عصام القدسي : صباح الجمال ..

osam alkodsi 2صباح الخير حبيبتي .. أين كنت..ها .؟ في الحديقة .؟ لم تتلفتين .. !! أين ..؟ عرفت .. كنت تجلسين تحت شجرة النارنج ، مكانك المفضل . تتساءلين لم أنا  مستيقظ مبكرا ، رغم أن اليوم ، يوم عطلتي .؟ آه .. أقول لك ، تلك عادة ألفتها منذ زمن بعيد ، يوم كنت في بداية عملي فلولاها لما أصبحت صحفيا ناجحا ، في قسم التحقيقات ، بصحيفة (الوقت ) ..أشهر الصحف الصادرة في الشرق الأوسط ..فما أن أتلقى إشارة من رئيس التحرير حتى استيقظ  باكرا أحزم حقيبتي وأسافر . أسافر إلى أين .؟. إلى حيث يستدعي الواجب حاملا عدتي ، وفطنة من حديد ، ألاحظ وأسجل ، واجعل كاميرتي ، تنطق بصور تفوق الحياة ..وأعود بتحقيقات غاية في الروعة ، تثير دهشة رؤسائي ، وغيرة زملائي وإعجابهم. أراك منزعجة .. لا .! ولكن لم تفهمي مما قلته شيئا..ولا يهمك أن تفهمي ..  صحيح .. لم أقصد ..أنظري .. يا لغبائي ..فقد أردت أن أقول شيئا .. فقلت أشياء ليست لها علاقة بالموضوع.. أكرر أسفي..  كل ما أردت أن أقوله إن الاستيقاظ  المبكر يبعث على النشاط ويدفع إلى العمل بهمة لا تضاهى . فطرتِ .؟  لا. ؟ نعم  أم لا..؟ . إذن تعالي ، شاركيني الفطور . ليس لك رغبة .!!  حسنا . تعالي واجلسي بقربي . تعالي لا تترددي . . لا .. لا . ليس فوق المائدة . على الكرسي .. أجل، بالضبط . تعلمين .؟ أنني أحس بالانشراح حين أجلس في المطبخ بمواجهة هذه النافذة المطلة على الحديقة ..أشعر بحالة من البهجة وأنا أرى  الشمس تكلل ذوائب الأشجار والعصافير تزقزق فوقها، ثم تتشاجر فتنحدر إلى أسفل ولا تلبث أن تطير مخلفة صخبا أسمعه موسيقى رائعة .  وحين تمتد أشعة الشمس على أرضية المطبخ راسمة عمودا من الضوء ، فتلك سعادتي حيث مزيد من الحميمية أحسها للمكان.. وفي الشتاء أيام البرد حيث دفء الموقد ، تعجبني مراقبة المطر من هنا وهو ينهمر ويحني الأغصان ويغمر الحشائش فهذا شئ لا يصدق .. مشهد رائع  يؤجج مشاعر الرومانسية في النفس . لم تتلفتين.؟ .تريدين الخروج إلى  الحديقة . لا.. لا . بعد قليل تستيقظ  الماما وتعد لك فطورك المفضل . م..ا.. م..ا .أليس هذا أسمها . تعلمين يا جميلتي ، إن القلادة المعقودة على رقبتك رائعة الجمال ، تتناسب ولون عينيك الفاتنتين .. فحين أرادت لكِ أن تكوني متميزة ،  اقترحتُ عليها أن تشتري لك واحدة غالية الثمن ولكنها أصرت أن تصنعها لك بنفسها من خرز جميلة ملونة انتقتها واحدة واحدة من بين أكسسواراتها الثمينة وعكفت على نظمها بدقة ليس لها مثيل . كم تحبك الماما . !! . أنت تحبينها  أيضا ..؟ أعلم  ذلك ..نحن الاثنان نحبها .. إنها امرأة رقيقة ، ولذيذة كالقشطة ..ها.. ها.. ها..وإن كانت تتصرف بعصبية في بعض الأحيان .. ماذا أقول .!!  لا تشغلي بالك بكل ما أقوله.لا علينا .. هل نمت البارحة جيدا .؟.. أجل .؟  في الصالة  على الأريكة..نمت نوما هانئا ..!! إذن لم تتثاءبين .؟ أتعلمين.!!  إن نومك بيننا بالسرير ، كان يسبب لي كثيرا من الإزعاج كما يمنعني من التحرر . ماذا أقصد بالتحرر.. ؟ أي أنني أخلع ملابسي وأنام عاريا.. كما إن أمورا كثيرة تحصل بين الزوج وزوجته لا أحب أن تطلعي عليها . تسأليني ماهي .؟ يوما ما ستعرفينها .. ها قد عدت إلى التلفت نحو الحديقة .؟ ما بها .؟  نسيت شيئا هناك .؟  لاشيء ..؟ حين يتحدث معك أحد ، التلفت يعني أنك غير مهتمة أو أنك تبحثين عن شخص ما .. تلك عادتك .؟ لا. . لا يجوز هذا . إن هذا التصرف ، يدل على عدم اهتمامك بمحدثك . في آب القادم سنسافر إلى المصيف حيث الشلالات والجبال والينابيع والهواء المنعش . سنقضي أياما ساحرة ، وسنأخذك معنا .. أول مرة ذهبنا بها إلى المصيف ، كانت بعد زواجنا بعام .. فذات يوم من أيام الصيف القائظة ألحت الماما على السفر، قلت حسنا.. كنت أريد أن أعوضها عن شهر العسل الذي قضيناه كيفما اتفق بسبب مشاغلي الملحة.. يومها لبست ماما  أبهى الثياب وأخذت معها إلى المصيف كثيرا من الأمتعة والملابس دون أن تستعملها ..لسبب بسيط ..  لأننا عدنا في اليوم الثاني من هناك.. لماذا .؟ ما أن نزلنا في الفندق حتى طلبت مني أن نقصد نبعا .. إلى هنا لاشيء غريب في الأمر.. ولكن فكرة جنونية طرأت  برأسها وصممت على تنفيذها.. ما هي ..؟  لقد أصرت على أن نسير معا فوق الشريط الإسمنتي الذي تنحدراليه مياه النبع .. تصوري ..من ناحيتي قلت لها ” صدقيني ، ذلك عمل في غاية الخطورة “.. ولكنها لم تستمع لنصيحتي ، ولم تمهلني فرصة لأقرر مصاحبتها ..أفلتت يدها من يدي ومضت بمفردها  فوقفت أراقبها ، وما أن سارت خطوات حتى انزلقت وسقطت وأصيبت برضوض .. ها .. ها . هس .. لا تذكري ذلك أمامها . أجل .. ستغضب .. غضبا شديدا . حين نذهب إلى هناك ، سأريك المكان الذي سقطت عنده . لا تريدين السفر . وتحبين البقاء في البيت .. لم .. ؟ ها قد عدت إلى التلفت مرة أخرى .. أسألك لم لا تحبين مرافقتنا .؟. أؤكد لك أنك ستكونين سعيدة .. أما مللت البيت ..؟ تحبين كل زاوية فيه .!! وخاصة الحديقة ..!!. هذا الأمر تقرره الماما .. فهي لا تحبذ أن تتركك وحدك. ساعتها ستهربين.؟ إلى أين .؟ ستقضين فترة غيابنا عند جارتنا ” أم نصر” ..تلعبين مع أطفالها وتنامين معهم في الفراش .. من يعجبك منهم .؟ نصر . . هبة .. دريد . ؟ كلهم ظرفاء.. !! لديهم ألعاب جميلة ، ليست لديك مثلها .. ربما .  على كل حال ، سنناقش الأمر حالما ننوي السفر.. ترى هل عاد زوج ” أم نصر” من السفر .؟ كلا .؟ لم يعد بعد .؟  بيني وبينك .. يقال إن حكاية سفره هذه ملفقة .وإن ” أم نصر” هذه هي التي أشاعت هذه الكذبة . لماذا ..؟.!! كي تداري خيبتها.. أما في حقيقة الأمر ، وحسبما سمعت ،فإن زوجها هجرها ، وذهب ليتزوج بفتاة تصغره عشرين سنة ، صغيرة وحلوة كالشهد . لماذا..!!  ” أم نصر” هذه ، وإن  بدت طيبة ، امرأة ثرثارة . لا تنفك عن الشكوى وكثيرة العراك مع زوجها ..إضافة الى  دلك إنها تدس انفها بأمور الغير. ماذا يعني تدس أنفها..!! هكذا يقال لمن يتدخل بما لا يعنيه . مرة أوقعت بيني وبين الماما وكادت  تتسبب بطلاقنا . أجل ..صحيح .. إنها امرأة عابثة . حين ترى وئاما بين زوجين من الجيران لا يهدأ لها بال  . كيف ارتضت فتاة  في العشرين الزواج برجل عجوز.؟ أقول لك .. لأنه يملك المال الكثير.. نعم ، الكثير. وهل كل من يملك مالا يهجر زوجته ويتزوج بأخرى .؟!! لا.. لا .. أبدا ، إلا أن شيئا من الجنون وكثيرا من السأم  تسببه له الزوجة يدفعان الرجل إلى فعل ذلك .. أنا مثلا ، لا يمكن أن أفرط بزوجتي ، إنها حبة قلبي ، ودونها ليس لحياتي قيمة تذكر .لا. دعينا من هذا الموضوع فهو لا يعنينا . هل استمتعت مع ضيوفنا بالأمس .؟  أجل . هذه كانت قريبتنا وزوجها طببب . انه رجل ظريف ..ولكن ما يثير ضحكي ،إنه كلما قدمنا له صنفا من الطعام ردد قائلا “هذا  يزود الجسم بالبروتين ، وهذه  تعطينا كذا وكذا والرز يسبب السمنة و الحلوى فيها الكثير من السكريات، تمدنا بالطاقة ولكن يجب عدم الإكثار منها لذا سأكتفي بقطعة صغيرة ، والبرتقال غني بفيتامين السي ..والسجائر فيها نيكوتين ..و..و” يوووه.. هؤلاء الأطباء، وإن كان كلامهم صحيحا ، إلا أنني أجدهم غريبي الأطوار .. يسدون النفس ..لو أصغينا لهم في الكبيرة والصغيرة لفسدت الحياة  أف .. صراحة ، لم يعجبني هذا الجانب من حديثه . أنا شخصيا تعودت أن آكل ما أرغب وأدخن بأي وقت أشاء ، دون أن أفكر على هذا النحو.. أما نكاته وحكاياته  فالحق يقال  كانت بمنتهى الظرف.هه.. كيف رأيت الأطفال.؟ أطفال من .؟ أطفالهم ، مصطفى وزينب وايمان ونور.. سررت معهم .. ؟مصطفى شدك من أذنك .!! رأيته يفعل ذلك ، ولكنني خجلت أن أصرخ به وأعنفه.. فهم ضيوفنا .. أنا آسف نيابة عنه . نعم ، نعم لن أسمح له أن يكررها   إذا ما جاء لزيارتنا ثانية . أراك تتلفتين للمرة العشرين .. ما الذي يشدك إلى الحديقة .. آآآه .. إنه  القط الرمادي  اللعين ، الذي سرق بالأمس قطعة كبيرة من السمك  من المطبخ حين كانت الماما منشغلة بإعداد الطعام .. أنظري إليه كيف يستلقي على الحشائش ، دون خوف ، تأملي نظراته الصلفة التي يسددها نحونا .. ماذا تقولين ..  صديقك .!!.جاء ليراك .. الآن عرفت أين تقضين معظم الوقت .. تقضينه معه .. أليس كذلك.!! واضح .. كنتما تختليان معا فوق سطح  البيت .. أجل تذكرت ..فوق السطح  فقد رأيتكما مرة.. ماذا .؟ ستلدين منه قططا صغارا.. آه فهمت إذن أنت تعاشرينه دون علمنا .. تعاشرين لصا ..  لص وضيع وحقير.. انتظري ..لا تهربي ..أقول لك لا تهربي .. قطة فاجرة..أجل  أقولها ثانية وثالثة وبكل ما أوتيت من قوة .. قطة فاجرة .. فـاء ، وألف ، وجيم ، و راء، وتاء ..فاجرة .. وسأخبر الماما.. هه .

شاهد أيضاً

عادل الحنظل: قُصاصات

دخلتُ شاطئا أستنشقُ البحر، بكاملِ حِشمتي، فصرتُ إضحوكةَ العُراة. *** في بلدي، ستونَ عاما من …

هايل علي المذابي: خمس حكايا للضوء!

أقارب.. المرأة و الحزن أقارب.. و الضجة و البرميل أقارب .. و الجثة و عزرائيل …

سامية البحري: تأملات تحت ظلّ تلك الشجرة

أصغي إلى ضجة في غرف رأسي…. تقفز عيني اليسرى، تطلّ من كوة صغيرة في رحم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *