الرئيسية » نقد » ادب » عدنان أبو أندلس : الأديب محمد حسين الداغستاني في أرشفة الهَم اليومي؛ يقظة الوجع .. حدّس اللحظة المخفي

عدنان أبو أندلس : الأديب محمد حسين الداغستاني في أرشفة الهَم اليومي؛ يقظة الوجع .. حدّس اللحظة المخفي

adnan abu andalusتمتد خيوط حالة الإنطباع التي تختزنها الذاكرة في موضوع حسي ما ,غالباً إلى أحداث مستقبلية تستنفر العلن بأية طريقة ما, وقد تولد من جراء ذلك إلى بؤرٍ تسيطر على الواقع الملموس لحدس اللحظة (كيمياء الزمن) , هذا الإنطباع المتخيل والراسخ عن تواصل وإستبصار اللامتوقع ذو المحور الواحد, ينتج إشراقات تضيء الأُفق الملبد بالتوجس والعتمة والخيبة .وما يقظة الوجع إلا تأسيساً على ذلك, عبر صيحة حرة في كبد ليلٍ مستديمٍ, نتيجة ردة فعل لضغوط سيكلوجية عميقة وثورة وجدانية صاخبة , أراد منها – محمد الداغستاني إشعارنا بها وفق وصايا تتقاطر من ذاتيته المشحونة بألم دفين , وحزن عميق لروح إقتحامية لتغيير واقع الحدث , وإثارة أفق ملثم تتدرج على نصوص سائحة ,قصيرة و تنمو من الداخل لتخاطب القلب والعقل معاً.
بلغة رومانسية ساحرة ونظم مكثفة كقطع مكبوسة شفيفة إلى حد الحسد النفسي –الغبطة – لما يمتلكه الداغستاني –الأديب والصحفي – في نصوصه الوجدانية والتي عتّقها قرابة النصف قرن , تمخضت سحراً ينوء بالبديع والروعة , إنه ذو نفس طويل في تسابقه مع النوع دون الكم , وأخاله يهمس مع نفسه قائلاً :لقد إستعجلت في هذا الإصدار – منشورات مركز القفقاس للنشر والطباعة –الطبعة الأولى -2009-بحيث تتحول نصوص يقظة الوجع إلى طاقة كامنة مستمدة قوتها من العزم في مواصلة إكتشاف حقائقٍ معصورة مختفية في ذات الآخر ,قدرة فنية فائقة في الوصف ,وحركة سلسلة للكلمات ,والنقاء فريد للمفردة المتوثبة المتحفزة كي تصارع ذلك الماثل المحتجب للرؤية.
في العتبة النصية أو الموجه القرائية أو قل ثريا المجموعة تلاحظ نص – يقظة الوجع- هناك محاورة للذات ومطاوعة للتشريح والتخيل ,إنه نص يكتظ بالسؤال كما في جاء (سيدتي , مابال الحب أضحى سلعة يتداولها المتاجرون والمنهمكون في الثرثرة ,الىفلون في نهاية النهار , والمزيفون الذين لا غال لديهم ليعرضوه في سوق السلع الرخيصة؟) ويوغل في طقس مشحون بالغصة والشكوى والإحباط ,يستلهم من سيدة النهارات هذاالخيط الموغل في أفئدة من لايغادرها الود,مهما تكالبت قوى الشر ,فللطرف الآخر قلب أيضاً كلما لان له الزمن أوجد فيه الرأفة دون وهن.
وفي هامش آخر (ما بال الحب أمسى عند البعض مجرد وثيقة لإمتلاك الآخرين؟) موحياً إلى السيدة المجهولة بلغة الصمت تجاه الآخر بدلاً عنهم من الذائقة وصولاً إلى التحديق في الأُفق ,ولا خيار لمن لا يمتلك البصيرة!mohamad aldaghestani
كذلك في (إمزجيني أيتها الناعسة في زمن المناغاة بدمك لأسافر نحو قلبك المخزون بالتساؤل والحيرة , وأسبغي على روحي بعض الهدوء الذي افتقده في بعدك) إن اللغة الموحية في نصوص الكتاب لها حياة وروح , تتخللها أسئلة إستفهامية دافئة متماوجة مترعة بالرمز ,ورغم أن المرموز بعيد عن الأنظار ,قريب من القلب ,إلا إنه موحي لأهميته الدلالية بالتخاطب ,حتى يبلغ الذروة القصوى في الإفصاح ,ذلك هو الشأن الأعلى للفيض الوجداني الدافق ,لذا فإن المفردة في نصوص الكتاب لا تنبع من تشكيلاتها الفنية ومادتها الغنية حسب,بل من القدرة على تقديم الفكرة ومزاوجتها لخلق أيقونة مثالية وقدسية , وفرت البيئة الأساسية لتطويع الإبداع الفني, فالداغستاني هنا يتوافق مع – ليو تولستوي –عندما يؤكد على (أن الكاتب يضع خير ما في نفسه على الورق ,إنه يعصر روحه ويقطرها ,ولهذا يكون ما كتبه جميلاً,بينما تكون حياته في مكابدة وشقاء!) وهكذا فإنه يضع حقائقاً سايكو لوجية تنطبق مع خصائص الشخصية المتحفزة لإنجاز النص بأسرع ما يمكن , ويبرهن على قدرته في إنتقاء الكلمة والتي يتعذر إستبدالها بأخرى لتأخذ مكانها الجمالي ,في ألية الحركة والأنساق والإنسيابية والتموج النغمي,كلمة تمد سطور النص بطاقة شحن مستديم:( آه ..كيف لي ان اجد كوةً لأمد براسي عبرها في الريح, وابحث عن شهقة جائعة لنور الخلاص من ربقة مايسوه حباً,وأدرك أن الجنوح من فضاء الملح إلى فضاء الغربة هو الألم بعدما إستيقظ الوجع من غفليه ووجد الحزن قد هدّ –حيلي- وملأ الحرش من حولي , وأحكم حدود حقلي ..)يقظة الوجع ص57.
هذا التأوه المكتوم والتمني الضاج بأسى, والذي خالجه في لحظة تأملية الحدس الشعري , برجاء خالص للولوج عبر جدار معتم يعزل الحياة عمن سواها, الفرح عن الحزن , الظلام عن النور,والخلاص عن دائرة الفراغ والتدرج بالوصف إلى حالة النضوج الرومانسي:(آه.. كم هو رائع هذا الإحساس بالطمأنينة , أضمك إليّ , ويدي تمسدُ جسدك النابض تحت أناملي كالعشب الندي في صباح يوم قائض , يحتشد بخفق الفراشات الهائمة!)
يصوب الداغستاني قوة إندفاعه نحو فهم خاص لإستخدامات المفردة , ورغم الإحباطات المتراكمة من الإفصاح التي تنوء بها تجاربه الواقعية بالنشر والإعلان , لكن تلك لن تثنيه في تحديه التغيير المفضي إلى تحقيق غاية نحو بهجة ماثلة للعيان يتحراها اللحظة وكما في حدسه – يقظة الوجع -, يطلق عليها صفة – قوة الروح –فيشرع بالمناداة:( أيتها المليئة بالعنفوان والفخر والإباء-أيتها المشحونة بالكلمات وقصص العشق المثيرة للجدل – أيتها المطيرة في صيفي القاحل والعناد المسفوح –تعالي .. قلبي ينبض بالود الجميل , والغسق المحلى , والنهار المترع باليُمن واللوز , وبحبك الذي –أبداً –لايموت).
صورة حسية ذات تراجيدي العمل والحركة وطقس شرقي النبرات زاخر بالعشق المموه والدلالات التي تذوب أسىً دون أن تكل عن الود لحظة حدس ماضٍ وإلى الأبد:
( ها أنذا أستفيق من الحلم , لا زلت نقية كدّرة بهية , مرصعة بنو آخاذ , تقفين وسط الضوء المشع من وجهك الصبوح , وتتدفقين بتلك البساطة المشحونة بالغنج والنداء والموحيات الساحرة , بالله عليك إفتحي ذراعيك وخذيني إليك ) حلم ليل مسهد ص 79.
هي الإستفاقة المغلقة بالتوجس والحدس والحلم الندي , إنها يقظة الوجع , تلك آفاق النصوص التي تنتمي بجدارة إلى فضاء الرومانسية الجديدة دون أية مواربة تذكربنهاياتها الموجعة , وكأرشفة للهم اليومي الزاخر بعتمة كونية نافرة ابداً.

كركوك-28-4-2014

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *