

(1) Brian Greene: The Hidden Reality. 2011. Knopf
(2) Alan Guth: The Inflationary Universe. 1997. Jonathan Cape

(3) Michio Kaku: Parallel Worlds. 2005. Doubleday

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *